طرابلس: عقارات للبيع أو الاستثمار في مناطق التماس! (السفير)
نشر بتاريخ 29/08/2012
طرابلس: عقارات للبيع أو الاستثمار في مناطق التماس! (السفير)

مشهدان ميزا طرابلس أمس بعد 48 ساعة من سريان مفعول وقف إطلاق النار الذي أعقب جولة من العنف الدموي استمرت أسبوعا كاملا مخلفة وراءها 17 قتيلاً ونحو 120 جريحا، فضلا عن خسائر مادية كبيرة.

المشهد الأول هو مشهد وسط طرابلس وامتداده الجنوبي الذي ضج صباح أمس بالحياة وتحدى الخوف ومحاولات عزل المدينة، برغم حجم الخسائر المادية والاقتصادية التي مني بها.

والمشهد الثاني هو لـ«ضاحية» طرابلس الشمالية التي تصارع من اجل استعادة حياتها اليومية وسط مخاوف من احتمال تجدد الاشتباكات في أية لحظة في غياب المعالجات السياسية الجذرية.

واستعاد قلب المدينة أمس شيئا من حركته وفتحت المؤسسات التجارية أبوابها وشهدت الطرق أزمة سير خانقة في بعض المناطق الحيوية وتحديدا تلك الممتدة من ساحة التل مرورا بالأسواق وصولا إلى مداخلها التي تصلها مع أقضية الشمال.

في المقابل، غمر الحذر والخوف «ضاحية» طرابلس الشمالية التي بدت الحياة فيها معدومة برغم الاستقرار الأمني الذي تعيشه بعد توقف الخروق الميدانية.

وبقيت مناطق خطوط التماس أمس أسيرة جو المعركة الذي فرض عليها شللا ضاعف منه عدم عودة تجار سوق الخضار إلى باب التبانة بعد نقل محلاتهم الى بلدة دير عمار ـ المنية، وهو الأمر الذي يعول عليه لإعادة ضخ الحياة في تلك المنطقة التي يشكل سوق الخضار احد أهم الركائز الاقتصادية فيها، فضلا عن سوق القمح الذي ما تزال محلاته في عطلة قسرية نظرا لموقعه الجغرافي المتداخل بشكل أساسي مع خطوط التماس وتركيبته التي تضم تجارا من أبناء المنطقتين.

وما ساعد في عرقلة عودة دورة الحياة إلى طبيعتها في تلك المنطقة، هو انعدام مقومات الحياة في بعض أحياء طرابلس التي تعاني من انقطاع التيار الكهربائي ومياه الشفة ومن النفايات التي تجتاح الشوارع الداخلية ومعها العوائق والحجارة التي يقوم سكان تلك الأحياء يوميا بتنظيف الشوارع وتجميع النفايات تمهيدا لحرقها بعيدا عن منازلهم، من دون أن يحرك ذلك ساكنا لدى الجهات المعنية للعمل على مواكبة عودة الهدوء بإجراءات تساعد المواطنين على العودة إلى منازلهم وأعمالهم.

ويبقى المشهد في شارع سوريا والأحياء الخلفية له لجهة باب التبانة والتي باشر بعض من فيها إلى فتح محلاتهم التجارية والصناعية، اقل وطأة من مناطق أخرى لجهة المنكوبين ومشروع الريفا والبقار والشعراني، حيث غابت أية مظاهر للحياة في أحياء هجرها أهلها ولم يعد إليها إلا من اضطر منهم واطمئن لموقع منزله من الناحية العسكرية.

وبدت تلك المناطق شبه ثكنة عسكرية بفعل الانتشار الكثيف لعناصر الجيش اللبناني والنقاط العديدة التي تفصل الأحياء عن بعضها البعض والمباني بأسلاك وكتل باطونية وعوائق خشية حصول أية احتكاكات مباشرة قد تؤدي مجددا إلى توتير الأجواء.

واللافت للانتباه في تلك المناطق ظهور عشرات اللافتات الموضوعة على المنازل والمحلات، للإعلان أنها معروضة للبيع او للاستثمار، علما ان المنطقة المحيطة بمشروع ريفا تشهد ورشة عمار للمباني وهناك قسم من تلك المباني ما زال قيد الإنشاء، الأمر الذي يعطي انطباعا حول حالة اليأس التي وصل إليها السكان في تلك المناطق، وهو ما دفع احد أصحاب الشقق إلى عرض شقته بنصف سعرها.

ولعل الواقع الميداني في جبل محسن كان متطابقا الى حد كبير، ولم تفلح عودة الحركة إلى طريق الشمال التي تربط القبة وزغرتا وجبل محسن بطرابلس في إنعاش تلك المنطقة التي حافظت خطوط التماس فيها على حذرها واعتكفت العائلات عن العودة الى منازلها بفعل الأضرار التي لحقت بها ونتيجة عدم الاطمئنان بشكل نهائي.

وجال رئيس بلدية طرابلس نادر غزال في عدد من أحياء التبانة واطلع على أوضاعها واستمع إلى شكاوى أبنائها. وأكد أنه ليس بمقدور البلدية رفع الضرر المادي برمته وهي ان كانت قادرة على تقديم المساعدات فهي تتلخص بالعينية فقط ولهذا فان المطلوب من جميع السياسيين دعم هذه المناطق المحرومة وتقديم المساعدات لها لحين يتم ايجاد الحلول الجذرية لمشاكلها».

ودعا عضو بلدية طرابلس المحامي خالد صبح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «الى صرف مبلغ ألف دولار لكل عائلة في باب التبانة بشكل فوري لحين تأمين المساعدات التي ستقدمها الهيئة العليا للإغاثة».

حضور معنوي في التبانة.. ولكل توجهاته السياسية، رفاق «أبو عربي» أسماء وذاكرة.. بلا حاضر أو مستقبل (السفير)

يجمع المخضرمون في باب التبانة على أن ثمة تحولات جذرية شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، لا سيما لجهة تغييب دور القيادات الشعبية التاريخية، لمصلحة الحضور السياسي الوافد إليها حديثاً والذي أفرز قيادات جديدة مرتبطة بشكل مباشر بالنواب، أو بالتيارات والأحزاب أو بالتنظيمات الاسلامية التي عملت جميعها، وما تزال، على الاستفادة من الخزان الشعبي القائم فيها.

وقد أدى ذلك (بحسب هؤلاء) الى سحب البساط من تحت أقدام تلك القيادات الى حد تهميشها، ونتج عنه إخراج القرار السياسي والأمني من التبانة الى مراكز قرار أخرى متعددة الاتجاهات والارتباطات.

وإذا كانت التبانة لا تزال وفية لقائدها الشهيد خليل عكاوي (أبو عربي)، فإن رفاق درب هذا الزعيم المحلي، الذين خاضوا معه نضالات ومعارك دفاعاً عن المنطقة وأبنائها ودفعوا ثمناً باهظاً لخياراتهم قتلاً وسجناً وتهجيراً، يدفعون اليوم ثمناً إضافياً نتيجة المتغيرات التي شهدتها المنطقة وأدت الى غياب القيادة الواحدة، والى تنامي التحريض السياسي والشحن المذهبي، ومصادرة قرار المنطقة «التي بات يملى عليها ولا يصنع فيها»، على حد تعبير أحد رفاق «ابو عربي».

لم يفلح رفاق «أبو عربي» في إكمال مسيرته، أو في استعادة تجربته في إيجاد قيادة موحدة للتبانة تدافع عنها وتتحدث باسمها وتفاوض عنها، وذلك بعدما فرقتهم الظروف الضاغطة التي تلت عملية اغتياله في 9 شباط من العام 1986، وعجنتهم صعوبات الحياة، وحاصرتهم القبضة الأمنية الحديدية التي سيطرت على التبانة لنحو عقدين من الزمن، ومن ثم همشتهم ثقافة السلطة والمال.

بلال مطر، عزيز علوش، محمود الأسود، خضر ملص، فايز العموري، سمير الحسن، أحمد النعماني، أبو جمال الأندوري وغيرهم من الأسماء التي لمعت ما بين العامين 1979 و1985، وكان لها حضورها الفاعل في التبانة وطرابلس في ظل قيادة «أبو عربي» الذي كان يعرف كيف يوجه كلاً منها، ويستفيد من طاقاتها.

معظم هذه الأسماء لا تزال اليوم موجودة في التبانة، وتربطها علاقات ود وصداقة انطلاقا من كونها صاحبة تجربة سياسية وعسكرية واحدة أثبتت نجاحها في مرحلة تعد من أصعب المراحل التي مرت على طرابلس عموماً وعلى التبانة بشكل خاص.

ويمكن القول إن مجلس قيادة التبانة السابق بات حضور أعضائه اليوم معنوياً فقط، بعدما اصابتهم الفرقة وتعرض بعضهم للتخوين بسبب انتماءات تتناقض مع السياسة العامة التي انتهجتها المنطقة غداة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتنامت أكثر فأكثر مع انطلاق «الثورة السورية»، لذلك فإن أكثرية أعضاء هذا المجلس آثروا الانكفاء عن كل الأحداث الجارية، انطلاقا من تجاربهم السابقة التي أثبتت أن أي معركة أو جولة عنف يمكن أن تحصل بين التبانة وجبل محسن ستبقى بلا أفق في بلد لا يمكن لأي فئة فيه أن تلغي فئة أخرى.

يعتبر بعض رفاق «أبو عربي» أن التحريض السياسي والمذهبي جعلهم ضحية في منطقتهم التي شهدت تغيرات ديموغرافية واجتياحاً للمال السياسي الذي استغل حاجة كثير من أبناء التبانة واستخدمهم لمصالحه الشخصية ومن ثم استغنى عنهم.

ويستذكر هؤلاء، ممن فضلوا عدم ذكر أسمائهم، أنه في عهد خليل عكاوي كانت التبانة تقاتل لنفسها ولمشروعها، وكانت هي صاحبة القرار، وكان ممثل واحد عنها يحضر اجتماعات هيئة التنسيق برئاسة الرئيس الشهيد رشيد كرامي ويتخذ القرار نيابة عن أهلها، وكان ممثلون لـ أبي عربي يفاوضون عن التبانة مع الرئيس حافظ الأسد ومع القيادات الفلسطينية، أما اليوم فإن كل القيادات تحل ضيفة في منازل النواب ولم يعد هناك قرار موحد.

ويستبشر هؤلاء خيراً باللجنة التي تم انتخابها في الاجتماع الذي عقد قبل أيام في مسجد حربا وضمت الشيخ مازن المحمد وعمر عزيز، وهما من أبناء تجربة ومدرسة الشهيد أبو عربي، إضافة الى الشيخين خالد السيد وكمال البستاني.

ويعترف الشيخ بلال مطر أنه اليوم ينتهج الوسطية وهو في أجواء الرئيس نجيب ميقاتي، مؤكداً انكفاءه عن خوض أي معركة من دون أفق، مشدداً على تضامنه مع أبناء التبانة ووقوفه الى جانبهم، ودفعهم للقتال بشراسة ضد كل من يحاول أن يستهدف منطقتهم، رافضاً توظيف ما يجري في التبانة في الصراعات السياسية.

ويقول مطر: «أنا مع الثورة السورية لكن التبانة لن تفلح في دفع المعارضة السورية نحو الانتصار، لذلك أرى أن جمهور التبانة وجبل محسن والقبة والحارة البرانية على حد سواء هم وقود لمعارك الآخرين، والأولى بنا في التبانة وفي طرابلس أن ننتظر نتائج ما يجري في المنطقة وأن نوفر على بعضنا الضحايا وحالة الاستنزاف التي نعيشها والتي تؤدي الى ضرب نسيجها الاجتماعي وعزلها عن محيطها».

ويعتبر مطر أن انتخابه لعضوية المجلس البلدي، ومن ثم نيله نحو عشرين ألفاً من الأصوات في الانتخابات النيابية في العام 2000 ما هو إلا وفاء لنهج الشهيد خليل عكاوي، مشيراً الى أنه لا يزال يتمتع بحضور في التبانة والكل يحفظ له تاريخه النضالي.

ويؤكد مطر أنه بعد استشهاد «أبو عربي» عمل كثير من المستفيدين على ضرب أي محاولة لإعادة هذه التجربة، لافتاً النظر الى أن التبانة مع «أبي عربي» كانت أقوى وأفعل، لذلك جرى استهداف كل القيادات الشعبية الحقيقية لمصلحة مجموعات مسلحة تطلق النار من دون أي هدف.

ويقول عزيز علوش إن رفاق درب «أبو عربي» حضورهم اليوم معنوي في التبانة، «وهم دفعوا ثمن تجربتهم غالياً، علماً أن تجربتنا جاءت في ظروف مؤاتية وكنا نؤمن بهدف محدد ونعمل على تحقيقه، في حين أن الأفكار والأهداف اليوم تختلف اختلافاً جذرياً، نتيجة الظروف السياسية وما يرافقها من تحريض وشحن أدت الى تفريخ مفاتيح انتخابية، وإظهار أشخاص يمتلكون المال والسلاح».

ويضيف إن المرجعيات السياسية لم تستطع استيعابنا نحن أبناء التجربة السياسية والعسكرية في ظل قيادة خليل عكاوي، ولم يكن مسموحاً أن ندخل على عائلة الحريري، ولم نكن نريد ذلك أصلاً لأننا نفكر على صعيد الأمة جمعاء، بينما هم يفكرون بالطائفة السنية وبلبنان أولاً.

ويؤكد علوش أنه لم يغادر التبانة، وهو اليوم يشارك في الاجتماعات وفي الاتصالات التي تسعى الى التهدئة، لافتاً الانتباه الى أن شقيقه عمر عزيز وهو ابن تجربة «أبو عربي» بات ضمن لجنة تهدف الى جمع الكلمة وتوحيد الصف، آملا أن تتكلل هذه الخطوة بالنجاح وأن لا يسعى أحد لتفشيلها.