سباق بين التدهور الأمني والتهدئة.. والجيش يحذر ويستقدم تعزيزات، طرابلس تدفع ثمن "كمين تلكلخ" مزيداً من الدم والدمار (السفير)
نشر بتاريخ 05/12/2012
سباق بين التدهور الأمني والتهدئة.. والجيش يحذر ويستقدم تعزيزات، طرابلس تدفع ثمن "كمين تلكلخ" مزيداً من الدم والدمار (السفير)

أحكم "كمين تلكلخ" قبضته على طرابلس التي تحولت محاورها التقليدية الساخنة في التبانة والقبة وجبل محسن، منذ الإعلان عن وقوع المجموعة الاسلامية في فخ نصبته القوات السورية النظامية، الى "تنفيسة" لاحتقان، بدأ بالتصريحات وانتهى بالقنص والاشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، حاصداً قتيلين و17 جريحاً، حتى التاسعة من مساء أمس.

وبدا واضحاً أمس أن ثمة سباقاً بين فتح معركة كبرى في العاصمة الثانية، ضد الموالين للنظام السوري في جبل محسن تحديداً، انتقاماً لكمين تلكلخ، وبين منعها أو محاصرتها، الأمر الذي وضع الجيش اللبناني والقوى الأمنية وقيادات المدينة أمام تحد كبير في قدرتهم على ضبط الفلتان الأمني في المدينة، الذي بدأت تتسع رقعته مع إقدام عناصر "الحزب العربي الديموقراطي" في جبل محسن على الرد على مصادر النيران، بعدما كانوا أعلنوا التزامهم بالقرار الصادر عن قيادتهم بعدم الرد.

وليلاً، استقدم الجيش اللبناني تعزيزات عسكرية الى التبانة، وباشر بالرد على مصادر النيران بالأسلحة المتوسطة، بالتزامن مع عودة مسؤول العلاقات السياسية في "الحزب العربي الديموقراطي" رفعت عيد من زيارة خاصة الى الولايات المتحدة.

وأظهرت المعطيات الميدانية طيلة يوم أمس أن كل الاتصالات التي أجرتها القيادات السياسية والعسكرية للحد من الخروق الأمنية قبل أن تتحول الى اشتباكات ليلاً، قد باءت بالفشل، ما أكد النظرية القائلة إن جميع هذه القيادات باتت في واد، وأن بعض المجموعات المسلحة في واد آخر، وأن السيطرة عليها باتت شبه معدومة، وهذا من شأنه أن يضع طرابلس أمام مرحلة جديدة عنوانها: "لمن الأمر في الشارع"، في ظل ارتفاع منسوب التحريض السياسي والشحن المذهبي.

هذا الواقع ضاعف من حدة المخاوف في طرابلس، خصوصاً أن ما يجري ليس له مبرر، بعدما سلكت قضية "مجموعة تلكلخ" مسارها الرسمي عبر الاتصالات التي جرت بين الدولتين اللبنانية والسورية عبر وزارتي الخارجية لاستعادة جثامين القتلى وكذلك عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كما ترك ذلك سيلاً من الأسئلة أبرزها: من يدفع الفيحاء اليوم الى جولة عنف جديدة؟ ولماذا؟ وما هو عنوانها؟ وإذا كانت مجموعة شبابية قد غادرت بملء إرادتها للقتال الى جانب المعارضة السورية المسلحة وقتل أفرادها في كمين هناك، ما ذنب طرابلس حتى تدفع الثمن مجدداً من أمنها واستقرارها؟ وهل الرد على الدم الذي أريق في تلكلخ يكون بإراقة المزيد من دماء أبناء المدينة؟ وهل بالحديد والنار نستعيد جثث أبنائنا؟ وهل من بوابة جبل محسن يكون الرد على هذه المغامرة؟.

ولماذا لم تسارع القيادات المعنية الى ضبط الوضع الأمني منذ البداية؟ ولماذا لم يتدخل الجيش بالقوة، خصوصاً أن الخروق كانت محدودة ومن جهة واحدة فقط؟ ومن يتحمل تبعات ما يحصل اليوم؟ ومن يعوض على المتضررين الجدد في وقت ما تزال المطالبات والتحركات مستمرة للضغط من أجل دفع التعويضات عن الجولة رقم 12؟ ومن سيكون الى جانب فقراء التبانة وجبل محسن والقبة الذين بدأ الجوع يدق أبوابهم بفعل حرب الاستنزاف المستمرة منذ عيد الفطر المبارك؟ ومن يحمي اقتصاد طرابلس المتجه انحداراً نحو الإفلاس؟ ومن يعوض على التجار المواسم التي ضربت بدءاً من شهر رمضان مروراً بعيد الأضحى وصولاً الى عيدي الميلاد ورأس السنة؟.

وأكثر من ذلك، هل ستبقى طرابلس أسيرة المجموعات المسلحة التي تعيث فساداً في أمنها بين الحين والآخر؟ وهل من يريد أن يجعلها خارجة عن القانون؟ وهل من مؤامرة تحضر لهذه المدينة لزجها بشكل كامل في البركان السوري؟ وهل سيستمر البعض في استخدامها للتحريض وشحن النفوس كلما دعت الحاجة والقتال بها؟ وهل كتب على طرابلس أن تحاصر بالحديد والنار بينما تعيش سائر المدن اللبنانية أفراح الميلاد؟.

ويعترف عدد من الناشطين في التبانة أن منطقتهم تعيش مأساة حقيقية، ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من العنف والدم والفقر والجوع والبطالة وغير ذلك من كل الآفات الاجتماعية، مؤكدين أن الأمن في التبانة يحتاج الى قرار سياسي، وهو اليوم مفقود، لافتين النظر الى أن هذه الجولة فتحها مسلحون خارجون عن أية سيطرة.

ويحمل هؤلاء كل ما يجري في التبانة وجبل محسن الى قوى 8 و14 آذار على حد سواء، "لأنها بالتكافل والتضامن مسؤولة عن ترك هذا الجرح مفتوحاً ليصار الى استخدامه "تنفيسة" لكل احتقان يمكن أن يحصل في لبنان، وعلى حساب دماء وأمن الفقراء".

ميدانياً
وبعد ليل متخم بالقنابل اليدوية والمفرقعات الثقيلة وقذائف "الأنيرغا"، حصل إشكال صباح أمس عندما حاول عدد من تجار جبل محسن، يرافقهم الناطق الاعلامي في الحزب العربي الديموقراطي عبد اللطيف صالح، فتح محلاتهم في سوق القمح، فحصل تلاسن تطور الى إطلاق نار أدى الى عودة التجار من حيث أتوا، وقد نجا صالح بأعجوبة، وأشار الى أنه تمت محاصرته الى أن تدخل الجيش اللبناني وساهم بعودته سالماً الى منطقته.

وترافق ذلك مع إطلاق رشقات نارية متقطعة من بعض الأحياء الداخلية وأعمال قنص باتجاه جبل محسن، وإطلاق بعض القنابل اليدوية على المحاور لا سيما لجهة الملولة وطلعة العمري.

وقد أدى ذلك الى إقفال تام في شارع سوريا وسوق القمح والأحياء الداخلية في التبانة التي شهدت دوريات مؤللة مكثفة للجيش اللبناني رد خلالها على مصادر النيران من دون أن يتمكن من إخمادها.

وبعد الظهر توسعت رقعة الخروق وشهدت بعض المحاور سخونة عالية، في حين ارتفعت وتيرة القنص وتوسعت رقعتها، ما دفع القوى الأمنية الى إغلاق الطرقات المؤدية الى الزاهرية وتلك التي تصل طرابلس بعكار، وأدى ذلك الى مقتل مواطن في العقد السادس من العمر في جبل محسن وجرح آخرين، والى حرق منزل وسيارة.

عندها بدأ مسلحو "الحزب العربي الديموقراطي" بالرد على مصادر النيران، فاتسعت دائرة الاشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، ونشطت أعمال القنص وشملت محاور: سوق القمح، طلعة العمري، السيدة، ساحة الأميركان، الشعراني، البقار، الريفا، إضافة الى الملولة وبعل الدراويش، وارتفعت حصيلة القتلى والجرحى سريعاً الى قتيلين و17 جريحاً.

قيادة الجيش تحذر
وليلاً عنفت الاشتباكات واستخدمت فيها القذائف الصاروخية، وشهد جسر الملولة حادث سير بفعل القنص أدى الى إصابة ركابه بجروح ورضوض، ولم تتمكن فرق الاسعاف من إخراجهم خوفاً من القنص، فتدخل الجيش اللبناني ونقل بعضهم الى مستشفيات المدينة.

وصدر عن قيادة الجيش - مديرية التوجيه البيان الآتي: "بعد ظهر اليوم (أمس) شهدت منطقة باب التبانة - جبل محسن في مدينة طرابلس عمليات قنص متبادلة بين مسلحين، ما أدى إلى سقوط عدد من الإصابات في صفوف المواطنين. وقد ردت وحدات الجيش على مصادر النيران بالأسلحة المناسبة، كما قامت ولا تزال بتسيير دوريات راجلة ومؤللة وأقامت حواجز تفتيش ودهم أماكن إطلاق النار وتعزيز انتشارها في الأحياء المتوترة. إن قيادة الجيش تحذر المسلحين من التمادي بالعبث بأمن المدينة واستقرارها، وتؤكد أنها سترد بحزم على مصادر إطلاق النار من أي جهة كانت، وهي تدعو المواطنين إلى التجاوب الكامل مع الإجراءات الأمنية التي تتخذها قوى الجيش حفاظاً على أمنهم وسلامتهم".

أهالي عاصمة الشمال يرفضون الاستسلام (السفير)

لم ترضخ مدينة طرابلس صباح أمس لكل محاولات الشلل والتعطيل التي مورست بحقها خلال الأيام الماضية، على خلفية مقتل عدد من اللبنانيين في "كمين تلكلخ". وبدت كأنها تجاهد لإبقاء دورة الحياة مستمرة برغم حجم الشائعات واستمرار الخروق الأمنية في محور التبانة ـ جبل محسن.

انتصرت طرابلس، ولو بشكل نسبي، في سعيها لاستعادة حياتها، فعادت شوارعها وأسواقها التجارية ومؤسساتها ومدارسها إلى يومياتها، وإن كان البعض آثر إنهاء العمل قبل الدوام الرسمي، بعد أن كان سجل في حضوره موقفاً رافضاً لما يجري في الطرف الشمالي من المدينة.

وقد عكس هذا المشهد إصرار الطرابلسيين على مواصلة حياتهم وتخطي حواجز الخوف التي وضعت أمامهم منذ فترة وأصابت شريان المدينة الاقتصادي بضرر بالغ أضيف إلى الضرر المعنوي الكبير الذي تواجهه، والذي بدأت تداعياته تتجسد من خلال انكفاء قسم كبير من أهالي المنطقة من خارج المدينة حتى عن المرور بطرقها، وتفضيل من يزورونها مغادرتها باكراً خشية انفلات الوضع الأمني.

وبقيت المدينة محافظة على حركتها حتى بعد انصراف طلاب المدارس وانتهاء دوام الموظفين وإقفال الأسواق الرئيسية أبوابها، فيما خلت الطرق في المناطق القريبة من الخطوط الساخنة من المارة، وسط انتشار للجيش اللبناني في شوارع المدينة.

ويقول خالد السيد صاحب محل لبيع الأحذية وسط المدينة "ان الحركة عادية في طرابلس، ولكنها غير منتجة بالنسبة للتجار، حيث كان دوامنا اليوم بمثابة رفع عتب، حتى لا نبقى في منازلنا ونساهم في شلل مدينتنا".

ويضيف: نحن نضحي منذ سنوات في مواجهة هذه المؤامرة على طرابلس، والمطلوب من الدولة بكل مؤسساتها مساعدتنا من اجل البقاء، من خلال ضبط الأمن في عمق المدينة وعدم تركها عند كل حدث امني أو إشكال".

ويشير رأفت عجم (صاحب محل لبيع الألبسة في سوق طرابلس) إلى "ان المدينة خسرت عدة مواسم هذا العام، بسبب المواجهات التي حصلت في عيدي الفطر والأضحى، وبالتأكيد فإن موسم عيد الميلاد ورأس السنة سيكون مصيرهما كما بقية الأعياد، ولو توقف إطلاق الرصاص، لأن الضرر المعنوي الذي أصاب طرابلس اكبر من أي ضرر آخر، خصوصا في ظل ما يطلق عليها من تسميات جعلت القاطنين خارجها يبتعدون عنها".

توتر طرابلس ينعكس على مدارس زغرتا (السفير)

"هاتي هويتك". قالت معلمة الصف الرابع في احدى تكميليات زغرتا لسيدة اتت تأخذ ابنة اختها من المدرسة بعد ورود شائعات عن عمليات خطف قد تحصل لطلاب من جبل محسن بهدف مقايضتهم مع المجموعة اللبنانية التي تعرضت لكمين في تلكلخ.

لم ترضخ المعلمة لطلب السيدة حتى وردها اتصال من اولياء امر الطالبة اكدوا فيه ان المعنية هي بالفعل خالة الطالبة التي يراد اخذها من الصف.

حصل ذلك عند العاشرة من صباح امس، اما عند الظهر، فقد توافد الاهالي الى تكميليات زغرتا الرسمية الاربع لاخذ اولادهم بعد تكاثر الشائعات، ليتكرر المشهد عينه في كل مدرسة "ممنوع ان يأخذ اي طالب الا ولي امره او من ينتدبه الاخير لاننا حريصون على الطلاب كحرصنا على اولادنا" تقول مديرة احدى التكميليات في زغرتا.

وكانت قد انعكست اجواء التوتر المستمر بين جبل محسن والتبانة على مدارس زغرتا الرسمية التي يغيب اكثر من نصف طلابها بمعدل ثلاثة الى اربعة ايام مع كل جولة عنف تطال محاور المواجهات بين جبل محسن والتبانة والقبة. الا ان التوتر ساد امس هذه المدارس التي حاولت تأمين الطلاب للعودة الى منازلهم انما مع اولياء امرهم فقط، حتى ان اساتذة احدى المدارس عمدوا الى تصوير الطالب مع الشخص الذي اتى ليأخذه من المدرسة كخطوة احترازية تخوفا من ان تكون شائعات الخطف صحيحة.

واذ اسفت مديرة احدى التكميليات للاوضاع التي وصلت اليها الامور، تساءلت: "كيف لطالب سيتقدم للشهادة المتوسطة ان ينهي برنامجه العلمي وهو يتغيب عن المدرسة يومين او ثلاثة كل اسبوعين، بفعل الأحداث الجارية".

طرابلس: صور السياسيين تشرّع مخالفـات «أبـو علـي» (السفير)

«رُبّ ضارة نافعة»، مقولة تنطبق على واقع الحال في طرابلس التي تشهد تنامياً غير مسبوق في تجارة «البالة»، التي تمتد النقاط المعدة لبيعها، بطريقة عشوائية، على مساحات واسعة من المدينة القديمة.

وإذا كانت بعض أسواق طرابلس قد اشتهرت ماضياً بتجارة «البالة»، إلا أنها حافظت على مدى عقود على خصوصية هذه الأسواق، التي كانت تعرض البضائع المستوردة من أوروبا بأسعار تناسب دخل الطبقة الفقيرة. وبقيت هذه التجارة رائجة في طرابلس حتى مطلع التسعينيات، لتشهد بعدها تراجعاً على حساب البضائع الجديدة المستوردة من سوريا والصين التي ناسبت أسعارها دخل المواطنين.

وفي الأعوام القليلة الماضية نشطت تجارة «البالة» من جديد، وتمّ استحداث أسواق جديدة لها، خصوصاً في منطقة جسر نهر أبو علي، لا سيّما بعد توقف مشروع الإرث الثقافي، لأسباب لها علاقة بالشركة الملتزمة، ما حوّل المنطقة إلى سوق «بالة» كبيرة.

والحال هذه، ترتكب في المنطقة المذكورة مخالفات عدّة في ظلّ شبه غياب لأجهزة الدولة، ما يجعل المرور في تلك المنطقة الحيوية التي تربط أحياء طرابلس بعضها ببعض، وبأقضية الشمال، شبة مستحيل، بسبب انتشار البسطات والعربات والمحال الخشبية، وقد تمّ تشييد بعضها على الطريق العام.

ويزيد عدم اضطلاع الجهات المعنية بمنع هذه المخالفات بدورها في المنطقة، من استشراء الفوضى فيها، وهي التي كانت تنتظر «مشروع الإرث الثقافي» لتسليط الضوء على ما يختزنه محيطها من آثار، وفتح المجال أمام استثمارات سياحية وتجارية فيها.

لكن تعــليق المشروع المذكور، الذي كان يلحظ إنشاء سوق شعبية منظّمة، زاد مــن شكاوى الطرابلسيين من الفـــوضى في المنطقة، في ظل عدم وجـــود أي مؤشر على إمكان استئناف الشــركة أعمالها، أو تنظيم المخالفات، لأنّ منعها قد يثير مشاكل كبيرة مع فئة واسعة من المواطنين تعتاش من البسطات. علماً أن المخالفات القائمة تغطيها القوى السياسية. ما جعل البعض يعلّق: «صورة واحدة تجعل المخالفة رسمية، ولا تسمح لأحد بإزالتها».