طرابلس تستعيد أمنها (السفير)
نشر بتاريخ 26/06/2013

طرابلس تستعيد أمنها (السفير)

 

صمدت طرابلس بوجه الفتنة، وتجاوزت قطوعا أمنيا كبيرا كانت تحاول بعض الأطراف دفعها إليه، لتتشارك عاصمة الشمال مع عاصمة الجنوب في غرم مواجهة الجيش اللبناني، وإدخالها في نفق مظلم .

ما جرى في طرابلس على خلفية الحدث الصيداوي، فتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات حول تعاطي بعض الجهات السياسية والدينية معه وانعكاس ذلك على المدينة، وعن الأطراف التي كانت تريد لعاصمة الشمال أن تبقى أسيرة الفوضى الأمنية المتواصلة؟ .

ومن أبرز هذه التساؤلات: من يسعى الى نقل الفتنة مجددا الى طرابلس من خلال ضرب أبنائها بالمؤسسة العسكرية؟ وما هي تداعيات التحريض المستمر من قبل بعض المشايخ على الدولة والجيش؟ وأين دور القيادات السياسية في حماية المدينة وأهلها؟ وهل أصبحت فعلا خارج معادلة الشارع؟ وكيف يمكن حماية طرابلس مما يحاك لها؟ وهل يكون التضامن مع الشيخ أحمد الأسير باحراق طرابلس وقطع طرقاتها وتعطيل مصالح أبنائها؟ ...

وثمة سؤال آخر، هل يمكن أن تُخرج الاستفزازات المتواصلة الجيش اللبناني عن حكمته وتعقله وتكون طرابلس المحطة الأمنية الثانية بعد صيدا؟ ومن يستطيع أن يتحمل تبعات ذلك؟ ...

على وقع الانتصار السريع الذي حققه الجيش اللبناني في عبرا، استعادت طرابلس أمنها واستقرارها، فخرج المسلحون من الشوارع بعد أن حولوا على مدى يومين العاصمة الثانية الى مدينة أشباح .

ولعل لسان حال الأغلبية الصامتة في طرابلس أن يتمكن الجيش من فرض هيبته وسلطته بشكل أكبر على طرابلس لحماية أمن المدينة واستقرارها في المرحلة المقبلة، خصوصا بعدما لمس جميع المعنيين قدرة المؤسسة العسكرية على الحسم عندما يتوافر الغطاء السياسي .

ولا شك في أن ذلك سيدفع الأكثرية من قادة المجموعات المسلحة لاعادة حساباتهم في التعاطي مع المؤسسة العسكرية، كما من المفترض أن تحاول بعض القيادات الدينية تنظيم علاقتها معها بعد علامات الاستفهام التي ارتسمت حول مواقفها من أحداث صيدا والتي جاءت في معظمها لارضاء الشارع على حساب مؤسسات الدولة .

كذلك من المفترض أن يمنح انتصار الجيش اللبناني في عبرا القيادات السياسية في طرابلس والتي وقفت الى جانبه، فرصة جديدة لاستعادة زمام المبادرة في فرض هيبتها على قادة المحاور والمجموعات المسلحة بعدما فقدت هذا الدور خلال الفترة الماضية التي اتسمت بالفوضى .

وكان الجيش اللبناني بدأ منذ فجر أمس، بتسيير دوريات مؤللة في مختلف شوارع المدينة، كما اتخذت وحداته مواقع جديدة في بعض المناطق التي شهدت فوضى أمنية خلال اليومين الماضيين .

وانتشرت عناصر قوى الأمن الداخلي في ساحة عبد الحميد كرامي وفي الشوارع الداخلية، وعملت على تنظيم حركة السير، فيما قامت ورش الطوارئ في بلدية طرابلس بشطف الشوارع لازالة آثار الاطارات المحترقة .

وقد أعطت هذه التدابير الأمنية نوعا من الطمأنينة انعكست إيجابا على كل طرابلس، فانتقل طلاب الشهادة المتوسطة الى مراكز امتحاناتهم من دون أية عوائق، وفتحت المؤسسات والمحلات التجارية والمصارف أبوابها وشهدت الشوارع زحمة السير المعهودة، في وقت غابت فيه المظاهر المسلحة بشكل كامل .

من جهته أكد النائب محمد كبارة في بيان له الوقوف الى جانب الجيش اللبناني، داعيا إياه الى بسط سيطرته على كل البؤر الأمنية وأن يواجه كل السلاح المتفلت في كل لبنان، وأثنى كبارة على التدابير الأمنية التي اتخذتها الأجهزة الأمنية، داعيا الى التوقف عن قطع الطرق على أنفسنا وعلى أهلنا لأننا بذلك نشارك في استجرار الفتنة الى طرابلس، معتبرا أن من يستمر في هذا السلوك الفوضوي في الشارع ينفّذ رغبات حزب الله والنظام السوري، وطالب بدعم الجيش واحتضانه .

 

طرابلس "أسيرة" شراذم مسلّحة تستبيحها - "مدينة فالتة دون رأس يرعى أحوالها" (النهار)

 

لم تعد طرابلس قادرة على تحمل هذا القلق والتوتر بسبب اقدام مسلحين غوغائيين على اطلاق النار عشوائياً وفي الهواء، منذرين التجار باقفال محلاتهم "تضامنا" مع الشيخ أحمد الأسير، فينتشر الذعر ويعمد أصحاب المحال الى اقفالها. وينسحب المواطنون من الشوارع ليبقى فيها عدد من المسلحين الذين يطوفون الشوارع التي لا تمتثل المتاجر فيها للاقفال بدراجاتهم النارية .

"مدينة فالتة من دون رأس يرعى أحوال الناس فيها". هذه العبارة لم يقلها المواطنون ولا التجار فحسب، وإنما وفد من علماء المدينة، اشتكى للقيادات السياسية والدينية المعنية أول من أمس، مضيفاً: "لا لقد يئس الطرابلسيون من اجتماعات لا تسفر سوى عن بيانات لا تجد طريقها الى التنفيذ".

أحد المشايخ أعرب لـ"النهار" عن تذمره من حال الفلتان السائدة في المدينة، وتحكم المسلحين في الشارع حيث وما من أحد يضبطهم، سائلا: "هل يجوز ان نخلي المدينة لبضعة شباب زعران يهددون أمنها واستقرارها واقتصادها؟ نحن نرفض اي تعدّ على اهلنا في الجيش وجرّ المدينة الى حال التسيب والفوضى .

"ما ذنب هذه المدينة حتى تحرق الاطارات الضخمة في ساحاتها وعلى مداخلها، ترعب السائقين وتؤذي بدخانها السام المواطنين؟" قال شيخ آخر: "من أين لهؤلاء الصبية هذا السلاح وسيارات الرانج روفر؟ أين القيادات السياسية من هذا الفلتان؟ أم أن الأمر قد خرج من أيديهم؟ ".

ما قاله هذان الشيخان يفصح صراحة عن معاناة اهالي طرابلس وتجارها، وهم الذين يشتكون تدهور الأحوال الاقتصادية، وندرة الزبائن، وانعدام الزائرين من خارج المدينة .

أما القوى الامنية، فقد تجمعت في "ساحة النور" في حضور قائد سرية درك طرابلس العميد بسام الأيوبي الذي ألقى كلمة دعا فيها الى "ملاحقة المخلين بالأمن ". ثم انصرفوا ليخلوا الساحة لعمال التنظيفات كي يقوموا بمهمتهم لازالة آثار الحريق .

ويتأمل الطرابلسيون بحسرة الإعلانات التلفزيونية عن بداية المهرجانات الصيفية في مناطق عدة، فيما مهرجانات طرابلس تتمثل باطلاق نار متقطع ليلا، ومدينة أشباح يسودها الوجوم والكآبة والصمت القلق .

وتزداد استفسارات أهل المدينة عن مصير وضعها الاقتصادي على أبواب شهر رمضان، الذي يأمل فيه التجار كعادتهم في كل عام، أن تدب الحركة في الاسواق ويعوضوا بعض خسارتهم، ولكن هل ستستمر هذه الاجواء الفالتة من دون مبادرة حازمة من السياسيين والفاعليات الدينية، أم سيزداد الأمر سوءاً؟ هذا ما يخشاه تجار المدينة الذين يشكون أمرهم لله ولا يلقون أي تجاوب من أولي الأمر فيها .

هل ستعيش طرابلس أجواء جولة اشتباكات جديدة بين جبل محسن وباب التبانة، بعد توقف حوادث صيدا؟ إن لهذا التساؤل ما يبرره، وخصوصا ان الوضع في هذه المنطقة لا يخلو من أصوات الرصاص المتبادل .

هل تحزم القوى المسلحة أمرها للحد من ظاهرة المسلحين الفوضويين، وخصوصا ان الغطاء مرفوع عنهم كما يقرّ بذلك كل الافرقاء؟