جريدة السفير 18-03-2014 اشتباكات اليوم الخامس تعطّل الحياة في الفيحاء طرابلس: الجيش في مرمى المسلّحين
نشر بتاريخ 18/03/2014

جريدة السفير 18-03-2014

 

اشتباكات اليوم الخامس تعطّل الحياة في الفيحاء  طرابلس: الجيش في مرمى المسلّحين

 

دخلت طرابلس في حرب استنزاف حقيقية، مع فشل كل المساعي الرامية الى وضع حد لنيران الجولة الـ20 التي يبدو أنها تجاوزت المعالجات التقليدية التي كانت تعتمد في جولات سابقة، بعدما دخل عنصر استهداف الجيش اللبناني على خط المواجهات، وأدى الى تحويل النقاط العسكرية الى خطوط تماس جديدة مع بعض المجموعات المسلحة.

وتتعاظم المخاوف في طرابلس من إمكانية أن يؤدي الاستهداف المنظم والممنهج للجيش، والذي ترجم ليل أمس الأول باطلاق القذائف الصاروخية على خمسة مواقع عسكرية، الى خروج الأمور الأمنية عن السيطرة بشكل كامل، وتحويل بوصلة المعركة من جبل محسن الى المؤسسة العسكرية، ما يهدد جديا بإعادة سيناريو مخيم نهر البارد أو عبرا في مناطق عدة من طرابلس.

وما يضاعف من هذه التهديدات هو عدم تجاوب المجموعات المسلحة مع كل المساعي السياسية التي جرت لاقناعهم بالالتزام بوقف إطلاق النار تمهيدا لاعادة انتشار الجيش في مناطق التوتر، ورفض مسؤولو هذه المجموعات بشكل علني دخول الجيش مجددا الى هذه المناطق وتأكيدهم على أنهم قادرون على وقف إطلاق النار من دون الجيش، إذا التزم الطرف الآخر أي «الحزب العربي الديموقراطي» بذلك.

وقد أوحت هذه التطورات، التي وقفت القيادات السياسية في المدينة عاجزة عن التصدي لها، بتوجّه لدى بعض المجموعات المسلحة لفرض حكمها وسطوتها على هذه المناطق بشكل كامل فيها بمعزل عن الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وتحويلها بالتالي الى مناطق خارجة عن القانون.

وما عزز من هذا الاتجاه، هو خروج مجموعات مسلحة ليل أمس الأول، لاستهداف الجيش وعودتها سريعا الى داخل مناطق التوتر.

وما يثير الاستغراب والتساؤلات في طرابلس هو الأسباب الكامنة وراء هذه التحولات الدراماتيكية التي تشهدها مناطق التوتر في الجولة الـ20، حيث أن القتال المستمر مع جبل محسن منذ 19 جولة، تحت شعار الدفاع عن النفس كان يشكل الغطاء السياسي والشرعي لسلاح المجموعات، في حين أن بعض هذه المجموعات بدأت اليوم تستخدم سلاحها ضد الجيش، وترفض دخوله الى مناطقها.

وإذا كانت هذه المجموعات تستخدم سلاحها ضد جبل محسن باعتباره موالياً للنظام السوري، وانتقاما لتفجيري «التقوى» و«السلام»، واحتجاجا على عدم تسليم المتورطين الى القضاء، وقبل ذلك بفعل العداء التاريخي القائم بين الجبل وبين التبانة والقبة والمنكوبين، فإن أحدا في المدينة لا يجد أي مبرر لهذا الخروج عن منطق الدولة، ولا يقبل بأن تستخدم هذه المجموعات سلاحها ضد الجيش الذي كان على مدار الجولات السابقة يرد بعنف على مصادر النار ويلاحق المسلحين ولا يزال، وتحظى إجراءاته بإجماع وطني.

كذلك لا يمكن لأي جهة سياسية أو دينية تغطية سلوك هذه المجموعات، لكن ما يحصل على أرض الواقع يشير الى أن ثمة من يحاول استدراج الجيش الى معارك من هذا النوع، وفي هذا الوقت بالذات، عشية نيل حكومة «المصلحة الوطنية» الثقة، واستحقاق انتخابات رئيس الجمهورية، فضلا عما يجري من سقوط للمناطق السورية بيد الجيش النظامي. أو كما يشير مطلعون الى إمكانية أن تكون ورقة بعض هذه المجموعات قد سقطت وأن التعنت في مواقفها وتحريضها على الجيش واستهدافه قد يكون مقدمة لضربها بتوافق كل الأطراف السياسية التي تتشارك في الحكومة السلامية.

وقد تكثفت الاتصالات السياسية لاحتواء الأزمة الأمنية في طرابلس قبل أن تصل الى ما لا يحمد عقباه، وقد بادر النائب محمد كبارة الى الاتصال برئيس الحكومة تمام سلام ووضعه في أجواء ما يحصل في المدينة.

وفي هذا الاطار يرأس سلام عند الرابعة من بعد ظهر اليوم اجتماعا سياسيا ـ أمنيا بمشاركة نواب ووزراء المدينة والقيادات الأمنية المعنية لاتخاذ التدابير والاجراءات التي من شأنها أن تضع حدا لهذا النزف المستمر في العاصـمة الثانيـة.

في غضون ذلك، يستمر الشلل مسيطرا على مختلف مرافق المدينة التي تعطلت فيها المدارس والجامعات لليوم الخامس على التوالي، وغابت الحركة التجارية في أسواقها، فيما تكاد مناطق التوتر تلفظ أنفاسها الأخيرة بفعل الحصار المفروض عليها، بفعل الاشتباكات التي تعنف حينا وتتراجع أحيانا، وأعمال القنص المستمرة على مختلف المحاور.

 

ميدانياً

 

شهدت طرابلس أمس الأول ليلة عنيفة من الاشتباكات استهلت باستهداف ممنهج لعدد من النقاط العسكرية، حيث قام مسلحون باطلاق قذائف أربي جي مع رشقات نارية غزيرة على مراكز الجيش اللبناني في: الملولة، بعل الدراويش، السنترال، الشيخ عمران، ومستديرة أبو علي. كما أطلق مسلحون قذيفة مماثلة على مركز الجيش في محلة الغرباء أخطأت هدفها ودخلت الى «مستوصف العزم» وحطمت محتوياته.

وقد ردّ الجيش على مطلقي النار بغزارة وأطلق العديد من القنابل المضيئة لكشف أماكنهم وملاحقتهم.

بعد ذلك عنفت المعركة باتجاه جبل محسن، حيث شهدت المحاور اشتباكات عنيفة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون، وتركزت على محاور البقار، طلعة العمري، سوق الخضار، ستاركو، بعل الدراويش، البازار والملولة، وتابع الجيش رده على مصادر النيران بغزارة في محاولة منه لإجبار المسلحين على التراجع والانكفاء.

وصباحا تراجعت حدة المعارك وساد هدوء حذر مع استمرار أعمال القنص الذي ساهم في الابقاء على قطع الطريق الدولية التي تربط طرابلس بعكار، مع تسجيل بعض المناوشات المتقطعة.

وبعد الظهر عنفت الاشتباكات مجددا مع الحديث عن إمكانية لانتشار الجيش عند الساعة الثالثة، ما يشير الى تمسك بعض المجموعات بموقفها لجهة رفض دخول الجيش مجددا الى مناطقها ومواجهة ذلك بتسعير المعارك مع جبل محسن الذي لم تتوقف أعمال القنص الصادرة عن مناطقه.

واستمر الوضع على ما هو عليه حتى ساعات الليل، فيما تابع الجيش كل الاجراءات الكفيلة بمحاصرة المسلحين ضمن محاورهم، وقد أدت المواجهات الى ارتفاع عدد الجرحى الى نحو 80 شخصا، فيما ارتفع عدد القتلى إلى 11، إضافة إلى وليد برهوم الذي كان اغتياله سبباً مباشرا في اندلاع الاشتباكات وقتيل آخر سقط في إشكال فردي بعيداً عن مناطق الاشتباكات.

 

اعتصام للمجتمع المدني

 

نفّذ المجتمع المدني في طرابلس اعتصاماً رمزياً، أمس، أمام سرايا المدينة، احتجاجا على استمرار المواجهات المسلحة والفلتان الأمني ورفضا لاستمرار توقف الدراسة في المدارس والجامعات، وذلك بمشاركة طلاب وأهاليهم.

ورفع المشاركون في الاعتصام الاعلام اللبنانية ولافتات كتب عليها «نريد ان نتعلم»، «يكفي حربا»، كما وضعوا الحقائب المدرسية على الارض، وأطلقوا هتافات طالبوا فيها بإعادتهم إلى المدارس.

وتحدث رئيس «جمعية بيت الاداب والعلوم» محمد ديب، فطالب بوقف القتال في المدينة، «وعدم استخدامه لتمرير الرسائل».