معارك غير مسبوقة والقذائف تطال عمق المدينة، جحيم طرابلس: من يطفئ النار؟ (السفير)
نشر بتاريخ 22/05/2013
معارك غير مسبوقة والقذائف تطال عمق المدينة، جحيم طرابلس: من يطفئ النار؟ (السفير)

بدا الجميع في طرابلس أمس، عاجزا عن وقف آلة القتل والدمار التي عملت بأقصى طاقتها في المناطق الساخنة وعلى المحاور التقليدية حاصدة معها مزيدا من الخسائر البشرية والمادية. وتطوّر الوضع بإعلان «الحزب العربي الديموقراطي» دخوله رسميا في المعركة والتهديد بقطع اليد التي ستمتد على جبل محسن، وأيضا المعلومات التي تحدثت عن دخول عناصر إسلامية الى بعض الجبهات.

وقد أرخى ذلك جوا من الرعب على كل مناطق المدينة التي ترددت في أرجائها أصداء القذائف الصاروخية، ووصلها رصاص القنص والطائش الذي حجز المواطنين في منازلهم وطال بعض الأبرياء.

تطوّرات الأمس، طرحت أسئلة محورية: هل أفلتت الأمور الميدانية من ايدي القيادات السياسية والأمنية؟ وهل تُركت طرابلس لقدرها لتواجه بمفردها مغامرات المجموعات المسلحة؟ وإذا كان الجيش بكل التعزيزات التي استقدمها وبالغطاء السياسي الواسع الممنوح له لم يستطع وضع حد لآلة الحديد والنار، فمن هو القادر على ذلك؟

كذلك، من هي الجهات التي تستهدف الجيش من خلال المحاولات الرامية لتصويره عدوا للبيئة الموجود فيها؟ وأيضاً من هي الجهة التي أعادت فتح النار على كل المحاور بعدما أخمدها الجيش أمس بانتشاره الكثيف؟ ومن يمتلك اليوم قرار المعركة: قادة المحاور، أم أن جهات جديدة دخلت مؤخرا على الخط وباتت لها الكلمة الفصل؟

ويؤكد المتابعون أن محاولة ربط طرابلس بما يجري في القصير السورية (بحسب شعار جولة العنف الـ 16) تصرف خاطئ سواء كان للتعمية عما يجري هناك أو من أجل الثأر للمقاتلين الذين يسقطون على أيدي الجيش النظامي، مشيرين إلى أن إشراك المدينة في البركان السوري سيجعل المدينة تدفع وحدها الثمن من أمنها وسلامة أبنائها.

طرابلس بدت أمس أشبه بجزيرة معزولة عن لبنان، يتحكم فيها الأمراء الجدد للحرب الذين تبادلوا أقسى أنواع التهديدات واستخدموا كل ما طالته أيديهم من أسلحة، بينما غابت القيادات السياسية والمشايخ وأصحاب الفتاوى في المدينة، وغابت معهم كل مؤسسات الدولة المنشغلة بالانتخابات وقانونها والترشيحات لها.

فأي انتخابات يمكن أن تحصل في ظل ما يجري في طرابلس؟ وأي هيبة للدولة يمكن أن تمارس في ظل عدم قدرة المؤسسة العسكرية على حسم معركة يرفضها الجميع؟ وأي قرار لوقف رخص حمل السلاح يمكن أن يطبق بعدما جاء متأخرا جدا، ما جعل البعض يشعر بفائض من القوة للانقضاض على الدولة على ومؤسساتها الشرعية وعلى القيادات السياسية وعلى المواطنين؟

ميدانياً
مع ساعات الصباح الأولى استبشر الطرابلسيون بخطة الانتشار التي نفذها الجيش على كل المحاور وأدت الى عودة الهدوء إليها، لولا بعض أعمال القنص التي كان الجيش يردّ عليها بكثافة.

لكن الهدوء لم يستمر طويلا، وبدت الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا كأنها ساعة صفر جديدة اشتعلت عندها بكبسة زر كل المحاور في مناطق: البقار، الريفا، الشعراني، الأميركان، جبل محسن، طلعة العمري، الحارة البرانية، سوق الخضار، ستاركو، بعل الدراويش، الملولة والمنكوبين، كما لم يسلم الجيش من الاستهداف حيث تعرض أحد مراكزه عند مدخل سوق القمح للاحتراق.

وقد أدى ذلك الى حالة من الإرباك الشديد في عمق طرابلس. واستمر الوضع على ما هو عليه من العنف المتبادل حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، حينما نجح الجيش بعد رده العنيف على مصادر النيران واقتحامه بعض المحاور، في إعادة بعض الهدوء.

في حين أن استمرار أعمال القنص على بعض المحاور، والتي أدت إلى مقتل إمام «مسجد الجهاد» في التبانة محمد محمود رضوان، ومحمد رشيد سلطان، ابراهيم مصطفى، كما قتل زين الدين سليمان في جبل محسن، ما أدى إلى تجدد الإشتباكات.

وعند السادسة مساء أعلن المسؤول الاعلامي لـ«الحزب العربي الديموقراطي» عبد اللطيف صالح أن «قيادة الحزب اتخذت قراراً بالدخول في المعركة»، مشيراً إلى أن «اليد التي ستمتد على جبل محسن ستقطع». كما كتب مسؤول العلاقات السياسية في الحزب رفعت عيد على صفحته على «الفايسبوك»: العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم اليوم ستسمعون كيف يزأر جبل محسن.

وبالفعل، بدأت طرابلس تشهد منذ الساعة السادسة والنصف نوعا مغايرا من المعارك، حيث خرج كل مقاتلي «الديموقراطي» الى المحاور مجهزين بمختلف أنواع الأسلحة والقذائف الصاروخية، وتزامن ذلك مع دخول عدد كبير من الاسلاميين الى محاور البقار والريفا والمنكوبين معززين بأسلحة متطورة (وذلك بحسب شهود عيان في المنطقتين)، كما سجّل تخفيف وجود الجيش في المحاور.

وقد عنفت المعارك بشكل غير مسبوق واشتعلت المحاور باشتباكات ضارية استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة، وقذائف الـ ب 7 والـ ب 10 وقذائف الهاون التي طالت مختلف المحاور، ووصلت الى عمق طرابلس وخصوصا الى مستديرة أبو علي والغرباء والزاهرية وشارع المئتين. وخلت المدينة من مواطنيها لحساب المسلحين المتنقلين على الدراجات النارية ولسيارات الاسعاف التي تنقل الجرحى الى المستشفيات.

واستمر الوضع على حاله حتى ساعات الليل الأولى حيث تكثف إطلاق القذائف ليصل إلى معدل قذيفتين في الدقيقة الواحدة، في ظل انتشار رائحة البارود ودخان احتراق الممتلكات في مناطق المواجهات.

وأدت الإشتباكات، إضافةً إلى القتلى الثلاثة، إلى إصابة كلّ من يحيى عبيد، خالد المحمّد، خالد البدوي، أحمد البني، يوسف السقا، حسام السقا، يوسف الرشيدي، خالد الشامي، علي أحمد وهيثم تمرا.

كرامي
من جهته، استهجن الوزير فيصل كرامي انشغال لبنان بالانتخابات وبما يسمى لجنة التواصل التي تتباحث في المحاصصات، بينما طرابلس تعيش وضعاً متفجراً وخطيراً لا يسمح باقامة مباراة كرة قدم فكيف سيجرون انتخابات؟

وسأل كرامي الرؤساء والقادة الأمنيين عما اذا كانوا قد ألغوا طرابلس من حساباتهم، مؤكداً أن «أحداث طرابلس مفتعلة ولا علاقة لها بأهالي طرابلس». وتساءل: «من يسلح هؤلاء الناس؟ ومن يرى ويسمع ويعرف ويسكت؟ ومن ينهي المعارك بخطة أمنية وهمية، فلا يتم القبض على أي متورط ولا تتم مصادرة أي قطعة سلاح، الأجوبة عن هذه الأسئلة تؤكد أن الغطاء لهذه الأحداث كبير وكبير جداً وليس اعلامياً كما حال الغطاء الذي يتحدثون عنه لفرض الأمن والاستقرار»!.

وأضاف: «هذه الأحداث مستنكرة، لكن أن يتم الاعتداء على الجيش اللبناني في وضح النهار، فهذا الأمر لم يعد يمكن السكوت عنه. ومع احترامي للنواب الذين اجتمعوا بالأمس (الاول) واصدروا بيانات ودافعوا عن الجيش، أسأل ما هي صفة هذا الاجتماع؟ وهل الجيش أصبح بحاجة الى غطاء من نواب المدينة؟ مشيراً إلى أن عدداً من نواب المدينة الذين كانوا يحضرون الاجتماع كلنا نعرف بالسابق انهم هم من حرضوا على الجيش».

أضاف: «حصلت حادثة معي أنا في مجلس الوزراء بحيث طالبت في وقتها باصدار بيان لدعم وتغطية الجيش اللبناني فأجابني رئيس الجمهورية ان الجيش اللبناني لديه التدبير الرقم (1) وليس بحاجة الى غطاء من أحد».

ورأى كرامي ان «المطلوب ليس الضرب بيد من حديد فقط بل قطع اليد التي تمتد الى الجيش وأمن وحياة الناس بطرابلس»، معتبراً أن ما يحدث مع الجيش اللبناني الذي نرسله الى زواريب وأزقة المدن والى مستنقع خطير قد يطيح بهيبته وقد يهدد وحدته».

الشعار
من جهته، وجه مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار من مكان إقامته في دبي نداء إلى المتقاتلين، قال فيه: «لا تنجرُّوا إلى مستنقع الصراع الداخلي والطائفي الذي يريده المتربصون بلبنان شرا، ضعوا أيديكم بأيدي المؤسسة العسكرية، هذه المؤسسة التي من واجبها حفظ الأمن والنظام».

وناشد رئيس الجمهورية وقائد الجيش، وكل القيادات العسكرية، أن يمنعوا أبناء لبنان من الانغماس في حروب الآخرين».

وليلاً أعلن «الحزب العربي الديموقراطي» وقف إطلاق النار، لكن ذلك لم ينعكس هدوءا على المحاور التي بقيت مشتعلة.

كبارة: لتتحرك النيابة العامة (السفير)

طالب النائب محمد كبارة باسم «اللقاء الوطني الإسلامي»، بعد اجتماع عقد في منزله في طرابلس ليل أمس، النيابة العامة بـ«التحرك ضد رفعت عيد والمتورطين معه من شبيحة الأسد في قصف طرابلس»، معتبراً ذلك جريمة موصوفة بمستوى القتل الجماعي من خلال استهداف شعب بكامله وعقوبتها الإعدام.

وقال: «رئيس الجمهورية يعلم وقائد الجيش يعلم، وقادة الأجهزة الامنية يعلمون أن «حزب الأسد» في بعل محسن هو المعتدي»، متسائلاً: «هل سيدافعون عن طرابلس وأهلها، أم سيكتفون بالضغط على القتيل والتساهل مع القاتل؟».

وأضاف كبارة: «كأس طرابلس امتلأت وفاضت غضباً، ولا يعتقدنّ أحد بأن طرابلس تستعطي حماية او تتسول تعاطفاً».

دعوة للإضراب اليوم (السفير)

تحرك المجتمع المدني والأهلي، ليل أمس، استنكاراً لتدهور الوضع الأمني في طرابلس. ونفذ اعتصاماً في طريق الميناء رفع فيه الأعلام اللبنانية واللافتات التي تدعو الى وقف العنف والاقتتال في المدينة.

كما بحث «المجلس المدني»، في اجتماع عقد في منزل رئيس بلدية طرابلس نادر غزال، في التطورات الأمنية والنفق المجهول الذي يحاول إدخال طرابلس.

وأعلن المجتمعون، في بيان، الإضراب والإقفال العام اليوم الأربعاء في كل أرجاء المدينة حداداً على الشهداء، واستنكاراً للوضع المتردي الذي وصلت إليه المدينة وعدم إيجاد حلول جذرية لمآسيها.

كما دعا المجلس رئيس الجمهورية الى زيارة طرابلس اليوم وترؤس اجتماع المجلس الأعلى للدفاع.

الميناء: علم الدين يعتزل العمل البلدي (السفير)

استبق الرئيس السابق لبلدية الميناء عبد القادر علم الدين، فتح البازار السياسي ـ الانتخابي حول رئاسة البلدية، بعد تقديم تسعة أعضاء من مجلسها طلب طرح الثقة برئيسها الحالي الدكتور محمد عيسى، فأعلن استقالته من عضوية المجلس البلدي وقدمها رسميا أمس، إلى محافظ الشمال ناصيف قالوش. وكان طرح الثقة برئيس بلدية الميناء قد وُضع على بساط البحث السياسي في الجلسات المغلقة بعد العريضة التي قدمها تسعة أعضاء، لكن أي قرار حول هذا الموضوع لم يتخذ بعد، خصوصا أن التوافق السياسي حصل في العام 2010 بشأن انتخابات بلديتي طرابلس والميناء، ما يشير بوضوح إلى أن أي تغيير قد يطرأ في أي من البلديتين سينسحب حكما على الأخرى، وسيؤدي إلى انهيار التوافق، الذي جاء حينذاك بالمجلسين. وسيفتح المجال أمام معارك جديدة لن يكون بمقدور أي جـــــهة أن تتحــــمل تداعياتها، لا سيــــما في ظل الظــــروف الصعبة التي تواجهها الفيحاء.

وبالطبع فإن مجرد طرح الثقة بعيسى قد لفت الأنظار إلى علم الدين، الذي كان أمضى أكثر من ثلاثين عاماً رئيساً لبلدية مدينة الموج والأفق، وحقق فيها إنجازات مشهودة. ونجح في الانتخابات الأخيرة مع زميله الدكتور ميشال فلاح في تحقيق اختراقٍ للائحة المدعومة من التوافق السياسي، الأمر الذي يجعله مرشحاً دائماً للرئاسة. لكن علم الدين المنقطع عن حضور جلسات المجلس البلدي سارع إلى النأي بنفسه عن كل ما يمكن أن يحصل.