هدنة طرابلس خرقتها رصاصات قنص أوقعت جرحى، الأهالي قلقون من استخدام "بريد طرابلس" لرسالة جديدة (النهار)
نشر بتاريخ 28/05/2013
هدنة طرابلس خرقتها رصاصات قنص أوقعت جرحى، الأهالي قلقون من استخدام "بريد طرابلس" لرسالة جديدة (النهار)

هي العبارة المعتادة والتساؤل الدائم الذي يتردد على ألسنة الطرابلسيين بعد كل جولة اقتتال بين باب التبانة وجبل محسن: لماذا بدأت الاشتباكات وكيف انتهت؟

وتزداد مرارة التساؤلات بعد هذه الجولة السادسة عشرة التي استمرت طوال الاسبوع المنصرم وذهب ضحيتها اكثر من 30 قتيلا وعشرات الجرحى، وكانت الاكثر فتكا وتدميرا بعد استخدام انواع جديدة من الاسلحة المتوسطة والهاون والقذائف الصاروخية وبندقيات متطورة للقنص أوقعت معظم قتلى هذه الجولة.

ورغم انها ليست اطول الجولات مدة، الا انها الاكثر من حيث الضحايا والجرحى، ومعظمهم من المواطنين غير المشاركين في القتال، كما كان للمؤسسة العسكرية اربعة شهداء والعديد من الجرحى.

انحسار الاقتتال بين الفريقين بصورة تدريجية نسبيا سمح للاهالي امس بالعودة الى منازلهم لتفقدها، وبعضهم حزم امتعته من جديدة ليغادر الى مناطق اكثر امنا في ظل شائعات عن عودة الحرب.

وعقب كل جولة اقتتال تشهد المدينة عموما ومناطق الاشتباكات خصوصا السيناريو نفسه المتمثل بتفقد الاضرار ومعاينة المنازل والمحال التجارية والسيارات، حيث فوجئ سكان البنايات على جانبي شارع سوريا، الخط الفاصل بين منطقتي الاشتباك، بعدد من المنازل المحترقة والمدمرة، وسط انتشار خجول للجيش في الشارع المذكور وحارة البقار وسوق القمح.

وعلى الرغم من عمليات قنص متقطعة، بقي الهدوء الحذر سيد الموقف بعدما فتحت طريق طرابلس البداوي المنية عكار والتي شهدت نزوح عائلات من مناطق الاشتباكات.

الدولة حضرت مع ورش تصليح التيار الكهربائي والاعمدة والكابلات، وتحتاج الى نحو يومين لاعادة الوضع الى طبيعته، واستنفرت بلدية طرابلس اجهزتها الميدانية من اجل ازالة ركام الحجارة والنفايات، وعملت على تنظيف شارع سوريا والشوارع المتفرعة عنه، فيما يبدو المشهد كأنه ساحة حرب اذ لا تزال الدشم والاستحكامات كما هي، مما يبعث على قلق الاهالي من احتمال تجدد الاشتباكات، بصورة مفاجئة، ربما لإيصال رسالة جديدة عبر بريد طرابلس.

وتظهر تداعيات الاسبوع الدامي على الوضع الاقتصادي في طرابلس، ولا سيما في الاسواق التجارية: التل، شارع عزمي حيث الوضع أشبه بمنع تجول، فيما المواطنون يتساءلون عن جدوى هذه الاجتماعات السياسية التي تتمخض عن بيانات رتيبة حول استنكار الاقتتال وضرورة وضع حد للفلتان الامني وان يضطلع الجيش والقوى الامنية بالمهمات الموكولة اليهما وان ينتشرا داخل منطقة جبل محسن والتبانة بشكل متوازن.

ومع الهدوء النسبي فتحت عدد من المدارس الخاصة ابوابها لاستقبال من يستطيع الحضور من الطلاب، رغم قلق الاهالي على اولادهم من مغبة "مغامرة" الانتقال من الاحياء المتوترة، واحتمال صعوبة عودتهم اذا ما خطر لقناص ان يبدد موجة التفاؤل الحذرة، لأنه لم تظهر اي بوادر جدية لانهاء هذه الجولة، حتى ولو بمثابة هدنة موقتة.

ترى هل يتحمل اقتصاد طرابلس المزيد من الهزات التي تشل الحركة وتمنع الزائرين من ارتيادها؟

وماذا سيقول رفعت علي عيد في مؤتمره الصحافي الاولى بعد ظهر اليوم؟

وهل يعمد امراء المحاور في التبانة الى التجاوب مع دعوات السياسيين إلى اخفاء المظاهر المسلحة؟

اسئلة كثيرة برسم الفاعلين في هذه المدينة والذين بات عليهم ان يثبتوا مقدرتهم على تحقيق خطوة اولى نحو ا لامان والاستقرار.

ميدانيا، اصيبت امس المواطنة فدوى صالح من جبل محسن برصاصة قناصة في خاصرتها، وكذلك اصيب اسماعيل محمد وعباس حسن في المنطقة نفسها برصاصات القناصة. ورد الجيش على مصادر القنص في باب التبانة.

وكذلك القيت قنبلتان في شارع سوريا اديا الى جرح احمد السيد وصالح الدالي احمد حمود ووفيق القاري ومحمد السيد.

ورغم الهدوء الحذر الذي شهدته المدينة، نهاراً حدثت عمليات قنص متقطع مساء على محاور شارع سوريا – التبانة – البقّار الزاهرية جسر الملولة – بعل الدراويش – سوق القمح وجبل محسن تسبب باصابة عدة مواطنين من المنطقتين عرف منهم: فدوى صالح، احمد حمود، وليد السيد، عباس حسن، اسماعيل محمد نقلوا الى مستشفيات طرابلس وزغرتا، وبقيت المحاور شبه مشلولة وخصوصاً بولفار التبانة – الملولة – باتجاه عكار، ويبقى السؤال: "ماذا سيقول الامين العام لحزب العربي الديموقراطي رفعت عيد في مؤتمره الصحفي ظهر اليوم"؟

طرابلس: هدنة هشة.. ومظاهر المعركة باقية! (السفير)

هل وضعت جولة العنف في طرابلس أوزارها؟ أم أن ما شهدته المحاور الساخنة من هدوء في الليلة الماضية، لا يعدو كونه هدنة هشة قابلة للسقوط عند أول طلقة نار يبادر إليها أي من طرفي النزاع أو أي طابور خامس يعبث بينهما وبهما؟

ما حصل أمس عند العصر، من تبادل لإطلاق النار على بعض المحاور وتجدد أعمال القنص وسقوط 7 جرحى إضافيين، أعطى مؤشرات واضحة بأن وقف إطلاق النار جاء نتيجة أمر واقع فرضه الجيش بإعادة تموضعه، دون أسس سياسية أو مقوّمات ميدانية.

وقد يبقي هذا الواقع المناطق الساخنة في طرابلس ساحة مفتوحة للمواجهات المرتبطة بما يحصل في سوريا، أو بالتطورات السياسية والانتخابية والأمنية في لبنان، ما يعني أن لا استقرار نهائيا في طرابلس الى أجل غير مسمى، وذلك لعدة أسباب أبرزها:

أولا: الحصار الذي بدأ يُفرض على جبل محسن، والتي بدأت بوادره أمس بقيام مسلحين بمنع دخول عمال النظافة إليه أو حتى السيارات المحملة بالمواد الغذائية، وقيام آخرين بخطف ثلاثة شبان علويين عملت مخابرات الجيش على استرجاعهم، فضلا عن أعمال الحرق المتبادلة للممتلكات.

وهذا ما قد يؤدي إلى انفجار كبير في أي لحظة، خصوصا أن هناك أكثر من عشرة آلاف شخص من الجبل يعملون في مناطق لبنانية مختلفة، إضافة الى آلاف الطلاب الذين يريدون العودة الى مدارسهم والمشاركة لاحقا في الامتحانات الرسمية.

ثانيا: عدم موافقة كل قادة المحاور على وقف إطلاق النار، واضطرار البعض الى التراجع التكتيكي بعدما وصلت الشروط التي قدموها الى الحائط المسدود.

ثالثا: عدم إزالة مظاهر المعركة، فبقي المسلحون والدشم والمتاريس والشوادر التي تغطي مفارق الشوارع، على حالها. وذلك يعني أن الساحة ستبقى جاهزة لاستكمال الجولة السادسة عشرة التي ضربت رقماً قياسياً في عدد أيامها (10 أيام) وعدد ضحاياها (28 قتيلا و260 جريحا).

رابعا: فقدان أكثرية القيادات السياسية زمام الأمور، واستمرار تعاطيها من منظار تحقيق مصلحة شعبية ـ انتخابية، وهذا ما ظهر في المزايدات الأخيرة في المدينة.

خامسا: عدم نية الجيش الدخول بمواجهة مع المجموعات المسلحة لا في التبانة ومحيطها ولا في جبل محسن. فهو يتعاطى بكثير من التعقل والحكمة، ويرد على مصادر النيران متجنباً إصابة المسلحين، وذلك بعدما أكدت القيادات أن الظروف غير مؤاتية للمواجهة.

بعد عشرة أيام من المعارك الضارية، يبدو أن طرابلس تتجه نحو فلتان أمني كبير، إذا لم يتم معالجة خاصرتها الشمالية ولو بالمسكنات المعهودة. فالجولة 16 أظهرت أن الأمور تحتاج إما إلى مسكنات من العيار الثقيل أو عمليات جراحية موضعية تعيد الحياة الى المناطق التي تحوّلت إلى أرض محروقة وشوارع أشباح.

المظاهر المسلحة باتت مشهداً عادياً في طرابلس، وإطلاق النار على بعض المحال التجارية أصبح خبزاً يومياً، لا سيما تلك التي تبيع مشروبات روحية، والحواجز «الطيارة» للمسلحين الملثمين أضحت من المهمات الليلية، والاعتداء على المواطنين وعمليات السرقة باتت تقض مضاجع الجميع.

كما أن الاعتداءات المتنامية على خلفيات مذهبية، بدأت تطرح سؤالا محوريا: فإذا كان كل قادة المحاور يؤكدون أن أبناء جبل محسن هم إخوة لكن المشكلة تكمن مع رفعت عيد وحزبه، فلماذا يتم الاعتداء على أبناء الجبل ويتم إحراق ممتلكاتهم في طرابلس؟ وما هي التدابير التي يمكن أن تتخذ سياسيا وأمنيا لوقف هذه الاعتداءات التي قد تؤدي الى الانفجار؟ وأين دوريات قوى الأمن الداخلي الليلية؟

كما أن من تداعيات الأزمة المفتوحة في المحاور الساخنة، إيجاد محاور جديدة في مناطق طرابلسية أخرى، تضع المدينة على فوهة بركان أمني خطير، وفي مقدمتها محور أبي سمراء بين عائلة حسون وتنظيم «جند الله». هذا المحور كاد أن يتحرك بقيام العائلة بتوقيف مسلحين من «التنظيم» وتسليمهما إلى مخابرات الجيش خلال مرورهما في الشارع الذي تسيطر عليه. وذلك أحدث توترا كبيرا، تعمل لجنة المساعي الحميدة على منع أية مضاعفات قد تؤدي إلى تحرك لمسلحي الطرفين.

إضافة الى محاور الزاهرية والأسواق والميناء بين العائلات ذات الانتماءات السياسية المختلفة، والتي بدأ بعضها يتحرك بهدف تصفية الحسابات ما دام الأمن متفلّتاً من عقاله.

ودعت «جمعية إنماء طرابلس والميناء»، إثر اجتماعها أمس برئاسة روبير ألفرد حبيب، إلى «رفع الغطاء السياسي عن جميع المسلحين، باعتبار ذلك المدخل لإبعاد المدينة عن شبح الحرب الأهلية».

في التبانة.. عدة المعركة قائمة (السفير)

لم يقتنع القاطنون في مناطق خطوط التماس في التبانة والقبة والمنكوبين بعودة الهدوء واستتباب الامن صباح أمس، برغم انتشار الجيش وتسييره دوريات. عند العصر، قُطع الشكّ باليقين، لتتكرر الخروق ويسقط عدد من الجرحى.

من شارع سوريا مرورا بمنطقة المنكوبين والريفا وصولا الى البقار والشعراني، مشهد الخراب كان يشير الى حدة المواجهات المسلحة التي دارت على مدى ثمانية أيام.

خلو الطرقات من المارة والابقاء على اقفال المؤسسات التجارية وعدم عودة السكان الى منازلهم، يعكس حالة الخوف لدى الاهالي الذين فضلوا التريث قبل اتخاذ قرار العودة. بعضهم لم يرحل أيضاً، وإنما فتحت لهم بعض أبواب المدارس في البداوي ليبيتوا فيها، بعدما تعذّر عليهم إيجاد مأوىً.

المشاهد في المناطق المنكوبة، كانتشار الجيش ومباشرة عمال التنظيفات والصيانة عملهم لإزالة النفايات وتصليح شبكتي الكهرباء والمياه، لم تبعث الطمأنينة إلى السكان.

الجميع يردّد أن عودة الهدوء ما زالت منقوصة. البعض يعزو الأمر إلى عملية انتشار الجيش التي لم تلحظ إزالة أية من المظاهر المسلحة لجهة المتاريس والشوادر التي بقيت في مكانها، بسبب رفض بعض الأفرقاء إزالتها.

يمكن القول إن الصيت للتبانة والفعل لمناطق اخرى، فالأضرار في منطقة المنكوبين كبيرة جداً (مقارنةً مع شارع سوريا)، حيث هناك العديد من الشقق السكنية التي احترقت ودمر اجزاء منها بسبب حدة المواجهات.

المشهد نفسه يمكن رؤيته في منطقة الريفا حيث الخسائر يصعب احصاؤها خصوصا انها «تخاوت» مع سابقاتها لعدم اجراء أصحابها أي صيانة لها بانتظار حصولهم على التعويضات.

كذلك بدت منطقة البقار خالية من سكانها وتغزو شوارعها الحجارة والاتربة، ويسيطر عليها حالة من الهدوء تخرقه اصوات آليات الجيش التي كانت تجوب تلك المنطقة الفاصلة بينها وبين جبل محسن، وصولا الى «مشروع الحريري» الذي هجره سكانه.

وكانت عشرات العائلات من التبانة والمنكوبين لجأت قبل عدة ايام الى «مدرسة البداوي الرسمية»، للاقامة بعد تضرر منازلها. وبالأمس قام «بيت الزكاة والخيرات» بطرابلس بتوزيع ألبسة على العائلات التي تعذر عليها العودة الى منازلها الواقعة على خطوط التماس.

جبل محسن.. وهاجس الحصار (النهار)

عاد الهدوء يخيّم على جبل محسن، وعادت الحركة شبه الطبيعية إلى الشوارع والأحياء الداخلية، في حين بقيت خجولة في الشوارع المطلة على التبانة او على محاور القتال التقليدية بفعل تجدد أعمال القنص.

وبالرغم من هذا الهدوء، إلا أن عمليات الدخول والخروج من الجبل وإليه كانت شبه معدومة، لاسيما بعد الاخبار التي وردت عن خطف ثلاثة شبان علويين في منطقة البداوي عملت مخابرات الجيش على تحريرهم.

منازل محروقة واخرى مدمرة بالكامل بالقذائف التي طالتها حسب ما يروي مسؤول الاعلام في «الحزب العربي الديموقراطي» عبد اللطيف صالح، الذي جال على خطوط التماس مع كوادر الحزب متفقداً الأضرار، وإن بحذر، «تحسبا من قنص يطال المنطقة في أي لحظة»، على حدّ قوله.

لا حركة فعلية في الجبل، قلّة من التجار توجهوا لفتح محالّهم، إذ أن همّ هؤلاء الأساسي هو استجلاب المواد الأساسية، كحليب الأطفال إضافةً إلى الخضار والفواكه «التي منعت من الدخول من قبل مجموعة مسلحين في منطقة البداوي»، وفق رواية صالح. وتحدّث عن قيام مسلحين بإيقاف شاحنة خضار كانت متجهة من عكار الى الجبل، لإعادتها أدراجها دون السماح لها من التوجه للمنطقة.

حصدت جولة العنف الاخيرة بين الجبل والتبانة ست ضحايا وأربعين جريحا من ابناء الجبل. وفاق حجم الأضرار المادية فيها كل الجولات السابقة، اذ لا يمكن رؤية أبنية لم يخترقها الرصاص أو القذائف أو سيارات غير محطمة الزجاج والهياكل، وذلك ليس فقط عند خطوط المواجهات وانما في عمق الجبل. ناهيك عن منازل محروقة بالكامل من غرف النوم الى الصالونات الى المطابخ، ومنازل لم يعد فيها الا الركام.

شائعات كثيرة سرت أمس في الجبل عن تهديدات ستطال كل من يخرج من المنطقة وعن اقفال محال تجارية بالقوة في مدينة طرابلس، تحت تهديد التكسير والتخريب ما انعكس نقمة في صفوف الاهالي الذين حرصوا على عدم ارسال أولادهم الى المدارس.

تؤكد فاطمة عيد أن الحذر «لن يمنعنا من الدفاع عن ارضنا وارزاقنا برغم عدم توفر مقومات هذا الصمود».

كفى.. كفى (السفير)

طفح الكيل لدى تجار طرابلس، فخرجوا من محالّهم وأقفلوا بعضها ونفذوا اعتصاما، أمس، في شارع عزمي بدعوة من جمعية تجار المدينة، وبمشاركة الأمين العام للجمعية غسان الحسامي و«هيئات المجتمع المدني».

وقد سلم تجار المدينة الحسامي مفاتيح محالّهم التجارية التي وضعت في صندوق شفاف لارسالها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، تعبيرا عن الواقع الأليم الذي تعيشه المدينة وما يعانيه التجار من خسائر وكوارث وإفلاسات.

طفلة... مشروع قاتلة في بلد العلم والنور (النهار)

أظنها كانت تعتقد أن قريبها يلهو معها، حين أعطاها البندقية لتصوبها على الحي "العدو" المجاور وتطلق عشرات الطلقات، وبمساعدته، على "الجيران الأعداء" في طرابلس، وسط احتفال المقاتلين الكبار، وفخرهم السادي، والتقاطهم الصور التذكارية، ربما لتخليد الانتصار على ما تبقى في بلادنا من براءة ووداعة، في عيون الصغار.

هذه الفتاة الطفلة التي لم تتجاوز العشر سنوات والتي انتشر فيديو إطلاقها الرصاص على جبهة باب التبانة – جبل محسن على مواقع التواصل الاجتماعي و"اليوتيوب" والتي بالكاد تجيد لعب "بيت بيوت"، كبروها فجأة ليلعبوها لُعبتهم الوسخة.

كبَّروها عن سبق الإصرار ليقتلوا فيها قبل أن تقتل لهم، تلك الوردة التي لا تزال تحتاج الى رعاية استثنائية، وحياة استثنائية، ومدرسة استثنائية، وأهل استثنائيون، أو رجال دولة استثنائيون.

هذه الطفلة لم تعرف ما يحاك ضدها أولا، وضد أترابها في الطرف الآخر "العدو" ثانياً، ولا يعرف عادة من في هذه السن فلسفة البغضاء ومعنى العداء. وليتها لا تعرف أن إفتخارهم ببطولتها، هو اغتصاب لطفولتها. وليتها لا تعرف أن تصويرها تطلق النار، لا يدخل وفق القاموس العسكري بالحرب النفسية ضد العدو، بل إرضاء لرغبات سادية، وشهوات إجرامية، وسلوكيات منحرفة، اكتسبها هؤلاء (الضحايا) ممن سبقوهم من أهاليهم إلى مهنة تأجير البندقية، واللعب مع الموت، في أزقة الفقر والحرمان.

انتهكوا براءتها، وأجبروها على لعب لعبتهم، كما يفعلون بأترابها الصبية الذين يقال أنهم يداومون على "المتاريس" في أوقات استراحة المحاربين الكبار وقيلولتهم.

زفي الوقت الذي كانت تنتهك براءة هؤلاء الأولاد كان ثمة قضاة يطالبون ويشددون على زيادة عديد عناصر الحماية لهم ولعائلتهم ولأولادهم، وينسوا أن وظيفتهم التي يقبضون منها الملايين، هي لحماية المجتمع ... وهذه الطفلة وأترابها الذين هم زهرة هذا المجتمع، ومستقبله.

وفي وقت كانت تغتصب وداعة الطفولة، كانت رئيسة اللجنة النيابية لحقوق الطفل النائبة جيلبيرت زوين، تعمل ليلاً نهاراً ربما، ليس لابتداع آلية تشريعية جديدة لحماية الطفولة، بل لطريقة تحافظ فيها على النمرة الزرقاء، في زمن الانتخابات.

وكان وزير العمل مشغول بمناقشة التعديلات على مشروع قانون التقاعد والحماية الاجتماعية (أي حماية، ولمن، وكيف؟).

وكان الاتحاد العمالي الذي سجل منذ اعوام سابقة يتيمة بإتخاذه صفة الإدعاء الشخصي، في قضية اعتداء على طفلة، مشغول بعقد جلسة في الهواء الطلق في الجنوب، مرتاحاً الى انجازاته في الرعاية الاجتماعية التي حققها للطبقات الكادحة.

وكانت سيدة الجمهورية الأولى تشارك في ماراتون مخصص للنساء تحت شعار "كوني قوية" فمشت وركضت ربما، لكن للكاميرات والإعلام، ولم تجد وقتاً ولو قليلاً للنظر، أو الاحتجاج، أو حتى الاستنكار.

طفلة، مشروع قاتلة، وفتاة مشاريع مقاتلين، يتخرجون في بلد العلم والنور، ومدينة العلم والعلماء، حاملين شهادات في الحقد والضغينة، والتعصب والمذهبية، لا يلمسون من عدالة الحياة، وأبوة الدولة المفترضة، وعناية المجتمع الأهلي، إلا النسيان، والإهمال، والخطابات، والمؤتمرات، والصور التذكارية.

ودولة تنسى أن الدستور اللبناني ينص في مقدمته على "التزامه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948، والمواثيق الراعية لهذه الحقوق، ومنها (الاتفاق الدولي الخاص بحقوق الطفل) الذي اعتمدته الجمعية العامة للامم المتحدة في 20-11-1989 وصدقت عليها الحكومة اللبنانية بتاريخ 20-11-1990"، حيث نصت في المادة الأولى منه على "أن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثمانية عشرة" ، كما ورد في هذا الاتفاق ذكر العديد من حقوق الطفل منها "حقه في الحماية من أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو النفسية، أو الاستغلال أو الإهمال كافة" (المادة 19).

... لبقايا الدولة، ولما تبقى من المجتمع المدني، نقول، إنقذوا الطفولة والانسان... انقذوا ما بقي من لبنان.