في باب التبانة... حرمان مقيم وحروب تتوالد (السفير)
نشر بتاريخ 12/09/2012
في باب التبانة... حرمان مقيم وحروب تتوالد (السفير)

منذ أن دخلتها السياسة قبل 37 عاما، وعملت على فرز أبنائها بين معسكرين متناقضين، تحولت التبانة من «باب الذهب» الذي كان الرئة التي يتنفس منها اقتصاد طرابلس، الى باب مفتوح على مختلف أنواع الفقر والقهر والظلم والحرمان.

لا تزال الحروب المتوالدة تمعن في إحداث فرز سياسي ـ مذهبي بين التبانة وجبل محسن، قد يكون له أخطر التداعيات على العاصمة الثانية في حال استمراره على هذه الحال.

تتفاعل التبانة مع كل قضايا لبنان والمنطقة، فتنفعل لأجلها، وتخرج عن طورها وتحمل الســلاح وتدمر نفسها دفاعا عن نفسها وكرمى حسابات الآخرين، من دون أن تجد من يدافع عنها أو ينفعل لأجلها أو «يكرمها»...

في التبانة، تفتح نوافذ التاريخ الأليم جنباتها على حاضر موجع لمنطقة لم تعرف من التكنولوجيا سوى أسلحة متطورة تستخدم في حروب عبثية يتقاتل فيها الأشقاء وأبناء النسيج الاجتماعي الواحد. ترسم رشاشات المتقاتلين والقذائف الصاروخية خرائط على جدران الأبنية وشرفات المنازل، لتشكل عنوانا لكل الوافدين إليها، بأن الحرب مرّت من هنا، واسـتمرت... وحظيت بـ«إقامة دائمة».

الواضح اليوم، أن التبانة لم تعد صندوق بريد لتبادل الرسائل، بل غدت ساحة لتصفية الحسابات السياسية بالحديد والنار.

وفي ظل الأزمة السورية التي تشحن نفوس المتقاتلين بين التبانة وجبل محسن، تبقى اليد على الزناد في انتظار مفرقعة من هنا، أو حجر من هناك، أو إشكال فردي هنالك، المهم أن ثمة من يريد أن يبقي هذه المنطقة مشتعلة على إيقاع النار السورية.

ولعل الجولة الأخيرة (الرقم 12) التي كانت الأعنف من حيث غزارة النيران والأطول من حيث عدد الأيام (أسبوع كامل) والأكبر على صعيد الخسائر البشرية والمادية (17 قتيلا وأكثر من 130 جريحا ودمارا بالجملة)، قد أعطت مؤشرا واضحا حول تطور الأعمال العسكرية بين التبانة وجبل محسن.

وجاء سقوط قرارات وقف إطلاق النار تباعا ليؤكد أن ثمة من يتحكم بالأرض خارج عن أي سيطرة سياسية أو أمنية، وبالتالي فان التبانة اليوم أمام خطر أن تتحول الى حاضنة للمتطرفين والخارجين عن القانون في حال استمر الوضع على ما هو عليه، في ظل غياب أي معالجات جذرية من شأنها أن تضع حدا للموت المجاني المتنقل بين الأحياء والأزقة والأبنية المتداخلة.

لمحة جغرافية
كانت التبانة في منتصف القرن الماضي تقتصر على بعض الأسواق والخانات والحارات، قبل أن تنتقل الى صورتها الحالية. وقد شهدت نهضة عمرانية بعد طوفان نهر أبو علي أدت الى اتساع رقعتها الجغرافية والديموغرافية وباتت تتألف من سلسلة شوارع وأحياء أهمها: الحارة البرانية، سوق القمح، شارع أبو عربي، حي المهاجرين، بعل الدراويش، سوق الخضار، شارع السلطان عبد الحميد، المخفر القديم، شارع علي عكاوي، ساحة الأسمر، ساحة حربا، بعل الدقور، بعل السراقبة، ومنطقة الشل، وشارع سوريا الذي يعتبر الشريان الرئيسي في المنطقة.

شهدت منطقة التبانة خلال السنوات الـ37 الماضية حركة هجرة داخلية من أبنائها الطرابلسيين نتيجة التوتر الامني الدائم، قابله استقبالها لأبناء الجوار الهاربين من الفقر الى الفقر، لا سيما من عكار والضنية والمنية والبداوي بحثا عن فرص عمل، بالإضافة إلى العديد من المواطنين السوريين الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية وتوزعوا في أحيائها بما فيها جبل محسن، ليتحول مجتمع التبانة الى «فسيفساء بشرية» تختلف في العادات والتقاليد والاتجاهات، وتتفق في الارتماء في واقع البؤس المستفحل.

وقد أدى هذا الأمر إلى ارتفاع الحواجز في وجه أي تقدم أو ازدهار عمراني، وأخذت الأمور تزداد سوءا يوما بعد يوم، لتهدد بشكل فعلي وجود هذه المنطقة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 60 ألف نسمة، بينهم 38 ألف ناخب، (يضاف إليهم سكان جبل محسن) يمثلهم 8 مخاتير إضافة الى أربعة مخاتير لـمحلة جبل محسن يشكلون لائحة واحدة في الانتخابات البلدية والاختيارية وينتخبون من أهالي المنطقتين مجتمعين. كما تتمثل التبانة بأربعة أعضاء في المجلس البلدي لطرابلس هم حاليا: عربي عكاوي وخالد صبح إضافة الى عضوين من جبل محسن هما ليلى شحود ومحمد شمسين...

حزام البؤس الأسوأ
كل شيء في التبانة قابل للتغيير. الإيديولوجيات. الانتماءات. الاعتدال الديني. التطرف. الشعارات... كلها قابلة لأن تتبدل تبعا للظروف والمعطيات المتحركة، إلا أن الثابت الوحيد، اليوم، هو الحرمان الذي يقص حكاية منطقة كانت في منتصف القرن الماضي حاضنة للمال والأعمال، وما لبثت أن حولتها السياسة و«الحسابات» الى حاضنة للحروب والى أسوأ حزام بؤس وفقر في لبنان وعلى ساحل المتوسط بحسب التقارير الصادرة عن أكثر من منظمة دولية.

وتشير التقارير الى أن التبانة تضم أكبر تجمع للعاطلين عن العمل، حيث أن نحو 60 في المئة من شــبانها ما بين 18 و30 عاما يعانون من بطالة كاملة، ويعاني نحو 20 في المئة من هذه الفئة من عدم الثبات في العمل.

ويساهم في ازدياد حجم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية غياب الامكانيات والمؤهلات العلمية لهؤلاء الشبان الذين اضطرتهم ظروف الحياة لترك مقاعد الدراسة والنزول الى سوق العمل لمساعدة عائلاتهم على مواجهة الأعباء المعيشية، ولم يفلحوا في الحفاظ على عملهم، ليتحولوا الى عاطلين عن العمل معرّضين لشتى أنواع الانحرافات، وأخطرها في السنوات الأخيرة حبوب الهلوسة التي تجتاح المناطق الشعبية...

والى جانب ذلك، تتفشى في التبانة ظاهرة التسرب المدرسي اذ تشير التقارير الى أن 58 في المئة من الشبان ما بين 14 و19 سنة هم خارج أي تعليم تربوي أو مهني أو أكاديمي، علما ان كل مدارس التبانة من رسمية وخاصة ومجانية لا تستوعب أكثر من 30 في المئة من حجم عدد الطلاب الذين يفوق عددهم الـ12 الف طالب، فيما تقوم أكثرية طلاب المرحلة الثانوية بمتابعة دراستها في ثانويات طرابلس.

وتنشط في التبانة اليوم الجمعيات الأهلية في إنشاء مراكز تدريب مهنية لتعليم الخياطة والتطريز والتزيين النسائي والرجالي، والرسم والكومبيوتر، وبعض المهن الحرفية وذلك بهدف تشجيع الفتيان والفتيات على اكتساب مهنة تقيهم البطالة والفقر والعوز.

في المقابل، يقتصر حضور الدولة على السنترال ومخفر الدرك الذي بات حضوره صوريا ومركز الخدمات الانمائية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية الذي يغلب على عمله الطابع البحثي والذي لا يستطيع برغم تقديماته المتواضعة (دورات للنساء والأطفال الخ..) أن يحيط بالمتطلبات الاجتماعية الكبيرة.

ويصح القول أن معظم أبناء التبانة فقراء، ولو بنسب متفاوتة، وتشير الاحصاءات الى أن نحو 10 في المئة من عائلات التبانة تعيش بمعدل دولارين في اليوم الواحد، وأن 20 في المئة لا يتعدى دخلها الشهري 300 ألف ليرة لبنانية، وأن 50 في المئة من العائلات لا يتعدى دخلها الشهري الحد الأدنى للأجور (700 ألف ليرة)، إضافة الى 20 في المئة يتجاوز دخلها الحد الأدنى. كما أن هناك نحو 50 ألف نسمة يتوزعون على نحو 8500 وحدة سكنية، و80 في المئة من مجموع عدد السكان لا يشملهم أي ضمان أو تأمين صحي أو إجتماعي.

وتعيش التبانة على مستنقع من المياه الآسنة التي تتجمع في معظم أبنيتها وتنخر أساساتها المتصدعة أصلا بفعل إصابتها بشكل مباشر في جولات العنف المتتالية، ما يجعل السكن فيها مخاطرة حقيقية.

وتشير المعلومات من مصادر غير حكومية الى وجود أكثر من خمسين مبنى مهدد بالانهيار والسقوط على رؤوس قاطنيه والعدد قابل للازدياد لأن البنى التحتية التي يفوق عمرها الـ50 عاما لم تعد قادرة على الاستيعاب، لذلك فإن مياه الصرف الصحي لا تجد سوى طريقين: إما الخروج الى الشارع او الاستقرار في الملاجئ، ناهيك عن النفايات المنزلية وفضلات الخضار التي تجتاح الشوارع وتختلط بمياه المجارير لتشكل غذاء دسما للجرذان ومختلف أنواع القوارض التي تغزو بأعداد هائلة المنازل والمحلات التجارية.

وبرغم انتشار الكثير من المستوصفات والعيادات الطبية في التبانة إلا أن الوضع الصحي ليس في أفضل حالاته. وتتفشى بين الاهالي امراض التيفوئيد والاسهالات الحادة نتيجة تناول الأطعمة المكشوفة والسكاكر الملوثة، وأمراض الحساسية الصدرية والسل الرئوي الناتجة عن ارتفاع نسبة الرطوبة التي تجتاح معظم منازل المنطقة، إضافة الى الجرب والقمل لا سيما في صفوف الطلاب نتيجة انعدام النظافة، فضلا عن سوء التغذية الذي يولد فقر دم وخصوصا عند الاطفال الذين تتنامى نسبة وفياتهم لتصل نسبتها الى نحو 50 طفلا لكل ألف ولادة حية، لتقف كل هذه المستوصفات عاجزة عن القيام بواجباتها لجهة التعامل مع هكذا حالات.

الأرض الخصبة للسياسة
هذا الواقع المرير يجعل من التبانة التي تعتبر الخزان البشري الأكبر في طرابلس، والصوت المرجح والوازن في الانتخابات النيابية، أرضا خصبة لكل التيارات السياسية والدينية التي وجد كل منها ضالته في هذه المنطقة الشعبية.

وبالرغم من كل ذلك، لا تزال التبانة تحافظ على تنوعها السياسي حتى اليوم، وإن كانت الصبغة الحريرية قد سادت لفترة بعد العام 2005 غداة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. إلا أن تعاطي «تيار المستقبل» مع المنطقة وأهلها، وإخراج نفسه بعد الانتخابات النيابية الأخيرة من معادلة تقديم المساعدات والخدمات الاجتماعية نتيجة الأزمة المالية التي واجهها «التيار»، وعدم إنصافه المنطقة التي دافعت عنه خلال وجوده في السـلطة، أدى إلى تراجع حضور «التيار الأزرق» في المنطقة، فانكفأت بعض الكوادر المحلية عن «المستقبل»، والتحق بعضها الآخر بالقيادات المحلية.

وجاء الموقف الأخير للأمين العام للتيار أحمد الحريري من التبانة واتهام أبنائها بأنهم مجموعات غير منضبطة ليحول العتب على «التيار» إلى غضب كبير.

ولا يختلف اثنان على أن تنامي حضور «التيار الأزرق» في التبانة يبقى مرهونا بالقدرة على اعادة ضخ الخدمات والتقديمات من جهة وايجاد العنوان السياسي الجاذب ولعل من حسن حظ «المستقبل» أن موقفه اليوم من «الثورة السورية» يتماشى مع هوى أبناء التبانة.

وتشهد التبانة تداخلا سياسيا ـ دينيا، حيث تتوزع الانتماءات بين نجيب ميقاتي، عمر كرامي، محمد الصفدي، ومحمد كبارة، إضافة الى المجموعات الدينية التنظيمية والحركية وفي مقدمتها الحالة السلفية التي تشهد تناميا في الآونة الأخيرة، فضلا عن وجود حضور رمزي للاحزاب اللبنانية التاريخية مثل «الشيوعي» و«القومي» و«البعث» الخ...

خزان حزبي
في نهاية الستينيات من القرن الماضي، تعاملت المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية اللبنانية مع التبانة بوصفها خزانا للعمل الحزبي. فعملت على تجنيد عدد كبير من شبانها وفتيانها في معسكراتها وشجعتهم على حمل السلاح تحت شعارات وعناوين مختلفة. وقد ساعد في ذلك تفشي حالات الفقر التي بدأت تتنامى شيئا فشيئا، فانتشر السلاح بكثرة في صفوف أبنائها، وأنتج حالات حزبية محلية، عاشت طرابلس تداعياتها بدءا من العام 1969 حيث اتخذت «حركة 24 تشرين» بزعامة الراحل فاروق المقدم من التبانة ممرا لاحتلال القلعة والتحصن فيها، مرورا بقيام «دولة المطلوبين» بزعامة أحمد القدور ما بين العامين 1972 و1974 في المنطقة الممتدة بين الحارة البرانية وضهر المغر في القبة وصولا الى الأسواق الداخلية.

في منتصف السبعينيات، بدأ الانقسام بين الراحلين الرئيس السوري حافظ الأسد والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ينعكس مواجهات عسكرية بين التبانة وجبل محسن، وترجم ذلك بقيام «الجيش العربي» الذي يضم تحالف الأحزاب اليسارية مع «منظمة التحرير الفلسطينية» باجتياح منزل علي عيد وتدميره واحتلال جبل محسن في العام 1976.

ترافق ذلك مع تحرك علي عكاوي بوجه السلطة اللبنانية في إطار «المقاومة الشعبية»، ومن ثم قيادة شقيقه خليل عكاوي («أبو عربي») لـ«حركة التوحيد الاسلامي» و«لجنة الأحياء والمساجد». وكانت المواجهات الدامية آنذاك مع «الحزب العربي الديموقراطي» على خلفية نزاع الأسد ـ عرفات، والتي شطرت التبانة الى شطرين كان شارع سوريا خط التماس الفاصل بينهما... وصولا الى ما تعرف بـ«حرب أبو عمار» في العام 1983 و«حرب طرابلس الشهيرة» التي انطلقت من التبانة في أيلول 1985 وطالت في ما بعد كل أرجاء المدينة، وأسفرت عن دخول الجيش السوري الى المدينة وانتهاء امارة الشيخ سعيد شعبان.

الجرح النازف
لم يسهم دخول الجيش السوري ومعه الأحزاب اللبنانية المتحالفة معه، في عودة الهدوء الى التبانة التي بقيت جرحا نازفا وقدمت على مدى عام كامل الكثير من أبنائها نتيجة صراعات داخلية وتصفيات اعقبت الحروب المتعددة التي شهدتها بما في ذلك مجزرة العام 1986. وأدى كل ذلك الى ضرب كامل مقدراتها العمرانية والتجارية والاقتصادية، وانعكس دمارا وخرابا وتشريدا وإعاقة ومآس إجتماعية وإنسانية.

ولم يسهم الاستقرار الذي عاشته طرابلس من العام 1987 ولغاية العام 2005 (مرحلة الوصاية السورية) في تعويض أي من الاضرار التي لحقت بالتبانة، أو إخراجها من واقعها المرير، فغابت عنها كل الخطط والمشاريع التنموية، وبقيت تراوح مكانها، الأمر الذي ضاعف من حجم هذه المشكلات التي تحولت الى معضلات طالت كل مرافق المنطقة وزاد الطين بلة الشعور الدائم بوجود حالة مستقوية تمارس الوصاية على ابناء المنطقة بأشكال مختلفة.

لم يتعامل أهل الطائف مع التبانة ومع كل المناطق اللبنانية من زاوية الانماء المتوازن الذي نص عليه بل باعتماد سياسات اقصاء وتهميش زادت من وطأة الأزمات الاجتماعية برغم الاستقرار الأمني، ولم يبادر أحد الى معالجة الجرح التاريخي الذي سرعان ما انفتح في العام 2008، لينتج في أربع سنوات 12 جولة عنف حصدت أكثر من 100 قتيل و1000 جريح، فضلا عن التهجير والنزوح المتكررين والدمار الذي ينتظر من يعوض، حاله حال كل دمار الحروب السابقة التي لا تزال شاهدة على حجم الاهمال اللاحق بهذه المنطقة.