جريدة السفير 20-1-2014 رسالة اعتراض أمنية للحريري «المتخاذل» طرابلس: تَقاطُع مصالح يُفجّر «الجولة 19»
نشر بتاريخ 20/01/2014

جريدة السفير 20-1-2014

 

رسالة اعتراض أمنية للحريري «المتخاذل»

طرابلس: تَقاطُع مصالح يُفجّر «الجولة 19»

 

تداخلت العناوين في جولة العنف رقم 19 في طرابلس، وبدا أن ثمة تقاطع مصالح بين بعض الجهات المستفيدة من إعادة إشعال المحاور التقليدية بين التبانة والقبة والمنكوبين مع جبل محسن، سعيا وراء تحقيق بعض الأهداف والمكاسب عشية تشكيل الحكومة الجديدة.

لم تكن الجولة 19 وليدة صدفة أو حدث معين، بل كانت منتظرة من قبل كل أبناء طرابلس الذين عاشوا منذ أواخر العام الماضي على سيل من الشائعات التي كانت تضرب المواعيد لانطلاق المعركة في مطلع العام الحالي، وعايشوا سلسلة محاولات للتفجير ومشاريع معارك كان الجيش اللبناني يعمل على إحباطها سريعا، لكنها في الوقت نفسه كانت تساهم في تسخين أرضية المحاور وتجهيزها، بانتظار الفرصة السانحة.

وساهمت التطورات السياسية والأمنية المتسارعة نهاية الاسبوع الفائت، في إعطاء المجموعات المسلحة أكثر من ذريعة لاعطاء إشارة الانطلاق للجولة المرتقبة.

فسارع مسلّحون من التبانة الى "الثأر" لإطلاق الصواريخ على عرسال، بفتح النار على جبل محسن. واستكمل المشهد بصورة بشعة من صور الحرب الأهلية تمثلت بتصفية المواطن طالب عاصي (من جبل محسن) باطلاق النار عليه مع شخص آخر في القبة، فتحرك "أولياء الدم" في الجبل وردوا على النار بالنار، ما أدى الى خروج بعض المحاور عن السيطرة ليل الجمعة ـ السبت.

ووجدت بعض المجموعات في موقف الرئيس سعد الحريري الايجابي من مشاركة "حزب الله" في حكومة جامعة، فرصة جديدة للتعبير عن غضبها باطلاق النار أيضا على جبل محسن، وترافق ذلك مع حملة على الحريري في التبانة التي شهدت توزيع بيانات وتصريحات لبعض مسؤولي المجموعات المسلحة شنوا هجوما عنيفا على الحريري واتهموه بـ"التخاذل وببيع دماء والده ودماء الطائفة السنية من أجل السلطة"، ودعوه الى "البقاء في الخارج وعدم العودة الى لبنان".

ويشير عدد من مسؤولي المسلّحين الى أنها ليست المرة الأولى التي "يتخلى فيها الحريري عنا، فعندما كنا نقاتل جبل محسن للثأر بعد اتهامات الحريري للنظام السوري باغتيال والده، فوجئنا بزيارته سوريا وتخليه عنا، واليوم نقاتل جبل محسن للثأر من تفجيري المسجدين، ورفضا لمشاركة حزب الله في معارك سوريا، فاذا به يمد يده لمشاركة حزب الله وإعطائه صك براءة، فضلا عن تخليه أكثر من مرة عن الاسلاميين الذين كان يستخدمهم لمصلحته السياسية في كل مرة ومن ثم يتخلى عنهم".

وقد ترجمت هذه المواقف بتسعير المواجهات مع جبل محسن ليل السبت ـ الأحد الذي استخدمت فيه الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية.

كذلك فان بعض المجموعات، التي تشكل لها التوترات الأمنية وجولات العنف مصدر رزق، دخلت المعركة لفرض شروطها في المرحلة المقبلة، أقله على صعيد استمرار دعمها بالمال في حال تم تشكيل حكومة جامعة قد ترفع الغطاء عنهم وبالتالي يصبح توقيفهم سهلاً، سياسياً، على الجيش.

كل هذه العناوين والتطورات، إضافة الى الاحتقان المتراكم بفعل المواقف السياسية والتحريضية والتعبئة العامة غير المسبوقة التي بدأت منذ عملية اغتيال الوزير الشهيد محمد شطح، ساهمت في دفع الوضع الأمني الى الانفلات على المحاور التقليدية في النسخة 19 من جولات العنف، والتي أدت حتى ليل أمس الى مقتل إمرأة وجرح 23 شخصا.

واللافت في هذه الجولة هو الغياب السياسي الكامل عن المعالجات، فلم تعقد القيادات السياسية والدينية في طرابلس اجتماعاتها المعتادة لمتابعة الأمور الميدانية، وتركت ذلك للجيش اللبناني المفوّض من قبلها حفظ الأمن، والمكلف من مجلس الدفاع الأعلى بتسلم الأمرة العسكرية في المدينة والضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه العبث بالأمن وتعريض سلامة المواطنين للخطر.

ويمكن القول إن الجيش نجح، حتى ليل أمس، في تطويق أكثرية المواجهات الدائرة على المحاور وفي منع اتساع رقعتها، حيث عمل طيلة الفترة الماضية على بناء تحصينات على خطوط التماس بهدف كشف أكثرية مواقع المسلحين والقناصين.

وقد سارع الجيش الى استقدام تعزيزات إضافية ورد بقوة على مصادر النيران، وعمل على ملاحقة المسلحين واستهدافهم وجرح عدد منهم، ومحاصرة بعضهم لا سيما في مشروع الحريري والشعراني، وأوقف ثلاثة مسلحين من المنكوبين كانوا يقيمون حاجزا في منطقة السقي بهدف السرقة، وتصدى للأهالي الذين قطعوا الطريق احتجاجا على توقيفهم، كما أوقف أحد المسلحين في جبل محسن، ونفذ سلسلة مداهمات لأماكن في التبانة والقبة و"الريفا" وجبل محسن.

ولا شك في أن الاجراءات الاستثنائية التي اتخذها الجيش قد حالت دون تطور المواجهات المسلحة وحصرها فقط خلال فترات الليل حيث يمكن للمسلحين أن يتحركوا في الخطوط الخلفية ويطلقون الرشقات النارية أو القذائف الصاروخية.

وخلال فترة الليل تبدلت الأمور، فتخلى المسلحون على كل المحاور عن حذرهم وشاركوا في المواجهات، ما أدى الى ارتفاع حدة الاشتباكات بشكل عنيف على مختلف المحاور بين التبانة والقبة والمنكوبين مع جبل محسن، حيث استخدمت الاسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية التي ترددت صداها في مختلف أرجاء المدينة، واستمرت حدة الاشتباكات عنيفة حتى ساعات متأخرة من الليل، وأسفرت عن احتراق مستودع للألعاب في الحارة البرانية إضافة الى عدد من البسطات على جسر أبو علي.

ومع ذلك، استمر الجيش اللبناني بالتصدي للمسلحين والرد على مصادر النيران بالرغم من صعوبة مهمته خلال فترات الليل.

وأصدر "أولياء الدم" في جبل محسن بيانا نشر على مواقع التواصل الاجتماعي أشاروا فيه الى أن "الاعتداءات تحولت الى إعدامات على الطرقات كما حصل مع الأخ طالب عاصي الذي تم إعدامه أمام أعين الناس والأجهزة الأمنية"، مؤكدين أن "المعركة مستمرة، ستكون أشد يوما بعد يوم، وليعلم المجرمون أن في جبل محسن رجالا يدافعون بشراسة عن منطقتهم وأهلهم وأن كل اعتداء مقبل على أهلنا سيكون سببا في فتح باب جهنم على المعتدين".

وتشير مصادر ميدانية لـ"السفير" الى أن المجموعات المسلحة تسعى لارباك الجيش وإنهاكه من خلال نقل المواجهات من محور الى آخر، لافتة الانتباه الى أن لهذه الجولة إدارة تعمل على قيادتها وعلى إعطاء التوجيهات الى المسلحين لفتح الجبهات وإغلاقها بحسب تحركات الجيش، مبدية استغرابها ترك الجيش وحيدا في ميدان المعركة، من دون أي دعم معنوي، سواء من القيادات السياسية أو المجتمع المدني.

وتؤكد مصادر عسكرية أن ما يجري لم يرق بعد الى مستوى جولات العنف السابقة، وأن الجيش يبذل جهدا مضاعفا من أجل وضع حد لها، وهو لا يتوانى عن ملاحقة المسلحين وإطلاق النار عليهم وإصابتهم في أماكن غير قاتلة، ما يجبرهم في كل مرة على التراجع والانكفاء.

وشددت هذه المصادر على أن توجيهات القيادة العسكرية واضحة، وهي أن العبث بالأمن خط أحمر، مشيرة الى أن الجيش سيعزز من تواجده على المحاور كافة، وستكون له تدابير وتحركات عسكرية تصعيدية وغير مسبوقة في وجه المجموعات المسلحة التي لن تمتثل لأوامر الانكفاء ووقف إطلاق النار.