سقوط أكثر من 26 بين قتيل وجريح في اشتباكات طرابلس، قذائف وقناصة في مواجهات شارك فيها فتيان ولم توفر الجيش (النهار)
نشر بتاريخ 14/05/2012
سقوط أكثر من 26 بين قتيل وجريح في اشتباكات طرابلس، قذائف وقناصة في مواجهات شارك فيها فتيان ولم توفر الجيش (النهار)

أسفرت اشتباكات مدينة طرابلس امس عن سقوط أكثر من 26 شخصا بين قتيل وجريح، في معارك دامية اندلعت شرارتها مع توقيف دورية من الامن العام المطلوب شادي المولوي، امام مكتب الوزير محمد الصفدي السبت الماضي وقيام عدد من شبان المدينة باعتصامات احتجاجية احرقوا خلالها الاطارات المطاطية وقطعوا طرقا رئيسية في المدينة.

وفيما اعلنت مصادر امنية ان المولوي يخضع للتحقيق لدى الضابطة العدلية في الامن العام بإشراف القضاء، وهو احد السلفيين على خلفية علاقته بـ"تنظيم ارهابي"، فقد تدخل الجيش لفتح الطرق واعادة الهدوء الى المدينة، وسرعان ما انتقلت المواجهات بين الجيش والمحتجين الى مواجهة مسلحة بين عناصر من باب التبانة وجبل محسن عند الثانية بعد منتصف ليل السبت - الاحد بعد سقوط قذيفة "اينرغا" في محلة البقار في القبة، ادت الى مقتل المواطن عيسى علي، واعقب ذلك اطلاق نار كثيف بين المنطقتين، واستخدمت قذائف "الاينرغا" و"الآر بي جي" من الرابعة الى السابعة صباح امس على نطاق واسع بين المنطقتين.

وشهدت الاشتباكات عمليات قنص، ولاسيما على المدخل الشمالي للمدينة، وفي محيط مستديرة نهر ابو علي. وسمعت اصوات اطلاق نار كثيف قرب مستديرة عبد الحميد كرامي اثناء تشييع عيسى علي الذي قتل في القبة.

وذكرت "الوكالة الوطنية للاعلام"، "ان فتيانا يحملون السلاح والجعب الحربية ويطلقون النار في احد الشوارع في طرابلس. وان ابن 11 عاما شهر المسدس امس على احد الاعلاميين.

وبعد الظهر بدأ فوج المغاوير بالانتشار في شارع سوريا والمناطق التي شهدت اشتباكات فجر امس، وتمركزت آليات الجيش في الاحياء التي انسحب منها المسلحون.

وقتل العسكري فيصل عبدالله حسين في عملية قنص خلال وجوده داخل سيارة فان عند مستديرة الملولة في طرابلس. كذلك قتل الشاب محمود رشيد الدهيبي (18 عاما) الذي وجد الى جانب الطريق عند المدخل الشمالي للمدينة مضرجا بدمائه.

واصيب حماده الحسن، كما سقط جرحى برصاص القنص، عرف منهم وسيم الكردي ومحمود درويش، واصابتهما خطرة، والفتى عبودي ناصر العلي.
كذلك سقط جريحان هما مصطفى على مصطفى ورامي سعد حروق، باطلاق نار في شارع سوريا، فقطع عدد من الشبان مستديرة الملولة وشارع سوريا، احتجاجا على اصابتهما. وأصدرت مديرية التوجيه في قيادة الجيش بيانات متلاحقة امس، جاء في الاول:

"على اثر الاشتباكات التي حصلت فجر اليوم (امس) بين عناصر مسلحة في منطقة التبانة - جبل محسن وادت الى اصابة عدد من المواطنين، اتخذت وحدات الجيش المنتشرة في المنطقة تدابير امنية مشددة بما في ذلك تسيير دوريات مؤللة واقامة حواجز مكثفة. وقد استشهد احد العسكريين في محلة الملولة من جراء تبادل اطلاق النار بين المسلحين، وذلك اثناء انتقاله من مركز عمله في البقاع الى بلدته في عكار.
تستمر وحدات الجيش في تعزيز اجراءاتها الامنية وتعقب المسلحين لاعادة الوضع الى طبيعته بصورة تامة، وتؤكد هذه القيادة انها ستتعامل بكل حزم وقوة مع العابثين بأمن المدينة واستقرارها الى اي جهة انتموا".

وقالت في بيان آخر:

"إلحاقا لبيانها السابق، واثناء قيام دورية من الجيش بفتح الطريق الرئيسي بين محلتي باب التبانة وجبل محسن، تعرضت لاطلاق نار من عناصر مسلحة مما أدى الى جرح عسكريين اثنين، واصابة بعض الآليات بطلقات نارية. وقد ردت قوى الجيش على مصادر النيران بالمثل، وهي تعمل على معالجة الوضع وملاحقة الفاعلين".
كذلك نعت المديرية في بيان ثالث مساء، العريف الشهيد فيصل عبد الله حسين، الذي استشهد في طرابلس جراء تبادل إطلاق نار بين مسلحين اثناء انتقاله من مركز عمله في البقاع الى بلدته في عكار. ووزعت النبذة الآتية عن حياته:
- من مواليد 4/12/1976 عين الزيت محافظة عكار.
- تطوع في الجيش في تاريخ 1999/5/17.
- حائز وسام التقدير العسكري وتنويه العماد قائد الجيش وتهنئته مرات.
- متأهل وله ولدان".

وشيع الجيش وأهالي بلدة عين الزيت (عكار-"النهار") عصرا العريف الحسين، بمشاركة العقيد احمد دياب ممثلا قائد الجيش وفاعليات.

كذلك شيعت عائلة عبيد وأهالي برقايل عيسى عبد الرزاق عبيد (17 عاما) الذي قضى فجر امس برصاص قنص امام باب منزله في حي البقار في القبة. وشارك في التشييع فاعليات. وشيعت عائلة الدهيبي واهالي بلدة النبي يوشع في المنية، محمود الده الذي قضى برصاص القنص في طرابلس.
مواقف

في المواقف السياسية من اشتباكات طرابلس، اتصل رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة برئيس الحكومة نجيب ميقاتي والرئيس سعد الحريري ووزير المال محمد الصفدي ونواب المدينة وفاعلياتها "لوقف التدهور ووضع الامور في إطار الضبط والمعالجة".

وطالب الرئيس عمر كرامي الجيش "بأن يضرب بيد من حديد من يخل بأمن المدينة، وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها وتصدر القرارات اللازمة من أجل ضبط الأمن". ودعا نواب المنية الضنية أحمد فتفت، قاسم عبد العزيز وكاظم الخير "إلى "الهدوء والصبر لأن ما يحاك لطرابلس يجب أن يواجه بالحكمة وليس بردات الفعل الانفعالية".

واعتبر النائب سمير الجسر "ان سبب ردة الفعل الشعبية على استدراج مولوي، هو تنامي فقدان الثقة بالأجهزة الأمنية والقضاء".

وطالب مجلس منسقية طرابلس في "تيار المستقبل" اثر اجتماع برئاسة منسقه العام مصطفى علوش "رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزراء المدينة بأن يتقدموا باستقالتهم فورا اعتراضا على ما حصل من انتهاك للحريات العامة والفردية"، كما ناشد نواب المدينة تعليق حضورهم جلسات مجلس النواب ولجانه الى حين بت هذه القضية".

الحزب العربي الديموقراطي
وقال الحزب العربي الديموقراطي في بيان ان "الامن العام القى القبض الجمعة الماضي على شادي المولوي فرد انصاره والقوى السلفية باطلاق النار والقذائف على جبل محسن، ومساء اليوم نفسه كان محمد ابو حرب وحمزة البقار والمغدور عيسى العلي يطلقون النار على جبل محسن من منطقة القبة، واختلفوا في ما بينهم واقدم البقار على قتل العلي، فما ذنب جبل محسن؟

"النهار" تجول في خطوط التماس المشتعلة شمالاً، مسلّحون محترفون و"ملحقون" بهم وأولاد وقود للمعركة (النهار)

يستثني وجود المسلحين في احياء "باب التبانة" و"جبل محسن" الهدنة. يصبح التسلح وجهاً ملائماً لحرب متقطعة لا زمان محدداً لها ولا جبهة واحدة تختصرها، لكن المكان قد يتحول هادئاً لساعات قليلة، حين يبقى المسلحون صامتون في الاحياء، منشغلون بوجبات غدائهم او بقيلولتهم الضئيلة. لا يعودون الى الجبهة الا حاملين السلاح ومعهم عتاد "القعدة": فناجين القهوة والكعك الطرابلسي المحمص. وحين تعود الجولة يتركون عتادهم أرضاً، ويركضون حيث القتل والعنف يصبح كالنفس مشدوداً لا نهاية له.

دخول "باب التبانة" يصبح "عجزاً" في ظروف القتال، الا ان شبان الاحياء لا يبخلون على اي صحافي بزيارة ميدانية "فجة" تحت القصف والقنص، حيث الرهبة سيدة الموقف. والاهم ألا تكون صحافيا منتمياً الى مؤسسة اعلامية يرونها "عدائية". وهنا الامر يصبح على الجبهيتن "مرارة" لا يمكن تجاوزها سريعاً. ندخل بسلام سوق الخضر حيث يتوزع شبان يراقبون بحذر، ويحملون اسلحة خفيفة. لا تبدو على وجوههم الصارمة صور الاحتراف، هم فقط "ملحقون" بالمسلحين، يساعدونهم في اكمال المشهد الحربي. فيما يبقى المسلحون "الاصليون" وراء لثامهم هاربين من عدسات الكاميرا. فقط يحاولون الولوج في الاحياء، يقطعون انفاسهم بدخان السجائر وبالتكبير من حين الى آخر والهتاف لأهل "الكتاب والسنة" بالنصر، فيما تشتعل شعارات النصر وهم يرمون قذائفهم ابتهاجا لاهالي باباعمرو وحمص.

رغم ان القصف المتقطع يزنر سماء باب التبانة وجبل محسن، يصف احد المقاتلين من الفتيان العشرينيين لـ"النهار" ما يجري بـ"العادي"، مكرراً العبارة في الحديث اكثر من مرة، ومشيرا الى "التوتر الامني" بـ"لامبالاة" منه. لا يهمه من كل ما يجري سوى "الهمروجة" التي تظهر قليلاً وتعيد صورة احيائهم الى الواجهة، حيث "نصبح نجوم التلفزيون" على ما يقول، وتصبح معها الاحياء بقبح صورها وفقرها ودمار ابنيتها مجالاً "مخترقاً" يفضح تعثر الانماء وعدمه في تلك الاماكن الغارقة بالحزن والنسيان والتآكل، حيث ان وزراء المدينة "غير مدينين" لطرابلس بأي شيء "سوى النسيان".

النبرة المذهبية تكون عالية في هذه الظروف، ولا شيء يدفعها الى الامام الا ما تحمله المواقف. مواقف آتية هذه المرة من مكان قريب حيث يتجمهر اسلاميو "ساحة النور" الذين يطالبون بالإفراج عن الاسلاميين الموقوفين في سجن رومية، وليس آخرهم شادي مولوي المتهم بتوزيع سلاح على الناشطين في الثورة السورية وتهريبه الى سوريا. وهو على ما يبدو كان "الدافع" الاول لاشعال باب التبانة وجبل محسن.

يؤكد امام مسجد التقوى في القبة والمطلع على ملف الموقوفين سالم الرافعي لـ"النهار" انه "منذ ليل السبت - الاحد وبعدما كان الشاب شادي مولوي يزور احد مكاتب الوزير الصفدي لتسلم آلة طبية لمساعدة ابنته المعوقة، فوجىء بوجود 3 عناصر من الامن العام قاموا باعتقاله وانهالوا عليه بالضرب وعلى مدير المكتب وحارس المبنى"، مضيفا ان مولوي "صدم بالاعتقال، اذ وجهت اليه تهم التعامل مع القاعدة وانه ارهابي يقوم بتوزيع السلاح وادخاله الى الاراضي السورية". وأشار الرافعي الى ان"التهمة جاءت ملفقة من اجل النيل من كل شخص يقوم بمساعدة النازحين السوريين، وكان الشاب يؤمن لهم الحاجات عبر الجمعيات المعنية بملف النازحين". ويوضح ان "شباناً واقرباء للموقوفين نزلوا الى ساحة النور وأغلقوا منافذها واحرقوا الاطارات مطالبة باطلاق الموقوف مولوي، لكن جاء الرد سريعاً من حلفاء حزب الله الذين أشعلوا جبهة باب التبانة وحدث ما حدث".

الملف السوري مرتبط كلياً بما يجري في الخاصرة "الرخوة" طرابلسياً. يعتقد "ابو حسان" احد سكان باب التبانة ان السكان "زهقوا" الحرب، لكن شيئاً من "الاستفزاز" يدفعهم الى المشاركة بجولاتها. يوضح "ابو حسان" ان "سكان طرابلس يجلسون في بيوتهم مثل اهالي بيروت يتفرجون ونحن هنا نتقاتل ولا نعرف لماذا ندفع الثمن مراراً، من اجل الاسلام والسوريين والمشايخ واهل السنة. ان اهالي باب التبانة يرفضون ان يكونوا مطية لأحد". لكن ما يقوله "ابوحسان" لا يتفق معه امراء الحروب الصغار اذ يقولون بصرامة ان "الجولة مكتملة من اجل احقاق الحق وايقاف الظالمين"، مشيرين ولو سراً او بالعلن الى جوارهم فوق في جبل محسن. الموضوع السوري يغطي على اليوميات في المنطقتين. اذ لا يوافق اهالي جبل محسن على مقاربتهم للملف السوري بأنهم "عملاء" له في لبنان. هم "مرتبكون" ولا شيء يخيفهم على ما يقول اكثر من مقاتل ميداني هناك. يقول رامي احد الشبان من حي الاميركان القريب من جبل محسن ان سكان الحي "يستفزون يوميا من اطراف نرفض تسميتهم، قريبين من جهات اصولية ومن مقاتلين في باب التبانة"، مؤكدا لـ"النهار" ان "القتال ليس عبثيا هنا، هو محاولة لاثبات الرأي عبر السلاح".

الاحياء الصغيرة المكتومة بالفقر تتحوّل مساحات "مغلقة" للتقنيص والاقتتال، والاطفال يصبحون مع الموقف المحتدم وقوداً "صارخاً" للاستعمال. وحدها ساحة النور في طرابلس مكتظة، وكل الاحياء غارقة في الخوف من مصير الاقتتال، حيث كان سكان المدينة في شققهم يتابعون نشرات الاخبار وهم يحصون اعداد الجرحى وحوادثها. وحدهم بائعو ساحة النور هاربون من اهتراء امني لافت تعيشه المدينة منذ ليلة السبت، يقفون ليسترزقوا حيث الاسلاميون يجلسون هاتفين بالتكبيرات يأكلون على عجل اكواز الذرة المسلوقة او يأخذون رشفات من القهوة.

ميقاتي في طرابلس لمتابعة التطوّرات: لا غطاء سياسياً لأيّ مخلّ وندعم الإجراءات (النهار)

أعلن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي أن اجراءات امنية مهمة ستتخذ لمعالجة الموقف في طرابلس، لافتاً الى "أننا سندعم القوى الأمنية والعسكرية في كل الاجراءات التي ستتخدها"، ومشدداً على أن "لا غطاء سياسياً لأي مخلّ بالأمن".

وكان ميقاتي الذي وصل الى طرابلس ظهراً لمواكبة التطورات رأس اجتماعاً في دراته شارك فيه الوزيران احمد كرامي وفيصل كرامي، مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، وفاعليات من المدينة وقيادات أمنية.

وصرّح على الأثر: "عقدنا سلسلة اجتماعات مع مختلف الفاعليات الدينية والسياسية والعسكرية في المدينة، واتصلت بالنائبين محمد كبارة وسمير الجسر، وكنا متفقين على أن أمن طرابلس خط احمر، وطلبنا من القادة العسكريين والأمنيين القيام بواجبهم كاملاً. هذه كانت خلاصة الاجتماعات، ونتيجة لما سمعناه من تفهم من المرجعيات الدينية والروحية، وفي حضور المفتي الشعار الذي كان له اليد الاساسية في هذا الموضوع لكي ننشر فكرة التسامح وعدم الانجرار الى الشارع. لعبة الشارع خطرة وذات حدين، ويمكن ان تنقلب على الآخرين وعلى أمن البلد بكل معنى الكلمة.

وأضاف: "مع حرصنا على أمن البلد، كلنا سندعم القوى الأمنية والعسكرية في كل الاجراءات التي ستتخذها، وأؤكد ان لا غطاء سياسياً لأي مخل بالأمن، وهذا ما اتفقنا عليه مع كل القوى السياسية، وستتخذ اجراءات مهمة في الساعات المقبلة، وسأتوجه الى اجتماع المجلس الأعلى للدفاع لانقل وجهة النظر هذه، وأعطي التوجه لكل القادة الامنيين والعسكريين الذين سنجتمع معهم. كما سألتقي وزير العدل لأن لدينا نقاطاً كثيرة متعلقة بالقضاء، ونحن كسلطة سياسية نتحاشى الدخول في عمل القضاء والضغط عليه، ولكن نريد ان نفهم أين أصبحت بعض الملفات، وهل ثمة تهم حقيقية"، وأين أصبح التحقيق. وأين أصبح مسار القضاء لكي تكون الحقيقة والعدالة أساس الحكم؟ وسنثير أيضاً قضية الموقوفين الاسلاميين". ورداً على سؤال قال: "تطرقنا الى الطريقة التي أوقف فيها شادي مولوي، وهي مرفوضة ومستنكرة، وسيكون لنا رأي في الموضوع. أنا شخصياً ضد الطريقة التي أوقف بها. أما في موضوع التهم الموجهة اليه، فنحن نريد من القضاء ان يكون الحكم ولا نريد ان نتدخل في عمله.

وكان ميقاتي أعلن في دردشة مع الاعلاميين فور وصوله الى المدينة أنه اتخذ قرار، "بعد التشاور مع كل فاعليات طرابلس، برفع الغطاء السياسي عن كل مخلّ بالأمن".

توقيف «سلفي» يثير غضب الإسلاميين ويُشعل اشتباكات أوقعت عشرات الإصابات، طرابلس - الضحية: الإهمال والتداعيات السورية يفجّران الشارع (السفير)

لعل انفجار الوضع في طرابلس لم يكن مفاجئا للكثيرين، ذلك أن المدينة تقيم منذ فترة طويلة فوق صفيح ساخن، والمؤشرات المتراكمة كانت توحي بأن «فالقها الأمني» يتحرك على وقع مظاهر التسلح، والاحتقان السياسي والمذهبي، والتفاعل المحموم مع الأزمة السورية، بحيث يكفي لأي احتكاك في أي لحظة ان يتسبب بهزة قوية على مقياس «ريختر اللبناني».

وهكذا، ما كاد «الأمن العام» يوقف شخصا ينتمي الى التيار السلفي للاشتباه بعلاقته مع تنظيم إرهابي، حتى اختلط الحابل بالنابل، في مدينة مشرّعة على الرياح من الجهات الأربع، واعتادت أن تأكل من لحمها الحي، فأُقفلت أولا الطرقات والساحات بالاعتصامات الاحتجاجية والإطارات المشتعلة، ثم كبرت كرة الثلج مع تدحرجها في الشوارع والأزقّة الفقيرة، لتأخذ في طريقها مرة أخرى منطقتي جبل محسن وباب التبانة اللتين تم استدراجهما الى مواجهة متجددة ذهب ضحيتها عشرات المواطنين، في محاولة على ما يبدو لتكبير عنوان الأحداث وإعطائها الطابع المذهبي الذي يستثير العواطف، ويستجر طاقته هذه الايام من خطوط التوتر العالي الإقليمي.

وأمام تداخل عوامل التأجيج، وجدت طرابلس نفسها تدفع، مرة أخرى، ثمن وقوفها على خط التماس الإقليمي، وتحت خط الفقر، بعدما تم فرزها منذ زمن الى محميات طائفية وسياسية، مسكونة بالهواجس والأشباح، وسط غياب هيبة الدولة ومؤسساتها، على الرغم من أن المدينة ممثلة في الحكومة برئيسها ووزرائها الخمسة الذين لم يصنعوا حتى الآن الفارق المنتظر منهم، فيما المعارضة التي يقودها «تيار المستقبل» لا تبدو أفضل حالا بعدما اقتصر دورها على اقتناص الفرص والمناسبات للتصويب على الرئيس نجيب ميقاتي، من دون إطلاق أي مبادرة حقيقية للمساهمة في النهوض بالمدينة وحمايتها.

وبالتأكيد، فان استعصاء الأزمة في سوريا ساهم بشكل أساسي في إنتاج بيئة ملائمة للتوتر المتفاقم في طرابلس، وربما يصح القول إن ما حصل خلال اليومين الماضيين هو التعبير الميداني الأكثر صراحة عن تأثر الداخل اللبناني بتداعيات الواقع السوري، بحيث كان يكفي لـ«ثقاب» اعتقال شادي المولوي المعروف بدعمه للمعارضين السوريين أن يُشعل حريقا واسعا، من دون ان تنجح هذه المرة إسفنجة «النأي بالنفس» في امتصاص موجة التوتر، التي سبقتها مؤخرا محاولات تهريب لكميات كبيرة من الأسلحة، عبر البحر، تمكن الجيش من ضبطها، قبل أن تستكمل طريقها الى أمكنة التسليم والتسلم.

ووسط هذا المناخ الملتهب، يسعى الجيش الى فرض الأمن بما تيسر له من الإمكانات والغطاء السياسي، محاولا التوفيق بين متطلبات مهمته وبين خصوصيات المدينة، لاسيما أن هناك من يعمل جاهدا على تعطيل فعاليته وتكبيل يديه، عبر اتهامه باستهداف فئة محددة، وهو الاتهام الذي طال أيضا جهاز الأمن العام في أعقاب إلقاء القبض على المولوي بعد استدراجه الى مكتب تابع للوزير محمد الصفدي، ما أثار غضب الإسلاميين الذين اعتبروا ان هناك إهانة وُجّهت الى أهالي طرابلس بسبب قرار التوقيف وطريقته.

ميقاتي: الجيش ليس ضد الاسلاميين
وفي هذا السياق، قال الرئيس ميقاتي لـ«السفير» إن البعض يحاول تصوير الجيش على أنه طرف ضد القوى الاسلامية في المدينة، بينما الواقع خلاف ذلك، والدليل انه لم يتدخل لفض الاعتصام الذي بدأ يوم السبت، لكن عندما توسعت الاشتباكات ودخلت على خطها قوى اخرى وعناصر مندسّة، اضطر الجيش الى التدخل على نحو واسع لضبط الامن في المدينة.

ولئن كانت الاتصالات المكثّفة قد نجحت مساء في إقناع الإسلاميين بتعليق إعتصامهم في ساحة عبد الحميد كرامي، احتجاجا على اعتقال المولوي، إلا ان التوتر بقي سائدا على جبهة جبل محسن ـ باب التبانة ومحيطهما، حيث تواصلت الاشتباكات المتقطعة طيلة الليل، متسببة في سقوط المزيد من الضحايا.
مصادر أمنية: لا للاستثمار السياسي

وأبلغت مصادر امنية «السفير» أن الوضع اخطر مما يتصوره البعض، ولا يجوز الاستثمار السياسي في قضية خطيرة كالتي يتعاطى معها «الأمن العام»، ليس في موضوع الموقوف شادي المولوي فحسب، بل في كل ما يجري شمالا، «والتحقيقات ستظهر لاحقا حقيقة ما كان يحضّر لطرابلس والشمال، والقوى الامنية لن تتوقف عند المزايدات السياسية، بل ستكمل عملها حتى جلاء الحقائق وليتحمل الجميع مسؤولياتهم ».

مجلس الدفاع
في هذه الأثناء، انعقد المجلس الأعلى للدفاع، أمس، برئاسة الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا، حيث عُلم أن قادة الاجهزة الأمنية عرضوا معطياتهم ومعلوماتهم حول ما جرى، والمح بعض الوزراء المعنيين الى وجود شبكة ارهابية، سبق ان تم توقيف بعض اعضائها قبيل الاحداث التي اندلعت، مشيرين الى أن هناك متابعة امنية وقضائية حثيثة للموقوفين، في موازاة قرار بالتشدد في ملاحقة كل المخلّين بالأمن، على أن يُحال الموقوف شادي المــــولوي صباح اليوم الى القضاء المختص لمتابعة التحقيق معه واتخاذ القرار اللازم بحقه.

وعلمت «السفير» أن مداولات المجلس الأعلى للدفاع تناولت الجهد الأمني المبذول لمنع تحويل لبنان الى ساحة متلقية للأحداث في سوريا، وللحؤول دون استغلال الانشغال العسكري والامني بتطبيق سياسة الحكومة بالنأي بالنفس عن الاحداث في سوريا، للعبث بأمن الوطن والمواطن في الداخل.

ووفق المعلومات، «كانت التوجيهات الرئاسية واضحة وصارمة بعدم التهاون مع اي كان، ورفض الخضوع للضغوط مهما كانت تجلياتها، كما جرى التشديد على وجود قرار وغطاء سياسيين كاملين للاجهزة العسكرية والأمنية للقيام بمهامها الوطنية من أجل قطع دابر الفتنة ومنع استباحة الامن الوطني».

واكد مصدر رسمي لـ«السفير» انه بالنسبة الى أحداث طرابلس فان القرار حازم ببسط سلطة الدولة، والتعليمات صريحة بإلقاء القبض على المسلّحين المتورطين في الاحداث وسوقهم الى القضاء المختص، ولا خيمة فوق رأس احد، خصوصا ان هناك صورا فوتوغرافية وتلفزيونية للمسلحين، اما التذرع بمسؤولية الامن العام عــــما جرى، فهذا كلام مردود على مطلقــــيه ذلك أن هذا الجهاز كان يقوم بواجباته».

شربل... والحسم
من ناحيته، قال وزير الداخلية مروان شربل لـ«السفير» بعد انتهاء اجتماع المجلس الاعلى للدفاع إن « القرارات حاسمة وسيتم التعامل بجدية مع الوضع، لكن من دون إراقة دم اذا امكن، وسنصل الى نتيجة ان شاء الله، والمهم أن اسماء المتسببين بالاحداث معروفة وموجودة لدى الاجهزة الامنية، ويفترض ان يتحرك القضاء من اجل متابعة الامور».

الصفدي... و«الامن العام»
واعتبر الوزير محمد الصفدي «انه جرى استغلال صيتنا في مساعدة الناس ما ادى الى حصول المشكلة (توقيف المولوي)، وانا رفعت دعوى على الامن العام»، مؤكدا انه «سيكون هناك عقاب لكل من اخطأ».

اجتماع طرابلس
على خط مواز، عقد ميقاتي اجتماعا مع نواب طرابلس وفعالياتها، أسفر عن اتفاق على 4 نقاط هي:
ـ استنكار طريقة توقيف شادي المولوي، من خلال استدراجه الى مكتب تابـع للوزير محمد الصفدي.
ـ الاسراع بتحويل المولوي الى القضاء المختص لمتابعة التحقيق واجراء المقتضى.
ـ البت سريعا بلمف الموقوفين الاسلاميين لانه بمثابة قنبلة موقــوتة مرشــحة للانفجار دوما.
ـ الطلب من الجيش اتخاذ الاجراءات اللازمة والصارمة لضبط الامن ووقف التعديات، ورفع الغطاء السياسي عن كل المشاركين في الاشتباكات، ومنهم اشخاص ادعوا انهم يتبعون للرئيس ميقاتي الذين حصل على اسمائهم النائب محمد كبارة، فطلب ميقاتي فورا من مساعديه ابلاغ كل من يدعي انه محسوب عليه برفع الغطاء عنه وليتحمل مسؤولية اعماله.

وإثر الاجتماع أكد ميقاتي أن «لعبة الشارع خطرة وذات حدين ويمكن ان تنقلب على الاخرين وعلى أمن البلد». وأكد انه ما من غطاء سياسي لأي مخل بالامن، واعتبر ان طريقة توقيف المولوي «مرفوضة ومستنكرة، أما في موضوع التهم الموجهة اليه، فنحن نريد من القضاء ان يكون الحكم ولا نريد ان نتدخل بعمله».

واكدت اوساط المجتمعين ان كل الاطراف كانت متجاوبة مع ضرورة وقف التوتر، وخصوصا نائبي «المستقبل» سمير الجسر ومحمد كبارة، لانهما يريدان الا تخرج الامور عن السيطرة بوجود مسلحين غير معروفي الانتماء.

الرواية السياسية والميدانية لحادثة توقيف المولوي: 3 شهداء و19 جريحاً، طرابلس تصرخ طلباً للأمن.. ولا من مجيب (السفير)

دفعت طرابلس في الساعات الثماني والأربعين الماضية، أثمان جولة جديدة من العنف الذي يصيبها، «دورياً»، وتحديداً منذ العام 2005، كأنها صارت ساحة تصفية حسابات و«فواتير» سياسية، محلية وإقليمية، وفي كل مرة يخرج السياسيون والأمنيون بخطابات لا يمكن صرفها في رصيد مدينة تدفع كبير الأثمان في مجتمعها وناسها ونسيجها، على قارعة فلتان أمني أصبح خارج قدرة أحد على ضبطه.

ما حصل في طرابلس، ليس مجرد تعبير احتجاجي على توقيف شاب من «التيار السلفي»، وليس نتاج اعتصامات متتالية للمطالبة بالإفراج عن الإسلاميين الموقوفين منذ خمس سنوات، بالرغم من أن هذين الأمرين ساهما في تقديم صورة متوترة عن المدينة خلال الأسابيع الماضية.

ما حصل يؤشر الى أن الأزمة أعمق وأن الاحتقان أكبر مما يتصوره كثيرون، وأن الرصاص الذي استقر في أجساد الأبرياء، والقذائف التي أصابت مجدداً أملاك الناس وأضافت خراباً فوق خراب، كان الهدف منه إصابة استقرار المدينة.

وإذا كانت الدولة قد حاولت أمس، كعادتها في مرات سابقة، استلحاق بعض هيبتها، فإن الخشية أن تكون اشتباكات طرابلس، مؤشراً لشيء أكبر، من حدود المدينة، إلا إذا أقنعت الدولة ناسها أنها قادرة على استرداد حضورها وأمنهم انطلاقا من طرابلس.

الأسئلة كثيرة: هل توقيف «الأمن العام» أحد المواطنين، يتطلب كل هذا الكم من الحديد والنار وإزهاق أرواح الأبرياء؟ وهل توقيف شادي مولوي أو التضامن مع الشيخ طارق مرعي يستدعي كل هذا التحرك الهستيري من قطع طرقات وحبس مواطنين في سياراتهم لساعات طويلة؟ وهل ما يجري في طرابلس اليوم هو صراع أجهزة يستخدم الإسلاميون مجدداً وقوداً له؟

هل ما حصل هو تنفيس للتراكم الأمني والتوترات التي صبغت المدينة خلال السنوات الماضية، وإذا كان كذلك، هل تذهب طرابلس الى ما هو أبعد من ذلك؟ وهل من يسعى الى ضرب أبناء طرابلس بالمؤسسات العسكرية والأمنية؟ وهل يحضر مخيم نهر بارد ثان للمدينة؟ وهل المطلوب أن تتحول طرابلس الى منطقة عسكرية؟

لماذا الإصرار على تحويل طرابلس الى ساحة مفتوحة للتوترات الأمنية؟ ولماذا الإصرار على جعل العاصمة الثانية مسرحاً لتسديد الفواتير؟ ولماذا كلما أرادت جهة سياسية أن تصفي حساباتها مع جهة أخرى، لا تجد إلا مسرح طرابلس مفتوحاً لها؟ وهل ستبقى الرسائل السياسية مصبوغة بدماء الفقراء والأبرياء؟

لم تأت أحداث طرابلس من فراغ، ومن راقب أجواء المدينة في الأيام الأخيرة وما كان يجري في بعض الشوارع ليلاً ونهاراً، كان يدرك أن ثمة ما يحضر للمدنية.

ولعل تكبير الحجم السياسي والأمني للحركات الإسلامية والسلفية تحديداً في المدينة في الآونة الأخيرة وإفساح المجال أمامها لأوسع تحركات في الشارع، لم يكن إلا عبارة عن رسم خارطة طريق لما هو أدهى من هذه الحركات والتحركات.

ما جرى خلال اليومين الماضيين أعطى مؤشرات واضحة أن القيادات الإسلامية لم تعد تملك الأرض بشكل كامل، وأن بقاء الشارع على ما هو عليه يعني أنه بات خارج سيطرتها، وهذا ما ترجمه فشل الكثير من الاجتماعات التي عقدت والتي تعهد خلالها عدد من المشايخ بضبط الفلتان الحاصل في الشارع، فإذا بالأمور تتعقد أكثر فأكثر، بل وتتحول أحياناً إشكالات داخلية ضمن الاعتصام الواحد كما حصل في ساحة عبد الحميد كرامي أكثر من مرة.
ثمة من يقول: إذا كان المشهد الذي خرج من طرابلس على مدار اليومين الماضيين يحرج نجيب ميقاتي كرئيس للحكومة أولاً وكابن طرابلس ثانياً، فإنه حتماً لا يربح خصومه، لأن السواد الأعظم من أبناء المدينة بات في حالة قرف شديد مما يجري ضمن ساحاته وأحيائه، كما أن الدفع المستمر في التحريض والشحن السياسي والمذهبي، سيؤدي خلال فترة وجيزة الى خروج الشارع حتى من أيدي السياسيين، فتصبح القيادة السياسة للمدينة مستقبلاً لأئمة المساجد، خاصة أن معظم السياسيين المحذرين من شيطان الفتنة، ما برحوا يطلقون المواقف التي تؤجج الشارع وتدفعه دفعاً الى آتون الفتنة!

تقول المعلومات إن اتصالا ورد الى المدعو شادي المولوي وهو ينتمي الى «التيار السلفي» ومقرب من الشيخ سالم الرافعي، أبلغه فيه المتصل أنه يتحدث من مكتب الخدمات الاجتماعية التابع لمكتب الوزير محمد الصفدي وطلب منه الحضور الى المكتب لاستلام مساعدة مالية قدرها 750 ألف ليرة.
وعلى الفور، سارع المولوي الى المكتب الكائن في ساحة عبد الحميد كرامي حيث يقام الاعتصام المفتوح لأهالي الموقوفين الإسلاميين، ولدى مراجعته مسؤول الصندوق أبلغه الأخير بأن لا، إسمه ليس موجوداً لديه، واستمهله للتحقق من الموضوع. عندها ورد اتصال ثان الى المولوي أبلغه أن الشيك بالمبلغ موجود مع شخص في مدخل المبنى، ولدى خروج المولوي من المكتب، فوجئ بعدد من عناصر الأمن العام الذين سارعوا الى إلقاء القبض عليه، ونقله بداية الى سرايا طرابلس ومنها مباشرة الى بيروت.

سريعاً، نفى مكتب الصفدي، في بيان، علاقته بتوقيف المولوي، مستهجناً الطريقة التي اعتمدت في توقيفه، واستخدام اسم مكتب الخدمات الاجتماعية لاستدراجه. وطالب الصفدي بالإفراج فوراً عن المولوي، معتبراً أن «هذه التصرفات مرفوضة رفضاً تاماً وهي تشكل خرقاً للقوانين وللأعراف وللحرمات».

وفور وصول خبر توقيف المولوي الى المعتصمين في ساحة كرامي، سارع المعتصمون في الساحة الذين كانوا يأخذون جانباً منها الى قطع كل الطرقات المؤدية إليها، وذلك الساعة الثانية والنصف ظهراً، لتتمدد أعمال القطع الى مستديرة نهر أبو علي والملولة والتبانة عند المدخل الشمالي لطرابلس، ومن هناك الى الزاهرية، وكورنيش النهر، صعوداً نحو القبة التي تقطعت أوصالها وصولا الى مجدليا ومنها نزولاً باتجاه أبي سمراء، حيث عمد الغاضبون الى وضع العوائق والحجارة وأشعلوا الإطارات في كل مكان، لتجتاح سماء المدينة سحابة سوداء.

وتسبب ذلك بزحمة سير خانقة في المدينة وأمضى المواطنون ساعات في سياراتهم، وحاولوا سلوك طرق فرعية لكن من دون جدوى، وذلك حتى المساء حيث خلت شوارع المدينة للمحتجين الذين استمروا في حرق الإطارات. في حين رصدت بعض المظاهر المسلحة في ساحة عبد الحميد كرامي حيث حصل إشكال أمني بين عنصر من مخابرات الجيش وعدد من المعتصمين تخلله إطلاق نار، وتكسير أحد الأكشاك الذي تركز عليه كاميرات، كما أطلق محتجون النار على عامل سوري كان يحاول فتح الطريق في الزاهرية وأصابوه في قدمه.

وتسارعت الاتصالات بين القيادات السياسية والأمنية والإسلامية لاحتواء الموقف والحؤول دون تطور الأمور الى ما لا تحمد عقباه، خصوصاً أن المحتجين كانوا في حالة هستيرية، وعملوا على مواجهة بعض دوريات الجيش اللبناني لا سيما عند مداخل التبانة، فيما أطلق مجهولون عيارات نارية باتجاه جبل محسن.

وقد دعا مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار الى اجتماع في دار الفتوى حضره عدد من المشايخ وخلص الى استنكار الطريقة التي تم فيها توقيف المولوي، ودعوة الدولة اللبنانية لاتخاذ قرار نهائي ينصف الموقوفين الإسلاميين، ومطالبة المعتصمين بالتروي وعدم الانجرار وراء أية فتنة.
لكن هذا الاجتماع لم يفض الى نتيجة إيجابية، فعقد اجتماع ثان في منزل النائب محمد كبارة ضم النائبين خالد ضاهر ومعين المرعبي، والمشايخ داعي الإسلام الشهال، كنعان ناجي، زكريا المصري، سالم الرافعي، بلال بارودي وأحمد المرعي.

وانتقد المجتمعون «طريقة التوقيف، لا سيما أنها تمت في مكتب الصفدي». وأشاروا إلى «أن أهالي الموقوفين نفد صبرهم، ونفد صبرنا معهم»، وطالبوا بإطلاق سراح المولوي، واتهموا بعض الأجهزة الأمنية بأنها «تعمل لمصلحة النظام السوري».

ولوحظ أن بعض المشاركين في الاجتماع زاروا المعتصمين في ساحة عبد الحميد كرامي، وأطلقوا خطابات حماسية سرعان ما أعادت الأمور إلى نقطة الصفر.

المواجهات المسلحة
وبعيد منتصف ليل السبت ـ الأحد، بدأت محاور مناطق التبانة وجبل محسن والقبة، تشهد ظهوراً مسلحاً كثيفاً في وقت كانت فيه الشتائم التي يطلقها الطرفان عبر الأجهزة اللاسلكية تشعل النفوس، وتترجم مناوشات خفيفة بالأسلحة الرشاشة.
وعند الواحدة فجراً، حصل أول اشتباك بالرصاص بين أشخاص من محلة البقار وآخرين من جبل محسن، أدى إلى مقتل المواطن عيسى العلي بعدما أصيب في أذنه، الأمر الذي أثار حالة غضب عارمة في صفوف أبناء المنطقة.

في المقابل، أكد مسؤول العلاقات السياسية في «الحزب العربي الديموقراطي» رفعت عيد أن العلي لم يقتل برصاص أبناء جبل محسن بل تعرض لنيران إثنين من أصدقائه عن طريق الخطأ، لتبدأ الاشتباكات تتوسع شيئاً فشيئاً حتى بلغت ذورتها الرابعة فجراً حيث شهدت محاور البقار، الريفا، الأميركان، الشعراني، حارة السيدة، الحارة البرانية، سوق القمح، وصولاً الى التبانة مواجهات عنيفة استخدمت فيها مختلف الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية (إنيرغا، ب7، ب10، وأربي جي). وتخلل ذلك أعمال قنص طالت الطريق المؤدية الى الملولة.

وقد استمرت الاشتباكات حتى الساعة الثامنة صباحاً وكانت الحصيلة سقوط قتيلين هما: فيصل حسين من الجيش اللبناني، وكان عائداً من خدمته العسكرية، والمواطن محمد الدهيبي الذي أصيب خلال دخوله الى سوق الخضار قادماً من المنية، فضلاً عن إصابة عشرة أشخاص. وقد عمل الجيش قدر الإمكان للرد على مصادر النيران، لكن دائرة الاشتباكات كانت أوسع من قدرته على الاحتواء.

واستمرت الاشتباكات متقطعة طيلة نهار أمس، حيث كانت تعنف تارة وتخفت تارة أخرى، وقد قام الجيش اللبناني بعدة محاولات للدخول الى المناطق الساخنة، وتعرض لإطلاق نار وبادر الى الرد على مصادر النيران، وأصيب إثنان من العسكريين.

وعند الثانية عشرة ظهراً، عقد اجتماع في منزل النائب كبارة ضم عدداً من الشخصيات النيابية والعسكرية والدينية وكوادر التبانة، حيث دعا الشيخ مازن المحمد الى «ضرورة حماية الآمنين في المناطق التي تشهد اشتباكات»، مشدداً على دخول الجيش اللبناني بأسرع وقت، مؤكداً أن أهالي التبانة «على عهدهم في الرضوخ للقانون وفي مساعدة الجيش اللبناني على القيام بواجباته».

كما طالب كبارة «الجيش بالتحرك السريع لوقف الفلتان الأمني الحاصل»، لافتاً إلى أن ثمة فتنة تحضر لطرابلس وعلينا أن نكون واعين وأن لا ننجر الى فتنة تقضي على البقية الباقية من العاصمة الثانية».

بالتزامن، عقدت مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني اجتماعاً في مقر اللجان الأهلية في أبي سمراء ورأت «أن أوضاع طرابلس الأمنية تعيق أي حراك تنموي وتلحق أفدح الأضرار بأهلها وواقعهم الاقتصادي والاجتماعي الصعب، واعتبر المجتمعون أن ملف الموقوفين يجب أن يوضع على سكة المعالجة، وناشدوا المعتصمين إخلاء الشوارع».

ميقاتي: طريقة مرفوضة
عند الواحدة ظهراً، وصل الرئيس ميقاتي الى طرابلس وعقد اجتماعا في منزله ضم الوزيرين أحمد كرامي وفيصل كرامي، أحمد الصفدي ممثلاً الوزير محمد الصفدي، المفتي مالك الشعار، رئيس فرع مخابرات الجيش اللبناني في الشمال العميد عامر الحسن، ثم انضم الى الاجتماع مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وعدد من المشايخ، حيث جرى التأكيد على أن الأمن خط أحمر، وضرورة معالجة كل التحركات التي تجري في المدينة.
إثر الاجتماع أكد ميقاتي أن «لعبة الشارع خطرة وذات حدين ويمكن ان تنقلب على الآخرين وعلى أمن البلد بكل معنى الكلمة».

أضاف: «سندعم القوى الأمنية والعسكرية في كل الإجراءات التي ستتخذها، وأؤكد أن لا غطاء سياسياً لأي مخل بالأمن، وهذا ما اتفقنا عليه مع كل القوى السياسية، وستتخذ إجراءات مهمة في الساعات المقبلة. كما سألتقي وزير العدل لأن لدينا نقاطاً كثيرة متعلقة بالقضاء، ونحن كسلطة سياسية نتحاشى الدخول في عمل القضاء والضغط عليه، ولكن نريد ان نفهم اين اصبحت بعض الملفات، وهل توجد تهم حقيقية، وأين اصبح التحقيق في قضية الموقوفين الإسلاميين».

ورداً على سؤال قال ميقاتي: «الطريقة التي تم فيها توقيف المولوي مرفوضة ومستنكرة، اما في موضوع التهم الموجهة اليه، فنحن نريد من القضاء ان يكون الحكم ولا نريد ان نتدخل في عمله».

ثم أعطى ميقاتي الكلام الى المفتي الشعار فقال: «إن الاعتصام سيرفع اليوم (أمس)» لافتاً الانتباه الى ان «الانفجار الأمني الذي حصل في المدينة هو ناتج عن احتقان مزمن مرتبط بملف الموقوفين الإسلاميين». وقال: «اذا احيل هؤلاء الى القضاء ستعود الأمور الى الهدوء والأمن والاستقرار»، مشدداً على انه «لا يمكن ان يتحقق الأمن الا اذا تحقق العدل»، واستنكر طريقة توقيف المولوي من قبل الأمن العام «لأنها شكلت إهانة لكرامة المواطنين ولكرامة الوزير الصفدي، وهذه الطرق من قبل بعض عناصر الأجهزة الأمنية لا يمكن السكوت عنها».

غير أن الحديث بهذه الإيجابية عن فك الاعتصام كان مبالغاً فيه، وبدا واضحاً أن القيادات الاسلامية التي حضرت الاجتماع لم تكن قادرة على السيطرة على المعتصمين الذين رفضوا إخلاء الساحة، وحصل هرج ومرج وإطلاق نار خصوصاً عندما اشتبه عدد من المعتصمين بشخصين واعتدوا عليهما بالضرب، ولم تثمر المساعي إلا عند الساعة التاسعة من ليل أمس، حيث أعيد فتح الطرقات في الساحة.

أما على محاور التبانة، القبة وجبل محسن فاستمرت الاشتباكات المتقطعة، واشتدت الساعة السابعة لنحو نصف ساعة على محور البرانية والبقار، في وقت حاول فيه الجيش اللبناني، بعد الاجتماع في منزل ميقاتي، فرض وقف إطلاق النار بالقوة حيث رد على مصادر النيران من أي جهة أتت، ونفذ دوريات راجلة ومؤللة، واستمر في محاولاته حتى ساعة متأخرة من الليل، بينما كانت الاشتباكات تشتد وتتراجع.

تأبين الدكتور محمد عبد الرحيم الأيوبي في طرابلس (المستقبل)

أقيم حفل تأبيني للمحاضر في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية - الفرع الثالث في طرابلس الدكتور محمد عبد الرحيم الأيوبي، بدعوة من إدارة الكلية ورابطة الاساتذة المتفرغين والرابطة الثقافية ومركز صلاح الدين للثقافة والإنماء.

حضر الحفل الذي أقيم في مقر الرابطة الثقافية ممثل نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري الدكتور ربيع قطريب، مفتي طرابلس والشمال الدكتور الشيخ مالك الشعار، الدكتور مصطفى الحلوة ممثلا وزير المالية محمد الصفدي، العميد جورج عكاري ممثلا قائد الجيش العماد جان قهوجي، العقيد ريمون أيوب ممثلا المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، نائب رئيس المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة، عميد المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية الدكتور إبراهيم محسن، الأمينة العامة للجنة الوطنية لليونيسكو الدكتورة زهيدة درويش جبور، نقيب الأطباء الدكتور فواز البابا، المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية عزام الأيوبي، المنسق العام لتيار المستقبل في الكورة ربيع الأيوبي، وعدد من الأساتذة الجامعيين وذوي الفقيد.
بدأ الإحتفال بآيات من الذكر الحكيم لشيخ القراء ورئيس صندوق الزكاة في الكورة والبترون والقلمون الشيخ زياد الحاج، ثم النشيد الوطني فكلمة لرئيس قسم التاريخ في كلية الآداب ومقدم الإحتفال الدكتور عبد اللطيف الحارس الذي تناول الدور المميز للفقيد الراحل كرئيس سابق لقسم التاريخ في الكلية ومندوبا للأساتذة.

وقدم رئيس الرابطة الثقافية أمين عويضة تعازيه إلى عائلة الفقيد وإدارة وأساتذة وطلاب كلية الآداب.
وتحدث رئيس مركز صلاح الدين للثقافة والإنماء الدكتور هاشم الأيوبي فأشاد بـ"العقل المنفتح للفقيد الراحل وتمسكه بالثوابت التربوية والأكاديمية والوطنية دون نزوع إلى التعصب والتطرف".

وألقى الدكتور حميد حكم كلمة رئيس رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الدكتور شربل كفوري متحدثا عن الفقيد، وقال: "كان همه العطاء والتبحر في البحث الأكاديمي، لم يسع إلى منصب وكان منخرطا في العمل النقابي للمساهمة في إنماء الجامعة الوطنية، بعيدا من كل إساءة إلى الآخرين".

وألقى مدير كلية الآداب الفرع الثالث الدكتور جان جبور كلمة قال فيها: "كان حاضرا في مؤسسته وفي مجتمعه وفي بيئته، كان رحمه الله حاضنا لطلابه، وروحه ستبقى تظللنا وتضيء سبيلنا".

وتحدث الشعارعن مزايا الفقيد، وقال: "كان سمحا ولين الجانب ودودا أحبه الناس وكل من عرفه، كان أميرا عرفته عن قرب، وقد ترك الراحل من السجايا ما يخفف وطأة الفراق والموت ولكن من أثنى الناس عليه خيرا وجبت له الجنة".

وتحدث بإسم عائلة الفقيد شقيقة العميد الركن رمزي الأيوبي شاكرا للحضور، ولمنظمي الإحتفال التأبيني "لمن كان شعاره السلام ودعوته المحبة والوئام"، وقال: "عزاؤنا أنك رحلت لا تحمل إلا الحب في قلبك والكل بكاك ويذكر شمائلك".

وفي الختام، تسلمت الدكتورة هنا الأيوبي عقيلة الفقيد الراحل درعا بالمناسبة من منسق تيار المستقبل في الكورة ربيع الأيوبي نيابة عن الامين العام للتيار أحمد الحريري، ودرعا مماثلة من رئيس مركز صلاح الدين للثقافة والإنماء الدكتور هاشم الايوبي، وتليت الفاتحة عن روح الفقيد.