طرابلس: الهدنة رهن النأي بالنفس.. والمصالحة (السفير)
نشر بتاريخ 13/12/2012
طرابلس: الهدنة رهن النأي بالنفس.. والمصالحة (السفير)

لا يتوقف النقاش في طرابلس حول جولة العنف الرقم 14 التي شهدتها المحاور التقليدية في التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، وحاصرت المدينة برمتها بزنار من الحديد والبارود والنار على مدى أسبوع كامل وعطلت حركتها الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، لا يزال أبناء طرابلس غير مقتنعين بالطريقة التي تم فيها وقف إطلاق النار، معتبرين أن ما حصل كان بـ«سحر ساحر» استبدل دوي القذائف وأزيز الرصاص بأصوات آليات الجيش اللبناني الذي عمل على فرض الأمن، ونقل تلك المناطق من الفلتان الأمني الكامل الى الهدوء التام.

وتبرز تساؤلات حول السبب عن استمرار المعركة أسبوعا كاملا لتحصد عددا غير مسبوق من الضحايا (17 قتيلا و90 جريحا)؟ ولماذا لم يصر الى استدراكها ما دام الجيش بالأساس منتشرا على كل المحاور الساخنة؟ ولماذا كانت هذه الجولة خارج الاهتمامات فلم تشهد حالة الطوارئ التي أعلنت في الدولة اللبنانية عندما تعرض أمن مدينة صيدا للاهتزاز.

الى حين الإجابة عن هذه التساؤلات، تفضي النقاشات الجارية على الساحة الطرابلسية الى سلسلة استنتاجات أبرزها:

أولا: إن جولات العنف المتكررة منذ العام 2008 وما حصل قبلها حتى في عز الحرب الأهلية في تلك المناطق أثبتت عدم وجود أي أفق سياسي أو ميداني لها، انطلاقا من أن أحدا لم يستطع أن يلغي الآخر.

ثانيا: ان الهدوء الذي تنعم به طرابلس اليوم لا يعدو كونه هدنة، يرتبط استمرارها بالتزام بعض الأطراف السياسية بوقف التحريض السياسي والشحن المذهبي.

ثالثا: خروج محاور القتال التقليدية من التجاذبات السياسية المحلية، وارتباطها مباشرة بالأزمة السورية، ما يعني أن أي حدث سياسي أو أمني هناك على غرار ما حصل في كمين تلكلخ، سينعكس توترا على تلك المحاور، ما يؤكد أن سياسة النأي بالنفس عما يجري خارج طرابلس والجدية الأمنية من قبل الجيش اللبناني على الأرض هما وحدهما الكفيلان بتمديد عمر هذه الهدنة.

رابعا: ضرورة العمل على إعادة إحياء المصالحة الطرابلسية، أو إيجاد وثيقة جديدة الى حين انتهاء الأزمة في سوريا، فضلا عن عدم تجاهل الطرف الآخر من اللقاءات التي تحصل لتثبيت وقف إطلاق النار.

خامسا: عدم قدرة أي طرف سياسي على استثمار هذه الجولات أو تجييرها لمصلحته كونها في كل مرة تنتهي من دون نتائج واضحة سوى مزيد من الدماء والدمار.

سادسا: ضرورة العمل على تهدئة خواطر الأهالي في كل المناطق الساخنة من خلال الإسراع في دفع التعويضات المالية العادلة، وقيام الدولة بعدة صدمات إيجابية من خلال البدء بتنفيذ بعض المشاريع الملحة التي من شأنها أن تساهم في النهوض الاقتصادي والاجتماعي.

سابعا: إن المعارك لا تستهدف المقاتلين إلا في ما ندر، وإنما تقتل أولئك الأبرياء الهاربين من منازلهم أو المختبئين في أروقتها، أو الباحثين عن لقمة عيشهم تحت وابل الرصاص والقذائف.

ثامنا: ان طرابلس وحدها هي التي تدفع الثمن، وكأن المقصود تدمير اقتصاد المدينة ببنيتها الاقتصادية والاجتماعية والحياتية والسياحية.

تاسعا: إن جولات العنف تفضي الى حالات تهجير، حيث تشهد طرابلس نزوحا داخليا كبيرا من قبل القاطنين على خطوط التماس، فيما أعمال الاغاثة تنشط وتتركز على النازحين السوريين.

في المحصلة، تخلص النقاشات الجارية اليوم، الى أن غياب الوزارات المعنية عن طرابلس، أدى بشكل أو بآخر الى فقدان هيبة الدولة في المدينة، لمصلحة الفوضى التي بدأت تنتشر أفقيا، وأن المطلوب استثمار مقررات المجلس الأعلى للدفاع بسرعة فائقة، للتصدي لكل الظواهر السلبية التي تشهدها المدينة منذ فترة بإمرة الجيش اللبناني. هذا الامر يبدأ بالمخالفات التي تحصل في كل مكان من دون حسيب أو رقيب، وصولا الى تنامي وجود وقدرات المجموعات المسلحة التي لم يعد أحد قادرا على السيطرة عليها، في وقت تشير فيه المعلومات الى أن بعض هذه المجموعات بات لديه أجنداته ومصادر تمويله وأفكاره المتطرفة التي قد تؤدي في حال ازدياد نفوذها الى ما لا تحمد عقباه.