جريدة النهار 09- 07- 2014 قوى 8 آذار تتخوف من أمرين معاً: التوتر في طرابلس وعودة الخطاب المتطرف
نشر بتاريخ 09/07/2014

جريدة النهار 09- 07- 2014   قوى 8 آذار تتخوف من أمرين معاً: التوتر في طرابلس وعودة الخطابالمتطرف

منذ نحو ثلاثة أسابيع والدوائر المعنية في قوى 8 آذار ترصد حراكاًأمنياً يتخطى العادة والمألوف في طرابلس ويتجلى عملياً في مظاهر عدة أبرزها:

-عودة القنابل اليدوية تلقى على حواجز الجيش وعلى أهداف أخرى كالمقاهيوسواها.

-عودة الاعتصامات على خلفية ملف الموقوفين الاسلاميين حديثاً وقديماً.

-ظهور قادة المحاور او عناصرهم الى الواجهة الإعلامية مجدداً وهميطلقون خطاباً ثأرياً.

-التشكيك في الخطة الأمنية السارية منذ فترة عبر الإحتكاكات المتماديةبمواقع وحواجز أمنية رسمية.

قد يرى البعض ان هذه المظاهر، على خطورتها، هي من ارتدادات مرحلةمتفجرة سلفت ولم يمر الزمن على طي صفحتها، وانها رغم تكرارها ما برحت تحت السيطرة،ولم تجنح الى اتجاهات خطيرة، لا سيما انها تفتقر الى غطاء سياسي ربما يشكل عنصرحماية لمرتكبي هذه الاحداث.

ولكن الدوائر عينها، ورغم انها ما فتئت تعرب عن تقديرها لهذه القراءةالتبريرية او الاسباب التخفيفية لما هو حاصل من مظاهر الانفلات الامني في عاصمةالشمال، إلا انها تتوقف عندها وهاجسها ان يكون لها باطن آخر خطير ومفتوح علىاحتمالات التوسع انطلاقاً من اعتبارات ووقائع عدة ميدانية وسياسية وترتبط بصورة مااستجد في الآونة الأخيرة من تطورات، وأبرزها:

-انتفاء أي مبررات موضوعية لمثل هذا التوجه نحو التوتير الذي تبديهمجموعات معروفة، خصوصاً بعدما انتفى محور باب التبانة – جبل محسن غداة غياب عليورفعت عيد عن الواجهة وانكفاء مقاتلي الجبل.

-لكن ذلك على أهميته لا ينفي أن ثمة مخاوف لدى الدوائر عينها ولدىشريحة واسعة من اهالي جبل محسن وقواهم السياسية من أن يكون الجبل نفسه لاحقاً"فشة الخلق" التي تعيد تجميع القوى وإيجاد الهدف، فيكون هناك عود علىبدء في سني الرعب التي عاشتها محاور طرابلس.

-ان الاحداث المتوالية في طرابلس تزامنت مع احداث امنية نوعية وذاتدلالة شهدتها القلمون وعكار حيث ظهرت مجموعات وخلايا على صلة بتنظيم"داعش" وبعملياته الثلاث الاخيرة في ضهر البيدر ومدخل الضاحية الجنوبيةوفي 3 فنادق في بيروت.

-عودة خطاب التحريض على الجيش والتشكيك في المؤسسة العسكرية الىالواجهة بعد انكفاء. واللافت ان هذا الخطاب عاد على ألسنة بعض الرموز والشخصياتالتي اخذت مجدها خلال فترة الأحداث الحامية في الشمال.

ثمة وجه آخر للمخاوف يتأتى من مظاهر الاعتراض على سلوك فريق تيار"المستقبل" من مجموعات طرابلسية عادت للظهور في الشارع بقوة إحتجاجاًعلى اعتقال ابنائها من جهة، وتحميل هذا التيار المسؤولية لتخليه عن هؤلاء الذينزجوا في السجون ومثلوا امام القضاء بعدما "ورطهم" في السابق، وفق منطقالمحتجين.

وفي كل الاحوال ثمة مشكلة حقيقية في طرابلس لا يمكن تجاهلها أو ضربالصفح عنها من زاوية انها مجرد "احتجاجات" لا أفق لها بعدما انتفى"العدو" (اي جبل محسن) وانتفت الوظيفة السابقة والتي لها صلة بالأحداثفي الساحة السورية المجاورة، وبالتحديد عندما كان ريف حمص تحت سيطرة المجموعاتالمتمردة على النظام في سوريا وفي ظنها أن أوان إسقاط دمشق امر حتمي ووشيك.

وتخشى الدوائر عينها من ان تكبر هذه المشكلة وتتحول أمراً واقعاًقابلاً للانفجار او الاستغلال غب الطلب خصوصاً ان ثمة ظروفاً ومناخات تشجع علىسلوك هذا الدرب ومنها:

-ان الأحداث الأخيرة في الساحة العراقية والتمدد السريع لتنظيم"داعش" في محافظات الوسط العراقية، قد بعثت بمشاعر نشوة وارتفاع فيالمعنويات لدى بيئات معينة في لبنان وخارجه هي عملياً بيئات توالي محوراً فيالمنطقة وتعادي محوراً آخر، وهي استكانت لفترة بعد تلقي محورها ضربات في سوريالكنها لم تستسلم وما برحت تراهن على تحولات وتغييرات وهي لا شك رهانات كبرت وتضخمتبعد تطورات العراق الاخيرة.

-لا تخفي الدوائر عينها خوفها وهاجسها من أن يكون المطلوب من الشمالعموماً ومن طرابلس خصوصاً عملية اشغال وانهاك أكبر للوضع اللبناني.

-ولم يعد خافياً ان "داعش" تصرف منذ فترة وعبر خطوات عمليةعلى اساس انه يريد وراثة الساحة اللبنانية أو تثبيت حضوره فيها، وهذا الامر منشأنه أن يكون عامل إغراء لمجموعات وخلايا معينة زجت بامكاناتها منذ زمن في لعبةالمحاور في المنطقة، وربما هي في صدد تقديم أوراق اعتماد للتنظيم العابر للحدودوالذي بات يتصرف على اساس أن مشروعه هو العودة الى الخلافة على كل المنطقةوالكيانات.

-لا شك في ان هناك من يقول ان "الاعتدال السني" بكل تمظهراتهولا سيما تيار "المستقبل" لن يكون الا في صف المعترضين على هذا التطرفالغازي كونه المتضرر الأول منه حاضراً ومستقبلاً، ولكن ما تخشاه هذه الدوائر هو أنيضطر هذا الاعتدال بشكل أو بآخر الى مجاراة لغة الشارع الجانح نحو التشدد.

وفي هذا الاطار تتوقف الدوائر عينها عند عودة التشدد الى خطابات رموزمن "المستقبل" وبينها وزير طرابلسي عاد إلى الخطاب الذي عرف عنه قبيلدخوله الحكومة الحالية من دون أن يكون لذلك أي مبرر سوى كسب رضى الشارع الغاضب،والمنتشي على السواء.

 

جريدة السفير 09- 07- 2014  الأمن في طرابلس.. بـ«كبسة زر»

 

تحول الأمن في طرابلس الى «أحجية» يصعب على أبناء المدينة فك رموزهاأو معرفة خفاياها، فلا السلم فيها يُبنى على مقومات واضحة، ولا الفلتان لديهأسبابه الموجبة، ولا التعاطي السياسي مع المدينة يسير وفق معيار واحد، بينما يجدالطرابلسيون أنفسهم أسرى بأيدي المتحكمين باللعبة الأمنية، ومدينتهم مجرد صندوقبريد يُفتح ويُغلق عندما تدعو الحاجة السياسية محليا أو إقليميا.

ولعل ما تضمنه بيان كتلة «المستقبل» أمس من انتقاد للخطة الأمنية، ومنوضع قيود لتحركات الجيش اللبناني ومن رسم خارطة طريق له في كيفية استكمال تنفيذبنودها، وتزامن ذلك مع التوترات التي تشهدها المدينة، يشير الى أن أمرا ما طرأ علىالتوافق السياسي والأمني بشأن طرابلس قد لا يبشر بالخير.

لا أحد في طرابلس يعلم خلفيات نجاح الخطة الأمنية في المدينة واستمرارمفاعيلها ثلاثة أشهر منذ نيسان الفائت، ولا أحد يعلم خلفيات محاولات الانقلابعليها من خلال إعادة التوتر الى الشوارع، ورفع منسوب الفوضى.

ولم يتبرع أي مسؤول سياسي أو أمني بشرح ما حصل أو ما يحصل أو ما قديحصل في المستقبل القريب في العاصمة الثانية، في ظل سعي بعض الجهات الى تغيير وجهالمدينة الحضاري وتاريخها، وضرب كل الانجازات التي تحققت في ظل الخطة الأمنية،وإعادة عقارب الساعة الى الوراء.

هذا الواقع جعل أبناء طرابلس يدركون بأن الأمن في مدينتهم يحصلبـ«كبسة زر»، وأن الفلتان ينطلق أيضا بـ«كبسة زر» ولا داعي لأي كان أن يدخل فيالتفاصيل أو معرفة خفايا ما يجري، وكأن أمن العاصمة الثانية موضوع على جهاز «ريموتكونترول» يتم التحكم فيه عن بعد.

في آذار الفائت، وبعد مضيّ ثلاث سنوات ونيف على الفلتان الأمني الذيانطلقت شرارته في «يوم الغضب» المستقبلي الشهير على قبول نجيب ميقاتي تكليفهبرئاسة الحكومة، كان السلاح في طرابلس «زينة الرجال وللدفاع عن المال والعرض»،وكان رؤساء المجموعات المسلحة «أمراء» في مناطقهم ينفذون قوانينهم ويفرضون سطوتهم،فيما جبل محسن محصنا، وفيلا رفعت عيد فيه أشبه بسفارة، كان العلويون في طرابلسيواجهون بالرصاص على الأقدام، وكانت جولات العنف تتوالى، وكان الجيش اللبناني متهمبالانحياز محليا وإقليميا وتتم مواجهته في الشارع على وقع التكبيرات الصادرة عنمآذن المساجد، واستهدافه بالرصاص والقنابل والعبوات الناسفة، وكانت المخالفاتتجتاح الشوارع، وأعلام تنظيم القاعدة تزين الشرفات، والاحتجاجات تعم الأحياء،والاعتداءات تطال الشاحنات السورية، والخوات تفرض على التجار، والخطابات الناريةوالتحريض المذهبي مادة أساسية على موائد السياسيين والمشايخ.

ومع دخول الأيام الأولى من نيسان الفائت وفي ظل حكومة المصلحة الوطنيةبرئاسة تمام سلام التي أعادت تيار «المستقبل» الى الحكم بالتوافق مع «حزب الله»وسائر المكونات السياسية الأخرى، انطلقت الخطة الأمنية في طرابلس، وبالرغم من انهاجاءت مماثلة لخطط أمنية سابقة وضعت في عهد الحكومة الميقاتية ولم تثمر، لكن هذهالأخيرة فرضت الأمن وسحبت السلاح من الشوارع وصادر الجيش كميات منه وسط هدوء كاملوترحيب به قل نظيره. وفجأة رفع الغطاء السياسي عن قادة المحاور في التبانة وتفرقوابين مطارد وسجين، وانهارت حصانة جبل محسن وفيلا رفعت عيد الذي فر مع قيادات حزبهأيضا الى سوريا، وأزيلت التحصينات والدشم بين المنطقتين وتلاقى الجيران بالعناقوالقبلات وتخلوا عن إطلاق النار لمصلحة توزيع الحلوى، وتوقفت الاعتداءات علىأنواعها، وأزيلت الصور وأعلام القاعدة وحلت بدلا منها أعلام الدول المشاركة فيالمونديال، ورفعت أكثرية المخالفات، وانكفأ السياسيون والتيارات الدينية عنالتحريض وعن استخدام الشارع، وتوقفت الخوات، وانتظمت حياة المدينة وفُكت عزلتها،وعادت الحركة التجارية إليها.

لم يعرف أبناء طرابلس أسباب هذا التغيير الجذري الذي طرأ في ظل الخطةالأمنية، ولم يجدوا من يجيبهم عن سؤال محوري رددته المدينة بأكملها، وهو ما دام أنالأمن يمكن أن يُفرض بهذه البساطة، لماذا لم تنفذوا مثل هذه الخطة الأمنية منذالبداية للتوفير على طرابلس المزيد من الدماء والدمار والشهداء والجرحى والخراب؟.

لم يحصل الطرابلسيون على إجابة ترضي فضولهم، لكنهم ركنوا الى نتائجالخطة الأمنية وتعاملوا معها بايجابية تامة على قاعدة «أكل العنب.. لا قتل الناطور».

ولكن مرة جديدة، وبعد ثلاثة أشهر من الاستقرار الكلي، وجد الطرابلسيونأنفسهم أمام فلتان أمني يطل برأسه من جديد ومن دون أية تفسيرات أو مبررات،فالتحركات الشعبية عادت الى الشارع احتجاجا على استمرار توقيف من قاموا بتسليمأنفسهم أو من تم توقيفهم، والقنابل اليدوية عادت تدوي في أحياء المدينة، وبعضهاجرى تخصيصه لاستهداف المقاهي التي تستقبل مفطرين، وعاد الجيش اللبناني الى دائرة الاستهدافوالتحريض عليه، وظهر السلاح مجددا وتكررت الإشكالات الأمنية بين المواطنين، والحبلعلى الجرار.

كل ذلك حصل بـ«كبسة زر» ومن دون أية أسباب موجبة. لكن اللافت أنالفلتان عاد الى طرابلس في ظل حكومة المصلحة الوطنية التي أطلقت الخطة الأمنية.فهل انتهى مفعول التوافق السياسي؟ وهل نعت كتلة «المستقبل» في بيانها أمس هذاالتوافق؟ أم أن ثمة حسابات سياسية تريد تصفيتها مع الجيش قبل إنجاز الاستحقاقالرئاسي؟ أم أن طرابلس ستبقى «تنفيسة» لكل الاحتقان القائم؟ أم أن عليها أن تدفعثمن الفراغ الرئاسي؟ أم أن ما يجري فيها عبارة عن تصفية حسابات محلية ضمن الفريقالسياسي الواحد بفعل الصراعات المسيطرة عليه؟.