طرابلس تحت رحمة المسلحين! (السفير)
نشر بتاريخ 02/08/2013
طرابلس تحت رحمة المسلحين ! (السفير)

 

بدأ الحديث عن الهدوء الأمني في طرابلس يفقد معناه تدريجيا، مع تنامي الفوضى المسلحة التي تترجم إشكالات يومية في مختلف مناطق المدينة، وتحصد قتلى وجرحى، وتعطل مصالح المواطنين الذين انتظروا موسم رمضان بفارغ الصبر لتعويض خسائر خمسة مواسم سابقة أهدرتها التوترات المتنقلة في العاصمة الثانية.

لم يعد أبناء طرابلس يتطلعون الى محاور القتال التقليدية في التبانة والقبة وجبل محسن، وإن كانت الشائعات بدأت تسير كالنار في الهشيم عن جولة عنف مرتقبة ثاني أيام عيد الفطر، في وقت لا يحرك فيه أي من القيادات السياسية والأمنية ساكنا للتعاطي مع هذه الشائعات، لجهة التحقق منها واتخاذ التدابير الوقائية لتجنبها، خصوصا أن مؤشرات غير مطمئنة عادت لتظهر، وتمثلت أمس الأول بإطلاق نار من محلة الريفا باتجاه جبل محسن أدى الى إصابة شخص يدعى زين سلمان، لكن أهالي الريفا نفوا هذا الأمر، مؤكدين أنهم يحتفلون بعيد الجيش.

لكن ما يشغل بال أبناء طرابلس اليوم، هو المجموعات المسلحة المتفلتة من أي عقال وأية ضوابط، والتي بدأت تتحكم برقاب العباد، وتفرض قوانينها عليهم، وتتسبب بإشكالات أمنية يومية متنقلة (بمعدل إشكالين مسلحين في اليوم الواحد منذ بداية رمضان) تسيء الى صورة المدينة، لا سيما في العشر الأخير من رمضان الذي يعتبر ذروة العمل والانتاج لدى التجار والمؤسسات الاقتصادية.

وإذا كانت قيادات المدينة قد نامت على حرير الهدوء الأمني الذي تنعم به المحاور التقليدية الساخنة، «وكفى الله المؤمنين شر القتال»، فإن ما يحصل من انتهاكات أمنية في سائر المناطق والأحياء الطرابلسية لم يعد يحتمل، وبات ينذر بفلتان أمني أفقي خطير، ما يتطلب تدابير أمنية صارمة وبغطاء سياسي واسع، لا تقل شأنا عن التدابير المتخذة في التبانة وجبل محسن ومحيطهما.

ويمكن القول إن جولة العنف على المحاور التقليدية وضمن مساحة جغرافية محددة، ربما كانت أخف وطأة من هذا الانتشار المطرد للإشكالات الأمنية وتبادل إطلاق النار في الأسواق والأحياء الداخلية من دون سابق إنذار، ما يؤدي الى ترويع المواطنين وتعريض سلامتهم وسلامة التجار للخطر، وشل الحركة التجارية وإجبار المحال على الإقفال.

ويطرح ما تشهده طرابلس من مستجدات أمنية سلسلة علامات استفهام لجهة: من يساهم في تنامي نفوذ المجموعات المسلحة خارج النطاق التقليدي التاريخي لها؟ وأين القوى السياسية والأمنية والعسكرية من كل ما يجري؟ ولماذا لا تأخذ الأجهزة الأمنية على اختلافها دورها في المداهمات والملاحقات لكل من يخل بالأمن ويطلق النار ليكون عبرة لغيره؟ ومن يحمي كل هذا الكم من المسلحين الذين يظهرون فجأة عند أي إشكال مهما كان بسيطا؟ ومن يزودهم بالسلاح والذخائر؟ وإذا كان الجيش يكتفي بالفصل بين المتقاتلين في المحاور التقليدية لأسباب سياسية ـ إقليمية، فلماذا لا يبادر الى ردع المسلحين المخلين بالأمن في عمق المدينة وأطرافها؟ وأين قوى الأمن الداخلي من القيام بالواجبات المنوط بها بالرغم من انتشارها الواسع في أسواق طرابلس ليلا.

وثم بعد ذلك، هل بضرب سمعة طرابلس واستهداف اقتصادها، وتعطيل مصالح تجارها، وإفلاس مؤسساتها، وترويع أبنائها نعبر عن مواقفنا السياسية، سواء المحلية أو الاقليمية؟ أم أن ثمة مؤامرة تحاك ضد اقتصاد طرابلس تمهيدا لعزلها عن محيطها؟ أم أن الأمن في طرابلس بات مفقودا وأن المجموعات المسلحة باتت أقوى من الدولة، وعصية على مؤسساتها الأمنية؟ وبات على المواطنين أن يقوموا بحماية أنفسهم بأنفسهم؟ وأين القيادات السياسية من احتواء ما يجري وحماية موسم رمضان قبل أن ينهار؟
ولعل أخطر ما شهدته طرابلس ليل الثلاثاء ـ الأربعاء هو الظهور المسلح العلني في الأسواق وتبادل إطلاق النار على خلفية إشكال عائلي، وذلك في ذروة ازدحام آلاف المواطنين لشراء حاجيات العيد، والذين فروا وتدافعوا لحماية أنفسهم من الرصاص العشوائي.

ولم يكتف المسلحون بذلك، بل عمدوا ظهر اليوم التالي الى إطلاق النار في سوق الذهب وأجبروا عددا من المحال التجارية على الإقفال، ما يشير الى تنامي سطوة هذه المجموعات أمام تراجع حضور الدوله وقيامها بواجباتها.
كما شهد ليل أمس الأول إطلاق نار في محيط ساحة التل لم تعرف أسبابه لكنه كان كفيلا بتعطيل حركة الأسواق، وجعل كثيراً من المواطنين يتساءلون عن جدوى وجود القوى الأمنية في الشوارع إذا كانت غير قادرة على الحد من نشاط المسلحين.

يقول أحد كبار تجار طرابلس لـ«السفير»: إن المدينة خسرت خمسة مواسم ماضية بسبب التوترات الأمنية، والتجار ينتظرون موسم رمضان للاستفادة من التهدئة القائمة لتعويض بعض ما فاتهم من خسائر في الفترات الماضية، فإذا عادت هذه التوترات من باب الإشكالات الفردية فإن على كثير من المؤسسات التجارية السلام، لذلك على القيادات السياسية أن تتحمل مسؤوليتها، وعلى القوى الأمنية أن تمارس دورها بجدية، لأن كيان طرابلس الاقتصادي بات على حافة الانهيار.