ميقاتي يبحث مع كبارة التعويضات: «لو أخل ابني بالأمن.. لن أغطيه»، طرابلس في عهدة الجيش.. وعيد يرفض وساطة الشعار (السفير)
نشر بتاريخ 28/08/2012
ميقاتي يبحث مع كبارة التعويضات: «لو أخل ابني بالأمن.. لن أغطيه»، طرابلس في عهدة الجيش.. وعيد يرفض وساطة الشعار (السفير)

بدت طرابلس يوم أمس مشدودة نحو ترجمة عملية لتثبيت التهدئة في مناطقها الساخنة، وتنفيذ قرارات وقف إطلاق النار الصادرة عن الاجتماعات المتلاحقة التي توزعت بين دارتيّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والنائب محمد كبارة.

وقد منحت المدينة ثقتها الكاملة لقياداتها السياسية وللجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وتغلب أبناؤها على مخاوفهم وانطلقوا منذ الصباح الباكر نحو ممارسة حياتهم الطبيعية ففتحت المؤسسات والمحال التجارية أبوابها وشهدت الشوارع زحمة سير غابت عنها لاسبوع كامل.

في الشكل، عاد الهدوء الى طرابلس، ومرّت ساعات ليل أمس الأول وطيلة يوم أمس من دون أي خرق أمني على محاور القتال، أو أي ظهور مسلح، ما سمح لبعض «المغامرين» بتفقد الأضرار اللاحقة بمنازلهم، تحت مظلة من التدابير الاستثنائية التي فرضها الجيش اللبناني على خطوط التماس.

أما في المضمون، فان أحدا حتى الآن لا يملك أجوبة شافية للأسـئلة التقليدية والمزمنة المستمرة منذ أيار من العام 2008 وهي: لماذا فتحـت المعركة؟ لمـاذا توقـفت؟ ما هي أهدافها؟ من أشعل المواجهات؟ من أخمدها؟ هل سـيتم الاكتـفاء بوقف صوت الرصاص أم أن الأعمـال الانمائـية سـتنطلق؟ ومـتى الجـولة المقبلة؟

وتأتي هذه الأسئلة انطلاقا من أن كل الاجتماعات التي عقدت والتدابير الأمنية التي اتخذت، إضافة الى التطمينات التي وردت على ألسنة القيادات السياسية والأمنية والشعبية الموجودة في التبانة والقبة، هي نسخة طبق الأصل عن سابقاتها في إحدى عشرة جولة عنف ماضية.

وكانت هذه التطمينات تسقط جميعها عند أي استحقاق أو أي محاولة تفجير جديدة، خصوصا أن الطرف الثاني المعني والمتمثل بـ«الحزب العربي الديموقراطي» ما يزال بعيدا عن الاجتماعات والاتصالات المحلية، الأمر الذي يجعل أبناء طرابلس غير مقتنعين بكل ما اتخذ من إجراءات على قاعدة «من جرّب المجرب كان عقله مخرب».

وما ضاعف من حدة المخاوف هو رفض مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي رفعت عيد وساطة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار لاجراء المصالحة التي بدأت في العام 2009 ولم تستكمل.

وقد أكد الشعار في هذا الصدد لـ«السفير» أن «ما يهمنا هو أن تحصل المصالحة بغض النظر عن صاحب الوساطة، ونحن لن نتعامل مع رفعت عيد من خلال ما يقوله، لأن كل إنسان يتحدث بحسب الضغوطات والظروف التي يمر بها، ولكن عيد يعلم أنني لست طرفا وما يهمني هو مصلحة طرابلس بكل أطيافها».

وإذ أكد الشعار أن توافقا حصل مع أبناء التبانة والقبة بعدم الرد على أي إطلاق نار يستهدفهم وتسليم مقاليد الأمور الى الجيش اللبناني، شدد على ضرورة العمل على اجتثاث كل أنواع الخلافات بين الطرفين المتقاتلين، لأنهما لا يوجد قضية حقيقية يتقاتلان من أجلها.

في غضون ذلك، أشارت مصادر عسكرية لـ«السفير» الى أن الجيش اللبناني لم يجد شيئا جديدا في البيانات الصادرة عن الاجتماعات السياسية، وهو ينتظر ما ستؤول إليه الأمور لدى تحويل الموقوفين لديه الى المحكمة العسكرية. فاذا حصلت تدخلات سياسية وأدت الى إطلاق سراحهم فان الأمور قد تعود الى نقطة الصفر، أما إذا سارت المحاكمات وفق الأصول والقانون ومن دون أية تدخلات فان ذلك سيؤكد رفع الغطاء عن المخلين بالأمن، وسـاعتها لن يجرؤ أي من المجموعات المسلحة على القيام بأي عمل أمني أو أي تصرف خارج إطار الانتظام العام.

وأكدت المصادر أن الجيش مستمر في تدابيره الأمنية المشددة وفي ملاحقته كل مخل بالأمن، خصوصا بعد المداهمات التي نفذها في الزاهرية والتبانة والقبة يوم أمس الأول، لافتة النظر الى أن الجيش تعاطى مع عائلة الموري في الزاهرية ضمن حادثة أمنية محددة جرى خلالها إطلاق نار من رشاشات حربية، وأنه سيتعاطى بالمثل وبكل قوة وحزم مع أي جهة تقدم على مثل هذا العمل، لأن ما قبل التهدئة ليس كما بعدها بشأن المسلحين.

وينتظر أبناء طرابلس مزيدا من الاجراءات الأمنية لقوى الأمن الداخلي ضمن شوارع وأحياء المدينة، لربط كل المناطق ببعضها البعض وإجراء التنسيق الكامل بين القوى الأمنية المولجة تثبيت التهدئة.

وفي هذا الاطار، اطلع الرئيس نجيب ميقاتي من قائد الجيش جان قهوجي على المراحل التي قطعها الجيش اللبناني في تنفيذ الخطة الأمنية.

وذكرت مصادر رئيس الحكومة لـ«السفير» أنه أبلغ جميع القادة الأمنيين أنه لن ولم يغط أي مخل بالأمن لا سابقا ولا حاليا ولا مستقبلا، وأبلغهم «لو أخل ابني بالأمن في طرابلس.. لن أغطيه»، ولفتت هذه المصادر النظر الى أن ميقاتي مرتاح جدا للجهود التي بذلها النائب محمد كبارة والمبادرات السريعة التي اتخذها من أجل وقف الاقتتال العبثي، وتهيئة الأجواء للوصول الى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار.

من جهته، أكد كبارة لـ«السفير» أن الجميع أعلن التزامه بوقف إطلاق النار، وقال أن الجميع أبلغوا أنه اعتبارا من تاريخ أمـس الأول، كل من يطلـق الرصاص أو يخل بالأمن سـيتم إصدار إسـتنابة قضائيـة ومذكرة توقيف بحقه ولن يجد من يغطيه، مؤكدا أن الجيش سيتعامل مع كل حالة شاذة بالقوة والحزم، وهذا من شأنه أن يعيد الأوضاع في المدينة الى طبيعتها.

وأشار الى أنه سيتابع مع ميقاتي قضية صرف التعويـضات عن الأضـرار البشـرية والماديـة، فضلا عن السـبل الكفيـلة بانمـاء تـلك المناطـق المحرومة عبر الـ100 مليون دولار التي أقرتها الحكومة لطرابلـس.

التبانة تنفض عنها مجدداً.. غبار المعارك (السفير)

لا يبدو أحد في المناطق الطرابلسية الساخنة مطمئناً إلى وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه جديا ليل أمس الأول. وكرس الجيش اللبناني الهدنة واقعا ملموسا على الأرض عبر خطة محكمة استعد لها منذ أيام متحصناً بغطاء سياسي وبدعم شعبي.

وبدا شارع سوريا النقطة الفاصلة والجامعة لأبناء التبانة وجبل محسن الضحية الأكبر من وراء جولة العنف الـ12. وبدا أمس كمن يحاول نفض غبار المواجهات التي دارت رحاها على ضفتيه واستعادة دورة الحياة بعد توقف عمليات تبادل القنص.

إلا ان التسابق على خط العودة من قبل بعض أصحاب المؤسسات التجارية قابله تريث من آخرين، خصوصا بالنسبة الى أصحاب المحلات المكشوفة بشكل مباشر على منطقة جبل محسن والقريبة من جامع الناصر وسوق القمح، حيث بقيت الحركة في ذلك القسم شبه معدومة إلا من آليات الجيش اللبناني وبعض المارة.

وكما هو الحال بعد انتهاء كل جولة، تعود ورش شركة الكهرباء لإصلاح ما خربته المواجهات وتبدأ عمليات الصيانة لشبكات المياه والهاتف. ويخرج أصحاب المنازل والمحال التجارية لإحصاء الأضرار ورفع الردم، في مهمة اعتادوا عليها.

ويمكن القول إن توقف الاشتباكات وانحسار حدة الخروقات الأمنية بشكل كلي أمس لم يُخفِ مظاهر المعركة من الشوارع الرئيسية في خطوط المواجهات حيث ما زالت المتاريس على حالها ولم يصر إلى إزالة أي منها من الطرق والأزقة، ومن على أسطح المباني وخلف جدران الشقق السكنية. كما لم يتم رفع الشوادر العازلة التي يستخدمها أبناء تلك المناطق لحجب الرؤية عن الجهة المقابلة للتمكن من الحركة بعيداً عن أعين القناصين.

في غضون ذلك، يواصل الجيش اللبناني إغلاق الطرق الفرعية المؤدية إلى المنطقتين عبر أسلاك شائكة لجهة طلعة العمري والشيخ عمران والإبقاء على طريق الشمال مفتوحة.

لكن المشهد يزداد كآبة كلما اقترب من خطوط المواجهات الممتدة من منطقة المنكوبين مروراً بمشروع الريفا والبقار وصولاً إلى الشعراني، حيث الخسائر مضاعفة والحذر اشد بالنسبة للأهالي والجيش اللبناني. وهو ما أجبر معظم العائلات ان لم نقل غالبيتها على عدم العودة ولأجل غير مسمى. وتتبدى مظاهر المعركة من مشاهد الدمار التي ارتسمت على جدران المباني وعلى المحلات التجارية و«تآخت» مع دمار الجولات السابقة الذي لم يتم ترميمه نظراً للفارق الزمني القصير بين هذه الجولة والتي سبقتها.

وبدت منطقة المنكوبين خالية من سكانها إلا من ورش إصلاح الكهرباء والتي كانت برفقة الجيش اللبناني، حالها كحال مشروع الريفا ومشروع صبح المواجه له، والذي يفصل الجيش اللبناني بين أبنيته بأسلاك شائكة بسبب وجود عائلات من الطرفين، وذلك على شكل ولايات او امارات ترفع اعلامها كل بحسب توجهاته السياسية سواء مع النظام السوري او مع المعارضة الثائرة ما كرّس فرزاً سياسياً وجغرافياً بحسب قرب كل مربع من المنطقة وانتماءاتها.

هذا الوضع انسحب على حي البقار الذي تقطعت أواصره بأسلاك شائكة وعوائق باطونية للفصل بين أزقته المتداخلة مع حي الأميركان في جبل محسن، ولم يعد السكان إلى منازلهم التي تضرّر قسم كبير منها والغالبية بالرصاص.

لكن مشروع الحريري الواقع في حي الشعراني في منطقة القبة، كان أشبه بمدينة منكوبة لا صوت فيها إلا لآليات الجيش التي تجوب الشوارع وتتمركز في النقطة الفاصلة داخل المشروع الذي يقطنه سكان من جبل محسن والقبة.

وإذا كانت خطوط المواجهات قد استعادت أمنها بعد توقف الخروق الأمنية، إلا ان مسألة عودة الحياة وتحديداً في اعنف المحاور لجهة الريفا والقبة تبقى مرهونة بالأيام المقبلة والتي قد تحدد عملية عودة السكان من عدمها.

جبل محسن: الأهالي يتجنبون المغادرة.. خشية التهجير! (السفير)

لا تهمنا الاضرار بالممتلكات لأنه بالإمكان تعويضها انما الاضرار في الارواح هي الاصعب. انه رأي علي صالح ابن جبل محسن الذي احترق القسم الأكبر من منزله في كواع القبة نتيجة قذيفة لا يعتقد انها عشـوائية «بل نتيـجة قصف مركز»، على ما يقول.

في جبل محسن أضرار مادية كبيرة ناجمة عن القنص والقصف، حيث سجل احتراق نحو عشرة منازل وتضرر أكثر من عشرين سيارة بينها ست سيارات احترقت بالكامل.

الضرر الأصعب يتمثل في عدم تمكّن اهالي جبل محسن من مغادرة منطقتهم باتجاه مراكز عملهم خوفاً من عدم العودة على ما يشير يوسف ابراهيم صاحب ورشتي حدادة خارج «الجبل» لم يتمكّن من الوصول إليهما، «لأن القنص كثيف ولأن اهل الجبل مستهدفون مذهبياً وهذه امور لم نعتد عليها».

ويأسف نزيه سلطيه للاوضاع التي وصلت اليها طرابلس، لافتاً النظر الى ان احداً لا يرضى بالوضع الراهن لا في «الجبل» ولا في التبانة، معتبراً ان الاضرار التي نتجت كبيرة ولكن الضحايا التي سقطت هي الأغلى. واشار الى ان عمه استشهد وهو يشتري ربطة خبز ويبلغ من العمر 75 سنة «وهذا ضرر لا يمكن تعويضه، لان خسارة الارواح صعبة وقد سقط في «الجبل» اكثر من ستة قتلى نتيجة القنص.. فمن يعوّض ارواحهم».
كما يشير سلطيه الى انه يملك مرأب لتصليح السيارات، وهو لم يتمكن من العمل منذ اكثر من اسبوعين، لافتاً النظر الى انه لا يحمّل نتيجة الأضرار في الجبل الى اهل التبانة بل الى غرباء عن المنطقة يريدون الضرر لأهلها وتحويلها الى صندوق بريد خارجي.

من يمر في «الجبل» يشعر ان المعركة كانت كبيرة وضررها لم يوفر تقريباً اي منزل مواجه في خطوط التماس او غير مواجه، حسب إحصاء أولي لـ«الحزب العربي الديموقراطي».

ويشير مسؤول في «الديموقراطي» إلى أنه حتى الساعة ليس هناك من إحصاء دقيق للأضرار، ولكن في جولة اولية تبين أن عدداً كبيراً من المنازل احترق او تضرّر بفعل القذائف والقنص. علماً ان هذه المنازل ليست مواجهة لخطوط التماس بل بعيدة نسبياً، كذلك احترق مولدان للكهرباء ومركزاً للصحون اللاقطة، ناهيك عن وقوع أضرار في الشبكات الكهربائية والسيارات المحروقة.

لا أحد يرضى بهذا الوضع الشاذ، تشير مريم الكفروني، وتقول إن الأضرار في منزلها كبيرة، مشيرة الى أن «الجبل» كان جبهة مفتوحة ومشرعة على القنص والقذائف العشوائية، «ولكن الضرر الأكبر هو قطع أرزاقنا إذ لا أسمح لأولادي بمغادرة الجبل الى مراكز عملهم، لأن هناك يومياً من يتعرض للضرب والإهانة، وهذا الوضع خطير ولا يجوز ان يستمر، والأمر يحتاج الى حل سياسي».

أما حول الهدوء المتقطع على الجبهات، فيشير أحد وجهاء «الجبل» إلى أنهم سينتظرون يومين لمعرفة ما إذا كانت النيات جيدة، ولكنهم لا يستبشرون خيراً لان المفاوضات لم تجر معهم مباشرة وان كل الاجتماعات واللقاءات الهادفة للوصول الى حل استثنت «الجبل» أو من يمثله.

ويقول أحد المخاتير إن أعمال حرق الممتلكات التجارية لأبناء «الجبل» لم تتوقف وهؤلاء يشكلون ركيزة اقتصادية للمدينة، والضرر لا يقتصر على عائلة واحدة. ويشير الى أن المدارس ستبدأ العام الدراسي في شهر ايلول المقبل، ولذلك نتوقع من الدولة أن تحاول إيجاد حلول جذرية.

يتشابه المشهد في «الجبل» مع المشهد في التبانة. شقق ومؤسسات ومنازل محترقة. اسلاك كهربائية مقطعة. ورش عمل تنتشر في أحياء «الجبل». ناس يتفقدون ممتلكاتهم. منازل مشرعة لتقبل العزاء وأخرى لتفقد الجرحى.. لكن أحداً لا يملك جواباً يطمئن غدهم.. حالهم حال أكثرية أهل التبانة.