جريدة السفير 8-1-2014: طرابلس تطوّق الفتنة.. سروج في مكتبته
نشر بتاريخ 08/01/2014

جريدة السفير 8-1-2014:

 

طرابلس تطوّق الفتنة.. سروج في مكتبته

                        

نجحت طرابلس في تطويق فتنة إحراق «مكتبة السائح» في أسواقها القديمة، عبر تضامن أبنائها من مختلف التوجهات السياسية والطائفية مع صاحبها كاهن رعية طرابلس الأرثوذكسية الأب إبراهيم سروج، الذي عاد أمس الأول الى مكتبته محاطاً بهيئات من المجتمع المدني، التي سارع شبابها وشاباتها إلى إزالة آثار الحريق وفرز الكتب المتضررة، وإعادة تنظيفها وتجهيزها لاستقبال الأب العائد الى عرينه الثقافي.

وتتجه الأنظار إلى التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية تحت إشراف القضاء المختص للكشف عن ملابسات إحراق المكتبة، وعما إذا كانت ناتجة عن عمل تخريبي بفعل الاتهامات التي ألصقت بالأب سروج حول الإساءة إلى النبي محمد، أو إذا كانت جهات استغلت الاتهامات لتصفية حساباتها مع سروج على خلفية نزاع قضائي حول المبنى الأثري الذي تشغل «مكتبة السائح» قسماً منه.

وفي الحالتين فإن كثيراً من الأصوات ارتفعت في طرابلس مطالبة بتوقيف كل المتورطين بإحراق المكتبة إلى أي جهة انتموا، وإحالتهم الى القضاء المختص ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه العبث بالعيش المشترك الذي تناضل طرابلس من أجل الحفاظ عليه، خصوصاً بعدما جاء هذا الاعتداء ليؤكد حرص المدينة على التعايش الإسلامي ـ المسيحي، وعلى التنوع والانفتاح ونبذ العنف.

وتابع النائب روبير فاضل القضية، متصلاً برئيسيّ الجمهورية والحكومة وعدد من القيادات. وشدد على ضرورة وصول التحقيقات الى خاتمتها وتوقيف المتورطين بما يساعد على طي هذا الملف بشكل نهائي، ويحافظ على أمن واستقرار طرابلس. ورأى أن ما حصل كان وفق قاعدة «رُبَّ ضارة نافعة » حيث ساهم في إنعاش الحراك المسيحي ـ الاسلامي للتضامن في وجه الفتنة، والتأكيد على تمسك الجميع بالعيش الواحد، وإظهار صورة الفيحاء الحضارية الجامعة الرافضة لكل أشكال التطرف والعنف، والداعمة للأب سروج في عودته الى مكتبته ومساعدته على إعادة ترميمها وتأهيلها وإعادتها الى سابق عهدها.

وكان الأب سروج شارك إلى جانب متروبوليت طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس أفرام كرياكوس وعدد من الكهنة في قداس عيد الغطاس وظهر في «كاتدرائية مار جاورجيوس» في الزاهرية، بحضور ممثلين عن هيئات المجتمع المدني الذين حرصوا على مرافقة سروج بعد القداس في مسيرة اخترقت شوارع المدينة، وصولا إلى المكتبة في شارع الراهبات، وسط ترحيب من أصحاب المحلات التجارية المحيطة الذين عبروا عن تضامنهم مع «الأب المناضل» وعن تمسكهم ببقائه في مكتبة السائح التي تعتبر كنزاً ثقافياً فريداً من نوعه يغني هذه المنطقة.

ودخل الأب سروج الى مكتبته، وتفقد الأضرار التي ألحقها الحريق بالكتب، وأكد في تصريح له أنه متمسك ببقائه بين أهله وناسه وشعبه، وبإعادة وضع المكتبة في خدمتهم جميعاً وفي خدمة العلم والثقافة، مشدداً على أن ما أتى عليه الحريق من كتب يمكن أن يعوض، وستعود المكتبة أفضل مما كانت عليه، لافتاً الانتباه إلى أن العاطفة الطرابلسية التي غمرته في مصابه جعلته أكثر قوة وصلابة، شاكراً الأيادي المباركة التي عملت على إزالة آثار الحريق وعملت على حماية الكتب التاريخية النادرة.

من جهة ثانية، زار الأب سروج الوزير فيصل كرامي في منزله وتداولا في ملاسبات إحراق المكتبة، وأكد كرامي أن جريمة إحراق مكتبة الأب سروج طالت كل أبناء المدينة بدون استثناء، وهي لا تعبر عن أخلاق طرابلس. وقدم كرامي كتاب سيرة الزعيم عبد الحميد كرامي إلى الأب سروج الذي شكره على وقوفه الى جانبه وما أظهره من تضامن، معتبراً أن هذا الكتاب سيكون «خميرة» التأسيس الجديد للمكتبة التي ستبقى منارة ثقافية وعلمية في طرابلس».

من جهته رأى رئيس بلدية الميناء السابق عبد القادر علم الدين أن إحراق مكتبة السائح يهدد تاريخ وذاكرة طرابلس بالانقراض، فالمكتبة تهتم بتاريخ المدينة الاسلامي والمسيحي، والأب سروج يمتلك تاريخاً نادراً للمدينة غير موجود لدى أغلبية الطرابلسيين، لافتاً الانتباه الى أن طرابلس اليوم أمام امتحان الحفاظ على تنوعها وعلى صفتها التاريخية كمدينة للعلم والعلماء.