جريدة النهار 12 - 08- 2014 قرار "داعشي" أو تطبيق للقوانين؟ بلدية طرابلس تزيل إعلانات مشروبات كحولية
نشر بتاريخ 12/08/2014

جريدة النهار 12 - 08- 2014

قرار "داعشي" أو تطبيق للقوانين؟بلدية طرابلس تزيل إعلانات مشروبات كحولية

احتلت بلدية طرابلس أخيراً حيزاً في الاعلام اللبناني بعد قرار بإزالةإعلانات المشروبات الكحولية وعاب عليها بعض منتقديها أنها تفتح دفاتر قديمة وتثيرقضايا "بدل عن ضائع" وتهمل معاناة طرابلس الاجتماعية والاقتصادية.

فهل يقتصر دور بلدية طرابلس على اصدار القرارات التي تتمنى على الناسبعدم الجهر بالطعام في رمضان؟ أو اعطاء الاوامر لعمالها بإزالة اعلانات المشروباتالكحولية وقرارات أخرى لا مكان لذكرها هنا والنقاش فيها.

بلدية طرابلس في أزمة كما مدينتها. المدينة التي تحتاج الى ورش عمل لاتهدأ من بلديتها ودولتها، لا تجد من يأخذ هذا الأمر على محمل الجد ويهتم به فعلاً.الأحزاب السياسية في المدينة منهمكة في عملية سياسية وطنية، وفتن كبيرة متربصة بالبلادمن شرقه الى غربه. والاسلاميون لم يلحظ أحد في خطابهم أي إشارة الى معاناة المدينةاقتصادياً واجتماعياً وأنمائياً، ربما صرحوا إنها بحاجة الى "نفضةانمائية" لكن التصريح ليس كافياً. وحدها بلدية طرابلس لا عمل لها وفقاًللقانون سوى الاهتمام بشؤون المدينة ومتابعتها، وضع المشاريع وتنفيذها ومتابعةالأمور اليومية للمواطنين من صحة وغذاء وغيرهما، أما أن يقتصر عملها على إصدارقرارات مثيرة للجدل بغض النظر عن صوابيتها أم لا فهذا أمر يدل على مدى الضعفالممسك بالمجلس البلدي.

بدأت المسألة في رمضان المنصرم عندما أصدر المجلس البلدي قراراً تمنىفيه على المفطرين عدم الاجهار بإفطارهم مراعاة لشعور الصائمين. قد يكون مضمونالقرار بصيغة التمني مقبولاً، وهو يطاول المفطرين من المسلمين والمسيحيين، لكنطريقة إخراجه الى الاعلام أظهرته معدّاً ضد طائفة معينة من الناس، بعدما نفخ فيهمن لا عمل لديهم سوى صب الزيت على النار. وبالأمس أصدرت البلدية عينها قراراًبإزالة الاعلانات التي تروّج للمشروبات الكحولية وبدأت بإزالتها. يستند رئيسالبلدية الدكتور نادر الغزال في قراره الأخير الى قرار قديم أصدره الرئيس السابقللبلدية رشيد جمالي يتضمن التالي: الموافقة على اعتماد مواصفات الاعلان في نطاقبلدية طرابلس كما يلي:

-الا يتضمن مسكرات أو مشروبات تحتوي على الكحول ولو بنسبة ضئيلة.

-الا يتضمن نوعاً من أنواع التبغ.

-الا يخالف النظام العام.

-الا يخالف قواعد الحشمة.

-الا يتضمن دعاية لشركات أو منتجات واردة في جدول المقاطعة الصادر عنجامعة الدول العربية.

لم يأت الغزال بجديد، انما اكد ما كان سلفه قد أعده، بخاصة ان بعضهمينظر الى اعلانات المشروبات على أنها تشجيع للشباب على "سلوك الطريق الخاطئ،والمؤدي الى التهلكة". لكن هل هذا هو التوقيت المناسب لإصدار هكذا قرار؟

غزال قال في تصريح لـ"النهار" إن "توقيت نشر الاعلانبطريقة عشوائية وغير قانونية هو الخطأ بعينه، وهو توقيت غير موفق في مرحلة يزدادفيها التطرف في كل الاتجاهات ولا ينقص المدينة أي استفزاز بأي اتجاه"،مضيفاً: "ليست المرة الأولى نزيل فيها لوحات اعلانية غير مناسبة سياسياًواجتماعياً واخلاقياً. واذكر أن البطريرك السابق نصرالله بطرس صفير أمر بإزالة بعضالاعلانات المنافية للحشمة والاخلاق في جونية، فهذه مثل تلك، ونحن لا نستهدف أحداًولا نتوجه الى فئة دون غيرها أو طائفة معينة، فالمشروب متاح للجميع مسلمينومسيحيين وضرره أيضاً يطاول الجميع".

لكن فئة من المواطنين ترى أن طرابلس دخلت زمن "الداعشية"بهذه القرارات بينما ترى فئة أخرى "الفيحاء" تتأقلم مع تقاليدهاوحضارتها ومنظومة قيمها وأخلاقها. ومع الأيام سنرى من ينتصر، "داعش" أومنظومة القيم الداعية الى ترك حرية الاختيار للناس.

 

جريدة النهار 12 - 08- 2014

بين الخطاب المدني في طرابلس والخطابالاسلامي مَن يريد إحراجها لإخراجها من المعادلة الوطنية؟

طرابلس المدينة لم تعد هي نفسها التي عرفها التاريخ والمجتمعاللبناني، تغيرت في الشكل والمضمون.

ليس التغير مقتصرا على شباب مسلم متحمس يرفع رايات سودا، ويناديبالجهاد، ويرفع صوته واحيانا سلاحه بوجه الجيش الوطني، بعضه يرتبط بأجندات خارجيةوداخلية تشغله وتوظفه وتستثمر تحركاته الشارعية، وبعضه الآخر مغرر به، شدّته حميتهوحبه لطائفته الى تناسي الولاء الوطني او الابتعاد عنه، تحت ذريعة عدم تمكن الدولةمن حمايته والتعامل معه بسواسية مع سائر اللبنانيين.

المدنيون في طرابلس أصابهم التحول هم ايضا، رغم أنهم لا يزالونمتمسكين بخيار الدولة ومؤسساتها الشرعية. أصحاب المهن الحرة، العمال، الموظفون،المثقفون، وحتى الناس العاديون بات خطابهم شبيها بخطاب الحالة الاسلامية المتشدد،ولكن الاختلاف بينهما هو في آلية الاعتراض على ممارسات الدولة ومؤسساتها، وفي عدمطرح بديل، على ان يكون الجيش صمام أمان الوطن وحامي مواطنيه، لأن البديل مشاريعخاصة وأمن ذاتي، وبالتالي فتن متنقلة وفوضى عارمة.

ربما لم يدرك البعض من اهل الحكم في لبنان خطورة ما يجري في طرابلس،وبالطبع ليست الخطورة في ما تتناوله وسائل الاعلام عن قطع طريق هنا، او اشتباكبسيط مع الجيش هناك، او التفجير الذي حدث بالامس في باب الرمل، الخطورة هي في شعورالطرابلسي بأنه منسلخ عن دولته، وفي تحول النظرة الى الدولة اللبنانية التي يعيبعليها الجميع انها تكيل بمكيالين، تتصرف بمرونة كبيرة مع "حزب الله"،حتى لا يقال أكثر، وتستجيب لمطالبه، وفي بعض الاحيان تعجز عن مساؤلته، فيما تتعاملمع السنّة بكل أشكال القوة، وهذا ما يطرح تساؤلات عديدة عن هذا الامر وخلفياته،والهدف الذي يراد تحقيقه انطلاقا من هذا التعاطي غير المتوازن.

في المعركة التي يخوضها الجيش ضد الارهاب في عرسال، تأخر المجتمعالمدني الطرابلسي في استنكار ما تعرض له الجيش من اعتداء، وفي التضامن معه الىالامس، بعد اجتماع عقده "الحراك المدني في طرابلس" في غرفة التجارةوالصناعة، لأن علامات استفهام عديدة رسمها هؤلاء على معركة عرسال: الغاية منها؟حقيقة مشاركة "حزب الله" فيها؟ وخصوصا انهم يعتبرون كما كل الشرائحالاجتماعية في المدينة ان الحزب يستهدف المدينة بكل انواع الوسائل، تارة عبرمجموعات ميليشيوية يمولها، وتارة عبر المؤسسات الشرعية التي طالب المجتمعون بأن"تكون منفردة صاحبة الشرعية في حمل السلاح وحماية المواطنين"، رافضين"اي شكل من اشكال الميليشيات المسلحة".

المدينة التي عرفت سابقا بخياراتها العروبية وثوابتها الوطنيةواعتدالها الديني، تعيش اليوم حالة تخبط واضحة، تريد الدولة وتطلب منها ان تحضربفاعلية في شوارعها عبر جيشها وقوى امنها، وفي الوقت عينه يستهدف بعض من ابنائهاهذه القوى لانه يعتبرها تنفّذ سياسة خاصة حياله، توقفه لاسباب يعتبرها غير جوهريةوتطول محاكمته سنة وسنتين وخمساً"، بينما من يدخل الوطن برمته في مشاكلالمنطقة يبقى حرا طليقا لا تتجرأ على ادانته او حتى التحقيق معه.

لذا بات الخطاب المدني في طرابلس لا يختلف كثيرا عن الخطاب الاسلاميالذي يراه البعض متشددا، المطالب هي نفسها: "ظلم في السوية عدل فيالرعية"، قد يختلف الطرفان في نمط التعبير لكن الهدف واحد، والمصاب واحد.

طرابلس العروبة والاسلام اعتذرت من غزة هذا العام ولم تخرج التظاهراتفي شوارعها للتضامن معها، واقتصر الامر على عبارات تضامنية على الفيسبوك، لان"ما فيها يكفيها"، فهل تتضامن الدولة مع عاصمة لبنان الثانية وتجريعملية تقويم لطبيعة التعاطي الذي كان سائداً سابقا؟، أم تستمر الحالة على ما هي،وبالتالي تترك المدينة لقدرها وللفتن التي تتربص بها من كل الاتجاهات؟

طرابلس ما زالت على عهدها وايمانها المطلق بالدولة ومؤسساتها بكلفئاتها، فهل تريد السلطة "الفيحاء"، ام تتخلى عنها تحقيقا لرغبات"حزب الله" ومشروعه؟ البعض ممن اجتمعوا في غرفة التجارة والصناعة يرى انالحزب يريد "ضرب المدينة وانهاء الاعتدال فيها لتحويلها الى قندهار بيده وبيدبعض من ابنائها وبيد الدولة، وعندها يسهل تنفيذ مخططاته".