سابقة خطيرة تكسر ما تبقى من هيبة القوى الأمنية في عاصمة الشمال، طرابلس: الاقتحام المسلح لـ«الإسلامي».. رسالة بأي اتجاه؟ (السفير)
نشر بتاريخ 25/02/2013
سابقة خطيرة تكسر ما تبقى من هيبة القوى الأمنية في عاصمة الشمال، طرابلس: الاقتحام المسلح لـ«الإسلامي».. رسالة بأي اتجاه؟ (السفير)

بعد أسابيع من الفوضى الأمنية والتي بلغت ذروتها قبل أيام مع انفلات الشارع على هواه، وقبله حادثة إطلاق النار على موكب الوزير فيصل كرامي، جاءت عملية اقتحام المستشفى الاسلامي الخيري في طرابلس من قبل مجموعة مسلحة، هربت الموقوف محمد يوسف بتهمة إطلاق النار على موكب كرامي، ومارافقها من تهديد لعناصر قوى الأمن الداخلي المولجة بحراسته ومصادرة أسلحتها، لتنزع ورقة التوت عما بقي من ملامح الأمن في عاصمة الشمال.

ولولا تدخل «العقلاء» لاعادة تسليم الموقوف يوسف الى مخابرات الجيش اللبناني، لكان «أمر طرابلس» في عهدة المسلحين، وإن كانت خطوة التسليم قد جاءت سلمية ومن دون إجراءات تعيد لكل الأجهزة الأمنية بعض هيبتها، فان ثمة حقيقة ثابتة بات يلمسها الطرابلسيون بأن الأمن في مدينتهم لم يعد ممسوكا، وإنما بات مشرعا أمام قوى الأمر الواقع التي تسرح وتمرح بلا حسيب سياسي أو رقيب أمني.

وقد تركت عملية اقتحام المستشفى الاسلامي في طرابلس انطباعات سيئة جدا لدى أبناء المدينة، خصوصا لجهة وقاحة المسلحين الذين اختاروا وقت ذروة زحمة السير عند الخامسة من مساء يوم السبت الفائت في الشوارع المحيطة بالمستشفى، وعملوا على قطع الطريق وتنفيذ عملية التهريب، وسلوك شوارع مكتظة بالسيارات أقدموا على فتحها باطلاق النار إرهابا في الهواء من دون أن يقيموا وزنا لكل الانتشار الأمني القائم في المدينة.

كما ترك هذا الاقتحام سلسلة تساؤلات حول الرسالة التي اراد المسلحون إيصالها، وعما إذا كانت تهدف فقط الى الامعان في ضرب الهيبة الأمنية في المدينة من خلال استهداف قوى الأمن الداخلي على وجه الخصوص، أم أن لها غايات سياسية أخرى تستهدف الحكومة، والوزير فيصل كرامي وتسجيل «تعليمة» عليه باقتحام المستشفى الذي تشرف عليه عائلته، لا سيما بعد تدشينه يوم الجمعة الماضي القاعة الرياضية في الميناء.

واللافت للانتباه أن الموقوف محمد يوسف غير صادرة بحقه أي مذكرات توقيف سابقة، وقد تحفظت عليه القوى الأمنية بداعي الحق العام في قضية إطلاق النار على موكب كرامي والتي أصيب فيها برقبته، علما بأن كرامي لم يدع على أي شخص في تلك الحادثة.

وعلمت «السفير» بأن اتصالات عدة جرت في الأسابيع الماضية مع مراجع قضائية وأمنية لايجاد حل لقضية الموقوف يوسف للاكتفاء بمدة توقيفه في المستشفى، وأن الأمور كانت تسير بايجابية حتى تنفيذ عملية الاقتحام.

وثمة تساؤلات أخرى أيضا فرضتها هذه العملية غير المسبوقة في المدينة، لجهة: ماذا تبدل في الاتصالات التي كانت جارية على صعيد الافراج عن يوسف حتى لجأ المسلحون الى اقتحام المستشفى وإخراجه عنوة؟ وهل انتهى الأمر باعادة تسليمه الى مخابرات الجيش؟ وكيف ستتعاطى قوى الأمن الداخلي مع المجموعة المسلحة التي اقتحمت المستشفى واستولت على سلاح عناصرها؟ وهل ستتحرك النيابات العامة لاصدار استنابات قضائية بحقهم؟ وهل سيتم توقيفهم؟ أم أن الأمور ستشهد تسوية على الطريقة اللبنانية بانتظار خروق أمنية جديدة قد تكون أخطر في المستقبل القريب؟.

في الخلاصة، بين القنابل المتنقلة في أحياء طرابلس والاشكالات الفردية، وإطلاق النار في المناسبات المختلفة، والاقتحام المسلح للمستشفى الاسلامي، يمكن القول ان طرابلس أصبحت بحاجة ماسة الى حالة طوارئ أمنية عاجلة، تستدرك ما هو آت من خطر يراه الجميع قريبا..

ماذا في تفاصيل عملية الاقتحام والمعالجات؟
عند الخامسة من مساء أمس الأول السبت، وصلت الى المستشفى الاسلامي الخيري في طرابلس مجموعة تضم نحو 30 مسلحا يستقلون سيارات بزجاج داكن ودراجات نارية وأكثرهم مقنع، ودخل عدد كبير منهم حرم المستشفى وعملوا على تهديد الحرس الخاص والموظفين والجهاز الطبي، وتوجهوا فورا الى الغرفة الرقم 2306 في الطابق الثالث، وحاصروا عناصر قوى الأمن الداخلي المولجين بحراسة الموقوف محمد يوسف وأرغموهم على التخلي عن سلاحهم الأميري واستولوا عليه، وسارعوا الى إخراجه سريعا مع المصل الذي لا يزال في يده، وأطلقوا النار بكثافة في الهواء لتأمين خروجهم من المنطقة، وسلكوا بسياراتهم ودراجاتهم شارع نديم الجسر وبعض الطرق الفرعية وفروا الى جهة مجهولة.

وعلى الفور حضرت قوة من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وسائر الأجهزة الأمنية الى المستشفى وفتحت تحقيقا في الحادث، وعملت على متابعة ما سجلته كاميرات المراقبة لتحليلها، واستمعت الى شهود عيان من الموظفين وأهالي المرضى الذين كانوا متواجدين في المستشفى.

وسرعان ما دخل على خط المعالجات عدد من المشايخ السلفيين وفي مقدمهم الشيخان سالم الرافعي ونبيل رحيم اللذان زارا قائد سرية درك طرابلس العميد بسام الأيوبي في مكتبه في سرايا طرابلس. وفي الوقت نفسه، أجرى الرافعي سلسلة اتصالات مع عناصر المجموعة المسلحة التي نفذت عملية الاقتحام وتعرفت القوى الأمنية على بعض عناصرها، وأكد لهم أن هذا العمل مشين، ولا أحد قادرا على تغطيته ولا يمكن السكوت عنه، كونه يكشف طرابلس أمنيا بشكل كامل ويضع الجميع في دائرة الاستهداف، وهذا أمر لا يريده أحد، لافتا الانتباه الى أن عائلة الموقوف يوسف ترفض هذا العمل، خصوصا أنه غير مطلوب بأي مذكرات توقيف.

وشدد الرافعي على ضرورة إعادة تسليم الموقوف يوسف بأسرع وقت ممكن، لأن الأمور ستتجه نحو التصعيد، خصوصا أن القوى الأمنية لن تسكت على عملية من هذا النوع تستهدفها، وستقوم باجراءات عسكرية صارمة لاستعادة الموقوف.

وبعد نحو أربع ساعات من الاتصالات والأخذ والرد أعيد تسليم الموقوف يوسف عبر أحد المشايخ الى مخابرات الجيش اللبناني التي من المفترض أن تسلمه الى قوى الأمن الداخلي صباح اليوم.

من جهته أكد الوزير فيصل كرامي «أن المسلحين الذين اقتحموا المستشفى معرفون بالأسماء»، نافيا إطلاق النار على منزله كما أشيع بعد عملية الاقتحام، تاركا مهمة إلقاء القبض على المنفذين للقوى الأمنية. وقال ان ما جرى هو نتيجة لكل التسيب الأمني الحاصل في البلد من شمال لبنان الى جنوبه، وبسبب عدم المحاسبة من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية، «وكل الاعتداءات والمخالفات والتجاوزات تقع على عينك يا تاجر وعلى عينك يا دولة».

وأصدر مدير المستشفى الإسلامي عزام أسوم، بيانا، أوضح فيه ملابسات دخول المجموعة المسلحة ملثمة الى المستشفى بقوة السلاح.