قتيل قنصاً في جبل محسن ورصاص خرق هدوء طرابلس الهشّ، الاعتصام السلمي لنقابات المهن الحرّة يحمّل الحكومة مسؤولية ما يجري (النهار)
نشر بتاريخ 27/08/2012
قتيل قنصاً في جبل محسن ورصاص خرق هدوء طرابلس الهشّ، الاعتصام السلمي لنقابات المهن الحرّة يحمّل الحكومة مسؤولية ما يجري (النهار)

لولا رصاص القنص الذي طال جامع الناصري وشارع سوريا في طرابلس، وسقوط قتيل يدعى عادل عثمان في حي الاميركان في جبل محسن، لكان الهدوء الحذر والهش الذي خيم منذ ساعات صباح امس سيد الموقف على كل المحاور الطرابلسية التي كانت مسرحا للاشتباكات في التبانة والقبة وجبل محسن، ولم تخرقه سوى بعض رصاصات القنص واطلاق قذيفتين صاروخيتين.

وفيما تم نقل القتيل عثمان الى مستشفى سيدة زغرتا، حضرت قوة من الجيش الى سوق القمح وطلعة العمري حيث تم اطلاق الرصاص، ونفذت عمليات دهم للبحث عن مطلقي النار، وتم تبادل لإطلاق النار بين الجيش ومسلحين في الزاهرية، اثناء تنفيذ عناصر الجيش عمليات دهم في المنطقة. وكانت الوحدات تسير دوريات في الاحياء والطرق الرئيسية والفرعية في المناطق الساخنة وفي باقي احياء مدينة طرابلس، وأوقفت عددا من المطلوبين.

ونقلت "وكالة الصحافة الفرنسية" عن مصدر امني لبناني قوله "ان ثلاثة جرحى اصيبوا قنصا في جبل محسن كذلك، مشيرا الى سقوط 3 قذائف "انيرغا" في منطقة المواجهات بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة".

وكشف المصدر انه "رغم دوريات الجيش في المنطقة فإن المسلحين يستقلون دراجات نارية مع سلاح ظاهر، وحين تسعى قوة من الجيش للقبض عليهم يفرون الى الاحياء الشعبية ذات الازقة الضيقة حيث تصعب ملاحقتهم"، لافتا الى ان 3 عناصر من الجيش اصيبوا ايضا بجروح خلال ملاحقة مجموعة مسلحة داخل طرابلس والاشتباك معها".

واوضح ان الجيش حاصر مجموعة مسلحة تحصنت في بعض المنازل وتمركزت على سطوح بعض المباني في منطقة الزاهرية في طرابلس متحدثا عن اشتباكات استمرت طوال ساعة استطاع الجيش بعدها القبض على افراد المجموعة العشرة". وبذلك ارتفعت حصيلة الجولة الاخيرة من الاشتباكات التي تشهدها طرابلس منذ الاثنين الماضي قبل اسبوع الى 16 قتيلا و118 جريحا.

وكان اوتوستراد طرابلس الدولي في محلة التبانة شهد امس حركة سير شبه طبيعية، فيما سجلت في باقي الاحياء حركة عادية.

الاعتصام السلمي المفتوح
وفي السياق ذكر مراسل "النهار" في طرابلس ان "نقابات المهن الحرة في الشمال والفعاليات الاقتصادية وهيئات المجتمع المدني حمّلت الحكومة مجتمعة المسؤولية خلال "الاعتصام السلمي المفتوح" الذي دعت اليه بلدية طرابلس "دفاعاً عن أمن واستقرار المدينة، وتكريساً للعيش الوطني الواحد ضمن حملة "طرابلس مدينة آمنة ومستقرة"، الذي نفذ داخل باحة دائرة الهندسة في بلدية طرابلس وحضره الى رئيس بلدية المدينة نادر الغزال وأعضاء المجلس البلدي أمين عام اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان توفيق دبوسي، نقيبة أصحاب المصارف في الشمال مهى المقدم، نقيب أطباء الأسنان في الشمال راحيل الدويهي، رئيس رابطة الأساتذة في الجامعة اللبنانية حميد حكم، رئيس رابطة أساتذة التعليم الخاص في لبنان نعمة محفوض، نقيب المحامين في الشمال ممثلاً بالمحامي مصطفى عجم، نقيب الأطباء ممثلاً بالدكتور ايلي حبيب، رئيس الاتحاد العمالي العام في الشمال شعبان بدرة ورؤساء جمعيات وعدد من أبناء المدينة، محملين الحكومة مسؤولية ما يجري في المدينة، من اخلال بالأمن وزعزعة الاستقرار من دون أي التفاتة منها، ولا حتى أقله تأليف خلية طوارئ لحل الأزمة.

والقيت كلمات استهلها الغزال بالتشديد على أهمية العيش تحت سقف الدولة وجناحيها، وقال: "نحن في طرابلس نرفض أن تكون لنا أجنحة عسكرية هنا وهناك، نأبى أن يكون لنا جناح الا جناح الدولة اللبنانية، والذي نأمل أن لا يكون جناحاً مريضاً بل الجناح الفاعل والقوي ليحيي كافة أبناء المدينة من مختلف الفئات والأطياف. نطالب الدولة ببسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية، لا سيما الشمال وأن تقوم بدورها في حماية الممتلكات. واشار الى ان "هذا الاعتصام سيبقى مدوياً في طرابلس لحين استتباب الأمن والاستقرار".

وأكد دبوسي أنه "لا يمكن ازدهار الاقتصاد الا باستتباب الأمن والسلام، لذا ندعو كل القيادات السياسية في لبنان للاجتماع الى طاولة حوار خاصة بمدينة طرابلس تعقد داخلها وعلى أراضيها من اجل طرابلس ولبنان".

وتحدث عجم باسم نقابة المحامين في الشمال مناشدا أبناء طرابلس، "عدم الوقوع في فخ الفتنة والعصبيات المذهبية وردود الفعل وترك الأمر للجيش اللبناني لاستعادة الاستقرار وملاحقة العابثين بأرواح الناس".

وأكدت الدويهي ان أبناء طرابلس يتوقون للعيش بأمان وسلام بهدف اعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، ودعا حبيب الى ضبط النفس وترك الأمور للجيش اللبناني والوقوف الى جانبه في سبيل دعمه للوصول الى المدينة التي نتمناها كما سابق عهدها.

وحمّلت المقدم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مسؤولية ما يحصل في مدينتنا والتي دائماً ما تستخدم كصندوق بريد عند كل استحقاق.

ورأى حكم ان "كل ما يشاع اليوم من فوضى هي مؤامرات تحاك ضد طرابلس للنيل من عزيمتها وقوتها".

وكشف محفوض "أن الأساتذة أنهوا بصعوبة العام الدراسي الماضي بسبب الأوضاع الأمنية المتفاقمة، والمطلوب اليوم على أبواب استقبال العام الجديد من الرئيس ميقاتي أن يطلب من الأجهزة الأمنية وقف المعارك الدائرة في المدينة".

وطالب السلو بضرورة "حل النزاع المسلح في مدينتنا والذي تفاقم في عهد رئيس الحكومة ابن هذه المدينة ووزرائها الخمسة".

وليل امس دهمت قوة من الجيش مخازن اسلحة في منطقة الزاهرية، وصادرت كميات كبيرة من الاسلحة قدرت حمولتها بشاحنتين.

التبانة ولاّدة القيادات الشعبية: «أبو عربي» نموذجاً (السفير)

تعترف القيادات السياسية والأمنية في طرابلس بأن أي اتفاق على وقف إطلاق النار، في جولات العنف المستمرة بين التبانة وجبل محسن، يحتاج الى اتصال واحد بمسؤول العلاقات السياسية في «الحزب العربي الديمقراطي» رفعت عيد، بينما يحتاج الى عشرات الاتصالات واللقاءات مع القيادات والكوادر الميدانية في التبانة المنتشرة على مختلف المحاور الساخنة.

السبب أنه في جبل محسن توجد حالة تنظيمية قادرة على ضبط الشارع والتحكم بمجريات الأمور على الصعيد الأمني، في حين أن في التبانة حالة مسلّحة غير منظمة أفرزت ـ وما تزال ـ قيادات ميدانية متعددة الولاءات والارتباطات، بعضها بالاقتناع وبعضها بحكم الضرورة وجلّها بحكم الحاجة، وتتحكم كل منها بمحور أو شارع أو حيّ أو زقاق يخضع لنفوذها.

بعد أكثر من نصف قرن على اغتياله، ما تزال التبانة تفتش عن قائد شعبي يعيد سيرة الشهيد خليل عكاوي (أبو عربي) الذي ترك بصمات في تلك المنطقة البائسة والفقيرة التي ما يزال أبناؤها، شيباً ومن المخضرمين ورجالا ونساءً، يعيشون ذكراه ويتغنون بمآثره وفضائله ونضالاته وتضحياته في سبيل التبانة، وهو ما يدفع بالجيل الجديد من القيادات إلى محاولة تقليد نموذجه لعلّ ذلك يمنحهم مشروعية وراثته الشعبية، وهو الذي كان قد رفض مغادرة باب التبانة أسوة بعدد من رفاقه في «حركة التوحيد الإسلامي» بعد «حرب طرابلس» 1985 والتي نتج عنها إنهاء سيطرة «حركة التوحيد» على طرابلس وعودة الجيش السوري والأحزاب الموالية لسوريا الى المدينة.

قد لا يوجد شارع أو بناء أو جدار في التبانة لا يحمل صورة أو شعارا لـ«أبي عربي»، ولا يوجد قائد ميداني فيها مهما كانت توجهاته السياسية أو العقائدية إلا ويمنّي النفس في خلافته، أو في الوصول الى بعض أوجه الشبه به.

من هنا فان فعل الوفاء والعرفان بالفضل لـ خليل عكاوي ما يزال مسيطرا على التبانة بكل مكوناتها، وقد ترجم في أكثر من محطة، سواء عندما أوصلت رفيق دربه الشيخ بلال مطر الى عضوية المجلس البلدي، ومنحته أكبر عدد من الأصوات خلال ترشحه الى الانتخابات النيابية، أو عندما منحت نجله عربي عكاوي أكثرية الأصوات في اللائحة التي فازت في الانتخابات البلدية الأخيرة.

والواقع أن التبانة الحالية استقطبت عبر التاريخ كثيراً من أبناء المناطق المحيطة بطرابلس، من عكار والمنية والضنية، بسبب دورها التجاري الذي كانت تلعبه تاريخياً باعتبارها سوقاً تجارية لكل الشمال حتى سميّت «سوق الذهب» تضم في عدادها مجموعة أسواق: سوق الخضار للجملة، سوق الخضار للمفرّق، سوق القمح، سوق قطع السيارات، سوق «المناشر» لصناعة صناديق الخضار، سوق الخردة، سوق الثياب الجديدة، سوق الثياب المستعملة، ومنطقة تكتظ بالمؤسسات الحرفية والصناعية الصغيرة والمتوسطة التي اجتذبت طالبي العمل من تلك المناطق.

وقد ساهم ذلك في تحسّن الظروف الاقتصادية لعدد كبير من أبنائها الذين سرعان ما غادروها إلى المناطق الجديدة في طرابلس بعد أن توفّرت لهم القدرة المالية لشراء منازل خارج التبانة، وهو ما أفسح المجال لأن يملأ الشواغر أبناء عكار والضنية والمنية الذين يعملون في أسواقها والمؤسسات القائمة فيها، لينضموا إلى أبناء التبانة الأصليين من ذوي الامكانات المتواضعة وغير القادرين على الانتقال إلى مناطق أكثر رفاهية في المدينة.

كل ذلك جعل من منطقة التبانة الأكثر اكتظاظاً بالسكان مع تراجع خدمات الدولة فيها، ربما لأن واقعها أصبح أقل قدرة على استيعاب التجديد في مظهرها، حيث جرى التعامل معها كمنطقة صناعية وتمّ إغفال الواقع السكاني فيها.

منذ عهد الانتداب الفرنسي والتبانة تعيش في حراك سياسي وشعبي، فهي كانت المحرك الأساسي في إضراب الـ 40 يوما في العام 1936 ضد السلطة الفرنسية، وكان لأبنائها اليد الطولى في تحركات الاستقلال عام 1943 وسقط منهم شهداء، ومن ثم توالى الحراك الشعبي المطلبي في التبانة ما أعطاها صبغة بأنها الخزان البشري الصالح دائما وأبدا للعمل الثوري، وهي لم تغيّر جلدها بعد التحوّل الذي أصابها سكانياً، فكانت عدوى تلك النزعة الثورية تنتقل إلى كل مقيم جديد فيها، لتتحوّل لاحقاً إلى «وكر» المتمرّدين الثوريين.

وقد أغرى ذلك الأحزاب اللبنانية فدخل إليها «الحزب الشيوعي اللبناني»، «منظمة العمل الشيوعي»، «الحزب التقدمي الإشتراكي»، «حركة 24 تشرين»، وتنظيم ما كان يعرف بـ«الألوية الثورية اللبنانية»، و«صقور طرابلس»، وكانت تضم آنذاك ناشطين من السنة والعلويين الذين كانوا يتقاسمون التبانة دون أن يعرف أحدهم مذهب الآخر.

وتبع ذلك دخول «منظمة التحرير الفلسطينية» إلى التبانة، وهي وجدت قبولا كبيرا، إنطلاقا من التعاطف آنذاك مع القضية الفلسطينية.

مع بداية الستينيات من القرن الماضي بدأ نجم علي عكاوي (الأخ الأكبر لـ خليل عكاوي) يسطع بعد مغادرته تنظيمياً الثورة الفلسطينية، فشكل فصيل «الثائرون الخمسة» ومن ثم «منظمة الغضب»، وجمع عكاوي حوله عدداً كبيراً من فقراء السنة والعلويين، وذلك قبل التحول الذي بدأ مع تأسيس «حركة الشباب العلوي» التي شكلت عامل جذب لأبناء الطائفة، خصوصا بعد الخلاف الذي نشب بين الرئيس حافظ الأسد وياسر عرفات وأرخى بتداعياته المسلحة على التبانة التي وقفت الى جانب «منظمة التحرير»، وعلى جبل محسن الذي كان الى جانب سوريا.

بعد مقتل علي عكاوي، آلت مقاليد القيادة الى شقيقه خليل عكاوي الذي أسس «حركة المقاومة الشعبية» وشارك في معارك طرابلس ـ زغرتا، وقاتل مع مجموعاته المسلحة في الجنوب اللبناني، ثم اقترب من الأحزاب اليسارية قبل أن يلتحق رسميا بـ«الحزب الشيوعي اللبناني».

في نهاية السبعينيات استقل «أبو عربي» بحركته مع عدد من القيادات الشعبية التي كانت حوله وتحمل فكراً يسارياً كان لها تأثير كبير في التبانة، وبدأت ميولهم الفكرية تنحو باتجاه الالتزام الديني، وأبرز هؤلاء: بلال مطر، عزيز علوش، محمود الأسود، سمير الحسن وفايز العموري والرقيب ملص وغيرهم، كما اعتمد على عدد من المثقفين الثوريين في لبنان في مهام التثقيف السياسي للمجموعات المنضوية ضمن حركته التي شهدت وشهد «أبو عربي» معها عصرا ذهبيا امتد منذ العام 1979 وحتى العام 1982.

مع تأسيس «حركة التوحيد الاسلامي» أوقف «أبو عربي» العمل بصيغة «المقاومة الشــعبية» وانضوى في صفوف «التوحيد» بامرة الشيخ سعيد شــعبان، كما فعل كنعان ناجي الذي جمد «تنظيم جند الله»، وعصمت مراد بتجميده ايضا «حركة لبنان العربي».

لكن «أبو عربي» ما لبث أن استأنف نشاطه التنظيمي ضمن «اللقاء الإسلامي في طرابلس» تحت اسم «لجان المساجد والأحياء» إثر معركة إخراج ياسر عرفات من طرابلس في العام 1983 في ما عرف آنذاك «حرب أبو عمار»، وبقي كذلك حتى معركة عام 1985 الفاصلة.

يقول أحد المطلعين على تلك الحقبة، إنه بعد دخول الجيش السوري الى طرابلس ناضل «أبو عربي» سلميا من أجل منع دخول الجيش السوري الى الأحياء الداخلية في التبانة، وذلك حتى تاريخ 9 شباط 1986 حيث تعرض لكمين مسلح في محلة باب الحديد، خلال عودته من اجتماع في أبي سمراء ضم قيادات من «التوحيد» وضباط من المخابرات السورية، لتخسر التبانة قائدها.

بعد اغتيال «أبو عربي» ضاع القرار في باب التبانة وضعفت القيادة، وهو ما سمح لاحقاً بدخول الجيش السوري الى الأحياء الداخلية للمنطقة بالتزامن مع المجزرة الشهيرة التي ذهب ضحيتها العشرات من أبناء المنطقة.

ويؤكد أحد رفاق درب «أبو عربي» أن قائدا شعبيا من طرازه لا يمكن أن يتكرر سواء على مستوى الشخصية والشعبية والـ«كاريزما»، لافتا النظر الى أن شخصية «أبو عربي» ما تزال تغري كثيرين من قيادات التبانة الميدانيين ممن يحاولون تقليده في بعض جوانب شخصيته.

ويقول قيادي حزبي سابق إن منطقة فقيرة ومحرومة ومهمشة مثل التبانة، «يحمل أبناؤها الفكر الثوري، ويواجهون جرحا مفتوحا منذ عقود يضاعف من إلتهابه الانقسام السياسي والشحن المذهبي المتواصل، هي منطقة قابلة لاستيعاب عدد مفتوح من القيادات الشعبية والميدانية التي يرتبط صعود نجمها اليوم بقدر المساعدات والخدمات التي تؤمنها لأهلها من الفقراء، وبقدر العداء الذي تظهره لـ«الحزب العربي الديمقراطي» والمعارك التي تخوضها ضده، وقد ترجم ذلك بظهور عدد من القياديين الذين تركوا بصماتهم ومن أبرزهم الشهيد خضر المصري».

ويضيف إن هذه التعددية في القيادات باتت تنعكس سلبا على التبانة وعلى تفاصيل حياتها اليومية بسبب تشعباتها السياسية والأمنية وتعدد ولاءاتها وإرتباطاتها وضياع قرارها بين عشرات القادة الذين قد يختلفون على أشياء كثيرة ويتناحرون في ما بينهم، لكنهم يتوافقون سريعا ويتراصون ويتكاتفون تجاه أي خطر يهدد التبانة، أو عند أول طلقة رصاص باتجاه جبل محسن.

طرابلس: «رسالة الزاهرية».. مقدمة لضبط «المربعات الأمنية» (السفير)

تدخل الأزمة الأمنية في طرابلس اليوم أسبوعها الأول، وسط تصاعد في حدة المخاوف من أن تتحول حالة الاستنزاف المستمرة في المدينة منذ ثاني أيام عيد الفطر الى «نظام حياة»، يرتبط بشكل مباشر بالأحداث الجارية محليا وإقليميا.

وقد أدت الخروقات الأمنية التي شهدتها المحاور الساخنة بين التبانة والقبة وجبل محسن الى مقتل عادل عثمان (من جبل محسن) وإصابة أربعة أشخاص عرف منهم كل من: يحيى متلج وحسن سلوم.

اللافت في جولة العنف الرقم 12 بين التبانة والقبة وجبل محسن، التي أسفرت عن مقتل عادل عثمان (من جبل محسن) وإصابة أربعة أشخاص، أمس، أمران:

أولا: انتقال تداعيات المواجهات المسلحة ومن ثم الخروقات الأمنية المتلاحقة حتى ليل أمس الى سائر أنحاء المدينة لتصبح بمجملها خارج أي إطار أمني رسمي، وذلك لمصلحة الاستعراضات العسكرية للمسلحين الملثمين وغير الملثمين الذين يجوبون الشوارع على الدراجات النارية ويعملون على تصفية الحسابات بالاعتداءات التي اتخذت وجوها مختلفة.

ثانيا: الاصرار على إبقاء معركة طرابلس مفتوحة، وقد بقي هذا الاصرار حتى ليل أمس أقوى من إرادة الدولة التي حضرت برئيس وزرائها ووزيري دفاعها وداخليتها ووزراء المدينة ونوابها وقادة أجهزتها الأمنية، وأقوى من خمسة اجتماعات سياسية ـ أمنية عقدت في منزل النائب محمد كبارة وكلها لم تنجح في وقف النزف الحاصل.

ويشير هذا الواقع أيضا الى أمرين: الأول أن يكون هناك قرار خارجي بالتفجير، والثاني أن يكون المطلوب تنفيسة دائمة للاحتقان المتصاعد في لبنان أو في المنطقة.

لن يستطيع أحد أن يواجه الاحتمال الأول، إذا كان هو الأكثر واقعية، وستؤول الأمور حكما الى أمراء الشوارع الذين لن يتوانوا عن إفشال الجيش اللبناني، وعن تحدي الدولة وضرب قراراتها باصدار استنابات قضائية بحق المسلحين عرض الحائط.

ومعنى ذلك أن التفجير لن يقتصر على طرابلس التي ستنال الحصة الأكبر وستشهد معارك زواريب خارج الخطوط التقليدية، بل سيتمدد حكما الى مناطق أخرى، لا سيما شمالا وصولا الى الحدود مع سوريا. إذ ان المعلومات تقول ان ثمة استعدادات لافتة تجري في بعض القرى العكارية التي وصلت الى بعضها سيارات إسعاف مجهزة بعيادات طبية كاملة.

أما إذا ارتفعت اسهم الاحتمال الثاني، فان طرابلس التي باتت تشكل متنفسا للاحتقان المحلي والاقليمي، مقبلة على مزيد من الاستنزاف الذي قد يستمر أياما أو أسابيع بدماء الفقراء وشل الاقتصاد حتى تحقيق الغاية منها.

والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الاطار هي: ما هي الغاية السياسية المطلوبة اليوم من هذه التنفيسة الأمنية؟ وكم تحتاج من الوقت لتحقيقها؟ وهل يمكن إدارتها بما يمنع من وصول حالة الاستنزاف إلى مرحلة الانفجار؟ وهل تحتمل طرابلس انفلاتا بهذا الشكل للوضع الأمني؟ وهل سيؤثر ذلك على حضور الدولة وهيبتها ويؤدي بالتالي الى سقوط المحرمات التي بدأ الطرابلسيون يشاهدون نماذج عنها، لا سيما على صعيد الفرز المذهبي الخطير من خلال الاعتداء على الممتلكات.

الثابت اليوم أن كل الفرقاء السياسيين من الموالاة والمعارضة باتوا يتهيبون ما يجري من فلتان أمني في طرابلس، خصوصا بعدما لمسوا بعد أسبوع على اندلاع الاشتباكات أنهم فقدوا القدرة على التحكم بمسار الأمور، وبعدما تأكد لهم أن ثمة مجموعات غير منضبطة وخارجة عن سيطرة أي جهة سياسية هي التي تتحكم بأمن المناطق الساخنة ومن خلالها بأمن المدينة.

ومما يضاعف من حالة التهيب هذه، أن أحدا لا يعرف حجم هذه المجموعات ولا آلية عملها، ولا ارتباطاتها وامتداداتها والى ماذا يمكن أن تستدرج طرابلس في حال استمر الوضع على ما هو عليه.

لذلك، فقد وضع الجميع الفرقاء أنفسهم بتصرف الجيش اللبناني، وطلبوا منه القيام بكل ما من شأنه أن يخرج طرابلس من هذا النفق الأمني المظلم، مؤكدين أن لا غطاء سياسياً لأي مخل بالأمن.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، تشير المعلومات الى أن الجيش اللبناني بدأ اتصالات مكثفة مع كل المجموعات وأبلغهم بشكل واضح بضرورة إخلاء الشوارع وإزالة كل المظاهر المسلحة وأنه لن يتهاون مع أي مسلح.

وبالفعل، فقد أوقف الجيش أربعة أشخاص من محلة البقار، وخمسة من التبانة، ونفذ أعمال دهم في الزاهرية وأوقف عشرة أشخاص وصادر كميات من الأسلحة، وذلك في رسالة واضحة الى كل المجموعات المسلحة بأن إجراءاته جدية وصارمة ولن يكون هناك أي تهاون مع اي مخل بالأمن.

وعلمت «السفير» بأن الجيش بدأ اعتماد خطة أمنية تقضي بعزل مناطق الاشتباكات عن أحياء طرابلس، وتقسيم المناطق القريبة من خطوط المواجهات الى مربعات أمنية بهدف ضبطها ومنع حصول أي أعمال مخلة بالأمن فيها.

في غضون ذلك، نقل وزير الاعلام وليد الداعوق عن الرئيس نجيب ميقاتي قوله ان «الأوضاع في طرابلس تتجه نحو الاستقرار، في ضوء التدابير والاجراءات التي يتخذها الجيش وقوى الأمن الداخلي، بدعم ومساندة من كل القوى السياسية في المدينة، وهناك اجماع لدى كل القيادات الطرابلسية وأبناء المدينة على رفض لغة الحرب والفتنة والقتل».

وأشار الداعوق الى أن ميقاتي طلب من وزير العدل شكيب قرطباوي اعتبار تصريح النائب السابق مصطفى علوش بشأن عمليات تسلح في طرابلس بمثابة اخبار والتحقيق فيه لكشف المعطيات وإحالة الملف على المراجع المختصة. كما شدد على ان القضاء باشر تسطير الاستنابات القضائية في حق المخلين بالأمن والقانون على كل الاراضي اللبنانية».

كما رد ميقاتي على الانتقادات بشأن سبل المعالجة، بأنه يقبلها في مقابل عدم سقوط قطرة دم، وقال: «صحيح أن الامن لا يتم بالتراضي، ولكن الحكمة والتروي مطلوبان ومهمان في هذا الظرف الخطير منعا للانزلاق الى القوة التي تقود الى المواجهة الشاملة وانفلات الأوضاع».

وفي هذا الاطار، أكد النائب محمد كبارة لـ«السفير» إثر الاجتماع السياسي ـ الأمني الذي عقد في منزله واستمر حتى ساعة متأخرة من الليل أن «الجميع يلتزمون قرار وقف إطلاق النار، ويسلمون بدور الجيش، وإذا كان هناك من عناصر مأجورة أو طابور خامس فالكل سيتعاون مع الجيش لوضع حد لأعمالها التخريبية ولخروقاتها الأمنية». وأشار كبارة إلى أن الرئيس نجيب ميقاتي تعهد بأن تقوم السلطة السياسية بواجبها كاملا وبإعطاء التوجيهات للجيش للضرب بيد من حديد لاعادة الوضع الى طبيعته في طرابلس.

وقد خلص الاجتماع إلى التزام وقف إطلاق النار من جميع الأطراف، والطلب من الجيش اللبناني تثبيت الأمن ومنع الخروقات ومعالجتها بالشكل المطلوب، والطلب من قوى الأمن الداخلي التعاطي مع ظاهرة الاعتداء الفئوي على ممتلكات المواطنين بالحزم ووفقا للقانون.

كما طالب المجتمعون الحكومة بدفع تكاليف علاج المصابين، وتحضير مشروع إنمائي لهذه المنطقة المحرومة، وتكليف الهيئة العليا للاغاثة باحصاء الأضرار ودفع التعويضات اللازمة على المتضررين.

«الفيحاء» ليست بخير.. والحرق الانتقامي مستمر (السفير)

طرابلس لم تتعاف بعد وهي ليست بخير. الحذر ما زال سيداً في مناطق الاشتباكات كما أن الاحراق الانتقامي لمحلات تجارية بسبب انتماءات اصحابها الطائفية او السياسية، آخذ في التوسع وفي تسميم كل ما في المدينة.

وقد سعى الوسط التجاري وتفرعاته السكنية في طرابلس منذ وقف الاشتباكات العسكرية المفتوحة ليل الجمعة الماضي إلى عزل نفسه عن المناطق الساخنة. إلا ان هذه المنطقة الحيوية من المدينة وجدت نفسها في قلب العاصفة وتداعيات المعركة من خلال استمرار أعمال حرق المؤسسات التجارية وانتشار المسلحين الذين كانوا يجوبون الشوارع معلنين المدينة بأكملها ساحة حرب مفتوحة.

واستمرت أعمال حرق المؤسسات التجارية برغم التدابير الأمنية المشددة لعناصر الجيش وانتشارهم في العديد من المناطق الحساسة. وتمكنت وحدات الجيش من منع إحراق بعض المحال في حين فشلت في أماكن أخرى باغتها فيها من قام بذلك، خصوصا وان المسلحين على دراجات نارية امتلكوا قدرة كبيرة على المناورة والهروب من آليات الجيش التي تتعقبهم عبر الاختفاء في الازقة الضيقة للأحياء الشعبية والحارات الصغيرة.

وترافق إحراق المؤسسات وانتشار المسلحين مع قيام البعض بمحاولة إدخال نازحين سوريين بالقوة إلى إحدى المدارس في منطقة الزاهرية، برغم رفض الكاهن المسؤول عنها والذي حاول إقناعهم بأن المدرسة وقف لطائفة الروم ولا تعود ملكيتها للدولة، قبل ان يتدخل الجيش ويعيد المدرسة إلى المسؤول عنها.

وأعقب ذلك في نفس المنطقة اشتباك مسلح بين الجيش اللبناني وعناصر مسلحة تابعة لعائلة الموري (المعروفة بانتمائها لقوى 8 آذار) اسفر عن سقوط ثلاثة جرحى في صفوف عناصر الجيش والقاء القبض على عشرة مسلحين ومصادرة اسلحتهم. كما داهم الجيش اماكن عدة في محلة القبّة حيث ضبطت كمية من الاسلحة.

هذه التطورات أبقت المدينة على حالها من الشلل، ومعها محاور المواجهات الممتدة من باب التبانة إلى القبة مرورا بجبل محسن وما بينهما من محاور. واستمرت أعمال القنص المتبادل وسقوط قذائف الانيرغا حاصدة العديد من الجرحى ومتسببة بأضرار إضافية وفارضة هجرة قسرية لمئات العائلات التي تنتظر استتباب الأمن للعودة إلى منازلها وممارسة حياتها الطبيعية.

يأتي ذلك في وقت كان فيه الجيش يواصل عملياته الميدانية في الرد على مصادر إطلاق الرصاص وملاحقة المسلحين وفرض إجراءات مشددة عند المحاور الساخنة التي جرى فيها استحداث نقاط محـصنة بخرسانات باطونية ونشر بعــض قناصته على أسطح المبـاني، بهدف رصد أية تحركات مخــلة بالأمن والتعامل معها بناء للتفـويض المعـطى له.

وبالتزامن عقدت سلسلة لقاءات واجتماعات تولت القيام بها قيادات سياسية وأمنية بهدف الوصول إلى تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق الرصاص الذي اقر خلال الاجتماع السياسي والأمني الموسع الذي عقد في دارة الرئيس نجيب ميقاتي، وقبلها في منزل النائب محمد كبارة.

إلا ان التدابير المشددة واللقاءات المكثفة لم توقف الخروقات الأمنية والتي كادت في محطات عديدة خلال اليومين الفائتين ان تعيد إشعال الجبهات على نحو مفتوح، خصوصا بعد سقوط أي جريح بنيران القناصة، حيث كانت الاتصالات تتسارع للجم اية ردات فعل عنيفة. كما حصل بعد سقوط عدد من الجرحى في حي الاميركان والبقار والريفا.

ومع استتباب الأمن بشكل جزئي في شارع سوريا خرج الأهالي إلى الشارع لتفقد ممتلكاتهم وعاد بعض الاهالي إلى منازلهم في الأحياء الداخلية للتبانة وباشروا بجمع النفايات التي كانت تجتاح الشوارع عاملين على إصلاح خطوط الهواتف وخراطيم المياه التي قاموا بإيصالها إلى منازلهم بسبب انقطاع مياه الشفة عن بعض الأحياء. إلا ان الهدوء النسبي لم يشجع معظمهم للعودة الى مؤسساتهم التجارية ومحلاتهم برغم بعدها عن خطوط الاشتباكات، خشية اندلاع المواجهات في أي لحظة ومحاصرتهم داخل التبانة خصوصا وان قسما كبيرا من أصحاب تلك المحلات من خارج المنطقة.

وبقي الوضع الامني حذرا وخطرا في مناطق الحارة البرانية وسوق القمح وجامع الناصر بالتبانة وطلعة العمري وطلعة الشمال والبقار والشعراني والاميركان والريفا، حيث كانت نسبة الخروقات كبيرة، وكانت الحركة معدومة بشكل كامل إلا من آليات وعناصر الجيش اللبناني، وسط شائعات كانت تزيد من حدة التوتر وتصعب من مهمة الجيش في ضبط الأمن ومن مساعي السياسيين في إعادة الاستقرار.

إطلاق مشروع الطريق إلى السلام للحدّ من انتشار العنف (النهار)

أطلقت "مؤسسة الصفدي" من خلال مراكزها الاجتماعية الثلاثة في الاحياء القديمة في طرابلس (اكاديمية المرأة في ضهر المغر، حارتنا في السرايا العتيقة، وشبابنا في السويقة) مشروع الطريق الى السلام الهادف الى الحد من انتشار العنف في تلك المناطق وجوارها.

وقالت مديرة القطاع الاجتماعي في "المؤسسة" سميرة بغدادي: "لوحظ ضعف التوعية والتوجيه عند الاهالي لأولادهم وفي شكل خاص فئة الشباب، كما ان المدارس الرسمية الموجودة في المنطقة تشهد حالات عنف مرتفعة تجاه التلامذة ما يؤدي بالعديد منهم الى ترك المدرسة، فترتفع نسبة التسرب المدرسي التي وفقا للاحصاءات تعد طرابلس الاعلى بينها".