جريدة السفير 22-1-2014 الجيش وحيداً في طرابلس.. والتوتّر مستمر
نشر بتاريخ 22/01/2014

جريدة السفير 22-1-2014

 

الجيش وحيداً في طرابلس.. والتوتّر مستمر

 

ثمة معطيات وتناقضات كثيرة تساهم في إبقاء المحاور التقليدية على سخونتها في النسخة 19 من جولات العنف العبثية التي تحاصر التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن بالحديد والنار، وتُمعن في تشويه صورة طرابلس وفي تعطيل كل مرافقها وتفاصيل الحياة فيها.

وبدا واضحا أن بعض المجموعات المسلحة تخوض هذه الجولة على قاعدة «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، خصوصا عندما فوجئت بـ«الاستدارة الحريرية» نحو المشاركة مع «حزب الله» في حكومة وطنية جامعة، من دون أن تحصل على ضمانات، أقله على صعيد الحماية واستمرار الدعم المالي، ما دفعها الى صب جام غضبها على الرئيس سعد الحريري ولأول مرة منذ العام 2005 لم يطلق المسلحون النار ابتهاجا باطلالته التلفزيونية ليل أمس الأول.

ووجدت بعض الأطراف السياسية في الجولة 19 فرصة سانحة للهجوم على خصومها المحليين، أولا من أجل تغطية الاستدارة الحريرية والتخفيف من الاحراج الشعبي الذي تسببت به، وثانيا لقطع الطريق أمامهم في الاستفادة الشعبية من موقف الحريري المستجد والذي عطل وألغى كل مفاعيل الشعارات والمواقف التي أطلقتها قوى «14 آذار» بكل مكوناتها منذ قبول الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة المستقيلة.

كما وجدت أطراف أخرى في هذه الجولة مناسبة للتحريض على الجيش اللبناني، وذلك ضمن المخطط المستمر والهادف الى جر المؤسسة العسكرية الى صدام مع أبناء طرابلس، وما شهده شارع سوريا صباح أمس بعد انتشار وحدات الجيش فيه، من استهداف إحدى الدوريات بالقنابل والرصاص وإصابة ضابط وأربع عسكريين، هو أكبر دليل على ذلك.

وكذلك وجد بعض السياسيين الأمر مؤاتيا لتحميل الجيش مسؤولية ما يجري، في الوقت الذي يستمرون فيه باعتماد اللغة المزدوجة في مسايرة المجموعات المسلحة وتوفير الغطاء لها بشكل غير مباشر من جهة، والطلب الى الجيش الضرب بيد من حديد من جهة أخرى، وقد بلع هؤلاء ألسنتهم يوم أمس عندما قدم الجيش دماء ضباطه وعناصره الجرحى على مذبح حفظ الأمن في التبانة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إصدار بيان يستنكرون فيه التعرض للجيش، أو التشهير بالمعتدين الذين باتوا معروفين من قبل الجميع.

أمام هذا الواقع، ترى مصادر مطلعة متابعة أن المتضررين من الحكومة الجامعة، يضحون اليوم بطرابلس وبسلامة أهلها من أجل تحقيق بعض المكاسب الشخصية، لافتة الانتباه الى أن ما بدأت تشهده المدينة مؤخرا على صعيد تنامي نفوذ المجموعات المسلحة ومجاهرة بعضها بالانتماء الى «القاعدة» أو «جبهة النصرة»، واستمرار توفر التغطية الدينية والسياسية لبعضها، وصولا الى تجرؤها على المؤسسة العسكرية باستهداف ضباطها وعناصرها، ينذر بكارثة كبرى، مؤكدة أن «الوحش» الذي تقوم بعض الأطراف برعايته اليوم، سينقض عليها قبل غيرها عندما يجد الفرصة مؤاتية لذلك، وعندها فان طرابلس ستدفع أثمانا باهظة، على غرار الأثمان التي دفعتها في العام 1985.. أو في أن تكون آخر المعارك في سوريا على أرض طرابلس.

 

ميدانيا

 

وكانت المحاور التقليدية شهدت محاولات حثيثة من قبل بعض المجموعات من أجل تعطيل انتشار الجيش اللبناني في محاور القبة وجبل محسن الذي بدأ عند السادسة من مساء أمس الأول، وقد نجحت في ذلك، فشهدت كل محاور القتال اشتباكات عنيفة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية واستمرت حتى ساعات الفجر الأولى من يوم أمس، فيما رد الجيش على مصادر النيران بعنف.

وعند السادسة صباحا أعاد الجيش اللبناني الكرة في خطة الانتشار ودخل الى شارع سوريا والى سائر المحاور وأجبر المسلحين على الانكفاء، وبث بعضا من الطمأنينة في نفوس المواطنين الذين عادوا لتفقد الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم.

لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، فبعد الانفجار الذي استهدف حارة حريك في الضاحية الجنوبية، سارعت بعض المجموعات المسلحة الى إطلاق النار ورمي القنابل ابتهاجا، الأمر الذي أربك معظم المحاور، فباشر الجيش بتسيير دوريات راجلة ومؤللة للحد من إطلاق النار، فتعرضت إحدى الدوريات لرمي قنبلة يدوية وإطلاق نار كثيف من قبل عدد من المسلحين ما أدى الى إصابة ضابط وأربعة عسكريين، ورد الجيش على مصادر النيران وعمل على ملاحقة المسلحين الذين تراجعوا الى الأحياء الداخلية التي لم يدخلها الجيش من ضمن الخطة الأمنية حتى الآن بسبب الاعتراضات الكثيرة من قبل بعض الأطراف.

وأدى هذا الارباك الأمني الى قيام إحدى المجموعات برمي القنابل وإطلاق النار باتجاه جبل محسن، فحصل اشتباك على محور بعل الدراويش أدى الى مقتل الفتى عمر علوش (17 عاما) فتطور الأمر الى توسيع رقعة المواجهات لتشمل محاور أخرى، وسارع الجيش الى الرد على مصادر النيران وإعادة ضبط الوضع.

واستمر الهدوء الحذر مخيما على المحاور التي شهدت طيلة بعد الظهر ومساء أمس مناوشات متقطعة وأعمال قنص متفرقة، كان الجيش اللبناني يرصد مكانها ويرد عليها، بعدما عزز من تواجده على المحاور واتخذ مواضع قتالية للرد على الخروق الأمنية أو على أي اعتداء قد يتعرض له مجددا، خصوصا في ظل توقف الاتصالات السياسية التي نشطت يوم أمس الأول وأصرت على إعادة انتشار الجيش، وغابت يوم أمس كليا عن مواكبة الاجراءات الميدانية التي تم اتخاذها.

وأدت الاشتباكات الى ارتفاع حصيلة هذه الجولة الى 7 قتلى و 65 جريحا من ضمنهم 10 عسكريين بينهم ضابطان برتبة ملازم أول.