جريدة النهار 22 - 08- 2014 عام على تفجير المسجدين في طرابلس مدينة "التقوى والسلام": لا نريد سوى العدالة
نشر بتاريخ 22/08/2014

جريدة النهار 22 - 08- 2014

عام على تفجير المسجدين في طرابلس مدينة"التقوى والسلام": لا نريد سوى العدالة

قبل نحو أسبوع، بدأت ترفع في شوارع طرابلس المتنوعة سياسياً ودينياًوحتى مذهبياً، لافتات كتب عليها: "طرابلس تريد العدالة والعدالة فقط"،في الاشارة الى مطلب أهالي الفيحاء الوحيد في تفجير مسجدي التقوى والسلام.

الفاعل بات معروفا، وكذلك المخطط والمحرض، وقد تمكن فرع المعلومات منالقبض على مجموعة من الشباب من منطقة بعل محسن بقيادة يوسف دياب (واضع متفجرةالسلام) اعترفت بأنها شكلت الاداة التنفيذية للجريمة، وأن هناك أشخاصاً من داخلجبل محسن ومن خارجه هم من خططوا وفكروا ووضعوا خريطة الطريق للوصول الى المسجدين،وان السيارات المفخخة أتت من سوريا، وان علي عيد وولده رفعت متورطان فعلا وقولا فيالجريمة التي راح ضحيتها اكثر من 50 شهيدا وما يزيد على 700 جريح، وكادت ان تدخلطرابلس في فتنة مذهبية قاتمة لو لم يقدم اهالي المدينة تعقلهم وحكمتهم على كلالاعتبارات الاخرى.

السرعة التي نجح فيها فرع المعلومات في كشف الفاعلين، سرعان ما انعكستارتياحا لدى اهالي الجرحى والضحايا وعموم سكان المدينة، لكنهم طالبوا منذ البدايةبأن يكون القصاص عقابهم، لان فيه حياة لاولي الالباب. وتعهد يومها اهالي الشهداءبعدم القيام بأي تحرك "مشبوه" او خارج على القانون، ما دامت الدولةتتابع هذا الملف بجهد كبير وموضوعية وحرص على انهائه بالشكل الذي يحفظ كرامة منسالت دماؤه. الا ان بعض المرتبطين بأجهزة استخباراتية معينة داخل الحدود وخارجها،استغلوا "القضية المحقة" وراحوا "يصطادون" شبابا من جبل محسنفي شوارع المدينة و في اماكن عملهم خارجها، حتى وصل عدد الذين تم اطلاق الرصاصعليهم بذريعة الانتقام للشهداء الى 70 شخصا، توفي منهم اثنان بسبب اصابتهماالخطيرة (احدهما عبد الرحمن دياب الملقب بـ"النواسة"، وهو والد يوسفدياب واحد اهم القادة العسكريين في الحزب العربي الديموقراطي).

عندها بدأت القيادة السياسية والعسكرية في جبل محسن تروج لمعادلة جديةقوامها: "نعفو عمن اطلق النار على شبابنا مقابل التنازل عن قضية تفجير التقوىوالسلام"، الا ان هذا الامر لم يلق رواجا لدى المعنيين، باعتبار أن من أطلقواالرصاص على العلويين لا صلة لهم بأهالي الشهداء وجرحاهم، وبالتالي سقطت المعادلةليتصدر مطلب "العدالة" والاقتصاص من المجرمين اي حوار او نقاش يتناولهذا الملف.

قبل نحو5 أشهر حدث ما يشبه التسوية في طرابلس، ونقلت وسائل الاعلاممشهدا سورياليا عن شباب من التبانة وجبل محسن يتعانقون بعد 6 سنوات من القتالويلعبون البلياردو، وسلّم معظم قادة المحاور من المناطق المحيطة بجبل محسن، أنفسهمالى القوى العسكرية، وهم الآن نزلاء السجون، فيما فرّ علي عيد وابنه رفعت الىسوريا طلبا للحماية الطائفية والسياسية، وبذلك انتهت "المعارك العبثية"بين التبانة وجبل محسن، وبدأ النقاش في أفق قضية التقوى والسلام: هل من الممكن انتصل الى خواتيمها؟ وإذا وصلت، فما الفائدة من ذلك ما دام الرأس المدبّر قد فر الىسوريا؟ ومن سهّل له عملية الفرار هذه؟ والأهم، ماذا عن مستقبل العلويين المؤيدينلعيد في طرابلس بعد التفجيرين؟

الثابت الوحيد لدى أهالي الشهداء ان قطبة مخفية معلومة سهّلت فرار آلعيد الى سوريا. البعض يتحدث عن غطاء امني لبناني، والبعض الآخر عن دور زغرتاويأمّن وصول عيد الى طرطوس، وفريق ثالث هو الاكثر حضوراً يحمّل مسؤولية ذلك الى"حزب الله" الذي يدعم رفعت عيد مادياً وسياسياً وعسكرياً، وبالتالي فإن"حزب الله" جزء من المشكلة. ويتساءل البعض من اهالي الضحايا كيف لحزبيدعي انه محسوب على قوى التحرر في المنطقة وهمه كرامة الانسان، ان يغطي مجرماً قتلاولادنا ويدافع عنه؟

تشكل قضية مسجدي التقوى والسلام، اولوية الاولويات لدى اهالي المدينة،الذين ظلمهم القريب قبل البعيد، والدولة وحكوماتها، وحاول البعض توظيفهم في صراعاتسياسية لتأكيد شعبيته وحضوره السياسي، فساهم في اغراقهم بمزيد من الدماء الطائفية،وصورهم ربما عن غير قصد على انهم مجموعات غير متآلفة مع محيطها وسهلة التشغيلوالتوظيف. وهم الآن يعيشون هاجس "داعش" والتكفير، وبالتالي لم يعد لديهمسوى المناداة بالعدالة ليؤكدوا ان طرابلس "مدينة التقوى والسلام" تريدالعدالة لا الانتقام، وتريد ان تعيش تقواها وايمانها بسلام من دون الاضرار بقريب ولاببعيد.