جريدة السفير 6-1-2014: حملة لإعادة الترميم ومطالبة بتوقيف المرتكبين طرابلس تتضامن مع نفسها.. ومع «مكتبة السائح»
نشر بتاريخ 07/01/2014

جريدة السفير 6-1-2014:

 

حملة لإعادة الترميم ومطالبة بتوقيف المرتكبين

طرابلس تتضامن مع نفسها.. ومع «مكتبة السائح»

                        

اهتز «تاج العلم والعلماء» عن رأس طرابلس، بإقدام عدد من الموتورين على إحراق «مكتبة السائح» الأثرية العائدة إلى كاهن رعية الروم الأرثوذكس في المدينة الأب إبراهيم سروج، وذلك بناء على اتهامات ألصقت به، وجرى التداول بها خلال الأيام الماضية بأنه بصدد نشر دراسة تتضمن إساءات إلى النبي محمد .

وكان سروج قد سارع قبل جريمة إحراق المكتبة، إلى نفي الاتهامات جملة وتفصيلاً، وإبلاغ القوى الأمنية المعنية بأن تلك «الدراسة تعود إلى كاتب ملحد يدعى أحمد القاضي يسيء في كتاباته إلى الإسلام والمسيحية على حد سواء»، لكن ذلك لم يشفع له، ولم ينقذ مكتبته من الحرق.

لكنّ ما شهدته طرابلس من تضامن سياسي، ديني، مدني وشعبي غير مسبوق والتفاف حول الكنيسة الأرثوذكسية والأب سروج، ومن إسراع في احتواء ما حصل، ساهم في التخفيف من تداعيات هذه الجريمة وفي التأكيد أن طرابلس ستبقى متمسكة بعلمها وعلمائها وبعاداتها وتقاليدها وتنوعها، وبعيشها الواحد الإسلامي – المسيحي.

وقد تركت جريمة إحراق «مكتبة السائح» جرحاً كبيراً في صفوف عائلات طرابلس وأبنائها، الذين بدأوا يشعرون بأن ثمة جهات تسرق فيحاءهم منهم، وتسير بها إلى مكان يتنافى كلياً مع عاداتهم وتقاليدهم وتسامحهم. ورفعت الجريمة من منسوب الخوف لدى الطرابلسيين من بعض قوى الأمر الواقع، التي تنامى نفوذها في ظل الغياب السياسي والاسترخاء الأمني، وبدأت تصدر فتاوى بهدر دم، وإحراق ممتلكات، وإطلاق نار على أشخاص تحت عناوين مختلفة تهدف كلها إلى الإمعان في الإساءة إلى طرابلس وصورتها الحضارية، وتهدد كل أبناء المدينة على اختلاف توجهاتهم السياسية وطوائفهم ومذاهبهم .

وفي هذا الإطار تتخوف أوساط طرابلسية من إمكانية بدء تنفيذ بنود المؤامرة التي تحاك ضد طرابلس بهدف عزلها عن محيطها بالكامل، وتحويلها الى بؤرة للتطرف والانغلاق، لافتة إلى أن التراخي في التصدي للاعتداءات التي طالت شريحة من الطرابلسيين في أنفسهم وممتلكاتهم، شجع المتربصين شراً بالمدينة على توسيع رقعة اعتداءاتهم باستهدافهم وجهاً مسيحياً معتدلاً، ومكتبة تعتبر كنزاً ثقافياً نادراً .

لكنّ ما يثير الاستغراب هو عدم قيام أي جهة في طرابلس بخطوات استباقية ووقائية حيال حماية مكتبة السائح الأثرية، وعدم الإسراع في تظهير براءة الأب سروج ممّا نسب إليه على الملأ وأمام الإعلام، خصوصاً أن هذه الاتهامات بدأت منتصف الأسبوع الماضي ونتج منها قيام شبان باقتحام المكتبة وإطلاق النار على عامل فيها يدعى بشير الحزوري، في وقت لم تقم القوى الأمنية بملاحقة مطلقي النار الذين نفذوا عمليتهم في وضح النهار وعلى مرأى من المواطنين في شارع الراهبات المكتظ بالناس. «مكتبة السائح» إحدى أهم المكتبات في طرابلس وأغناها على الإطلاق، وقد أسسها سروج في العام 1972 في مبنى أثري كان سابقاً سياراً للدرك، وقبلها «مدرسة الأميركان» في العهد العثماني . والمكتبة تشكل قبلة أنظار الباحثين والمفكرين والأدباء والطلاب كونها تضم أكثر من 85 ألف كتاب .

وبدا بعد إخماد الحريق أن النيران أتت على نحو 40 في المئة من محتويات المكتبة. وقد سارع عدد من المتطوعين في الهيئات المدنية في طرابلس إلى القيام بأعمال التنظيف والفرز لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثروة الثقافية التي تختزنها .

وتشير بعض المصادر إلى إمكان ارتباط ما حصل بنزاع عقاري بين سروج وأصحاب المبنى الأثري الذي تقع ضمنه المكتبة، خصوصاً أن محاولات عدة جرت من قبلهم عبر القضاء لإخراج سروج من المبنى لكن دون جدوى .

تضامن واستنكار

وكانت طرابلس قد شهدت منذ صباح أمس الأول حركة تضامنية ناشطة مع سروج، بدأها النائب روبير فاضل بجولة على القيادات السياسية والدينية والأمنية في محاولة منه لاحتواء الموقف بصفته النائب الأرثوذكسي عن طرابلس، وتأكيده أن هذا العمل هو فردي ولا يستهدف المسيحيين عموماً، ولا يمت بصلة إلى عادات أهل المدينة وتقاليدهم. ودعا الأجهزة الأمنية إلى «الإسراع في توقيف الفاعلين المعروفين» .

وعُقد في مكتب قائد سرية درك طرابلس العميد بسام الأيوبي في السرايا اجتماع ضمّ إلى فاضل، الشيخ سالم الرافعي، الشيخ نبيل رحيم، الأب سروج، رئيس فرع المعلومات في الشمال المقدم محمد عرب، نائب قائد منطقة الشمال في قوى الأمن الداخلي المقدم عبد الناصر غمراوي وعدداً من الضباط .

وأكد الأيوبي أن التحقيقات أظهرت أن ما نُسب للأب سروج من اتهامات هو عار من الصحة، مشددا على أن كل من يثير الفتنة في طرابلس مصيره السجن .

ثم تحدث الرافعي فأكد أن «الإسلام يستنكر أي مظلمة تقع على أي مسلم أو مسيحي، وأي مظلمة تصيب المسيحيين في طرابلس نستنكرها»، مطالباً بإنزال العقوبات بمن حرض على إحراق المكتبة ومن قام بهذا العمل .

كذلك عقد مفتي طرابلس والشمال مالك الشعار اجتماعاً في دارته بحضور شخصيات سياسية ودينية، ووصف الأب سروج برجل الفكر والحوار والانفتاح. وقال إن «رجلاً بهذا العطاء للبلد ولقضاياها الأساسية لا يكافأ بحرق مكتبته، أو بالتعرض لحياته».

أضاف: «يهمنا أن نبين أن هذه الفعلة النكراء لا يمكن أن تكون إلا من صنع أياد خبيثة» .

وعقدت «لجنة متابعة إعلان طرابلس» في قوى «14 آذار» اجتماعاً في منزل النائب محمد كبارة الذي تلا بياناً باسم المجتمعين شجب فيه الجريمة واتهم العقول السوداء بالعمل على إلصاق تهمة التطرف والتعصب بطرابلس. ثم انتقل المجتمعون إلى مطرانية الروم الأرثوذكــــس واجتمعوا مع المطران أفرام كرياكوس بحـــــضور المطرانين جــــورج بوجـــــودة (المــــوارنة) وإدوار ضاهر )الملكـــــيين الكاثوليك) وعــــدد من الفاعــــليات الأرثوذكـــسية .

وكان اللواء أشرف ريفي قد زار كرياكوس. وأكدّ «أننا كطرابلسيين معنيون بترميم المكتبة وإعادة تجهيزها كما كانت سابقاً». وزار المطرانية وفد من «جمعية العزم والسعادة الاجتماعية»، وشخصيات سياسية واجتماعية ودينية وأمنية .

ونفذت هيئات المجتمع المدني اعتصاما أمام المكتبة، جرى خلاله إطلاق حملة لإعادة ترميمها، وألقيت كلمات للمشاركين رفضت زج طرابلس في أتون الفتنة .

وكانت مواقف عدة قد استنكرت إحراق «مكتبة السائح». ورفض رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي أي إساءة إلى طرابلس وأبنائها، وقال: «نحن أمة اقرأ ونرفض كل تصرف انفعالي». ورأى الرئيس فؤاد السنيورة أن إحراق المكتبة جريمة مشبوهة تخدم أعداء لبنان. وأكد وزير المال محمد الصفدي أن «أحدا لن يستطيع نزع هوية طرابلس التي تحتضن التنوع». واعتبر الوزير فيصل كرامي أن «إحراق المكتبة في المضمون والجوهر بداية لإحراق تاريخ طرابلس ومستقبلها». ودعا النائب السابق مصباح الأحدب إلى ملاحقة الفاعلين. وحذر وزير الثقافة كابي ليون من أصوات التطرف. ورأى رئيس بلدية طرابلـــــس نادر غزال أن الاعتداء يستــهدف طرابلس أكثر مما يستهدف مكتبة الأب سروج .

واعتبر رئيس «المنتدى القومي العربي في الشمال» فيصل درنيقة أنّ «إحراق مكتبة السائح لا يسيء إلى الأب سروج فحسب بل إلى طرابلس وقيمها الأخلاقية والحضارية».