جريدة السفير 17-03-2014 طرابلس: لماذا استهداف الجيش؟ الجولة الـ20 عصيّة على الاحتواء
نشر بتاريخ 17/03/2014

جريدة السفير 17-03-2014

 

طرابلس: لماذا استهداف الجيش؟  الجولة الـ20 عصيّة على الاحتواء

 

بدت جولة العنف الـ20 في طرابلس عصيّة على الاحتواء، وذلك بعدما تشعّبت محاورها والمواجهات فيها، بين «الحزب العربي الديموقراطي» في جبل محسن وبين المجموعات المسلحة في التبانة والقبة والمنكوبين من جهة، وبين بعض هذه المجموعات وبين الجيش من جهة ثانية، وبين المسلحين أنفسهم في التبانة والذين ينقسمون بين مؤيد لاستهداف الجيش ورافض له من جهة ثالثة.

وبدا واضحا، أن ثمة محاولات تهدف الى استدراج الجيش الى معركة، من خلال استهداف آلياته وعناصره ما أدى استشهاد عسكري وجرح آخرين، وذلك بعد حملة التحريض عليه التي بدأت قبل أسابيع وبلغت مداها أمس، مع مقتل أحد مسؤولي المجموعات المسلحة في التبانة مصطفى النحيلي. لكن الجيش نجح في تفويت الفرصة على المتربصين شرا به وبالمدينة التي نجحت أيضا في تجاوز قطوع الفتنة مع المؤسسة العسكرية للمرة الثانية خلال أشهر قليلة.

ولم يشفع التوافق بين الأطراف السياسية على البيان الوزاري للحكومة، في وضع حد للمعارك العبثية الدائرة في طرابلس التي لم يأت البيان بالأساس على ذكرها.

كما لم يبدّل سقوط يبرود في سوريا من الإستراتيجيات الأمنية المعتمدة في طرابلس لجهة استخدامها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات محلياً وإقليمياً، خارجة عن أي سيطرة سياسية أو أمنية ومتروكة لقوى الأمر الواقع تتحكّم بها وبقراري السلم والحرب فيها. وذلك في ظلّ عجز واضح من كل القيادات عن إنقاذ طرابلس من براثن كل المجموعات المسلحة إلى أي جهة انتمت، خصوصا أن تلك القيادات ما زالت تعتمد لغة مزدوجة غير قابلة للصرف، ولا توفر أمنا ولا تحمي استقراراً.

وتركت المواجهات الضارية المستمرّة منذ أربعة أيام سلسلة تساؤلات في الأوساط الطرابلسية، أبرزها: لماذا الجولة الـ20 في هذا الوقت بالذات؟ وما هي الأهداف التي يراد تحقيقها منها؟ هل هي مرتبطة بمعارك يبرود؟ أم باستحقاقات محلية مقبلة؟ ومن أين تأتي كل هذه الكميات الهائلة من الأسلحة الرشاشة والصاروخية الى المجموعات؟ ومن يمول شراؤها؟ ولماذا كل هذا التحريض على المؤسسة العسكرية وصولا الى استهدافها المباشر بالنار؟ ولماذا الاصرار على تعطيل دور الجيش من خلال إرباكه وتكبيله بالتوازنات السياسية والاحتجاجات الشعبية على إجراءاته؟

الواضح حتى الآن، أن ثمة من يريد استهداف الجيش إنطلاقا من طرابلس، وإحراج قائده الذي كان أعلن أن لا جولة جديدة في المدينة، وجرّه بالتالي الى مواجهة خاسرة مع أبناء المدينة وعلى مستوى الوطن ككل. بالإضافة الى إبقاء الفيحاء «التنفيسة» الوحيدة لكل أنواع الاحتقان، من تشكيل الحكومة الى البيان الوزاري فسلاح المقاومة ورئاسة الجمهورية... وسائر الاستحقاقات الأخرى.

لذلك فقد وضِعت طرابلس اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن تتخذ القيادات السياسية مجتمعة قرارا وطنيا جريئا بحماية استقرارها، ويسمح بالتالي للجيش اللبناني بالقيام بكل المهام الموكلة إليه في حفظ الأمن وملاحقة الخارجين عن القانون، أو أن تتقدم المصالح السياسية على أمن المدينة وأهلها، بما ينذر بخروجها عن القانون وعن إطار الدولة. وعندها لن يعلو صوت فوق صوت سلاح الفوضى الذي سينال من القيادات السياسية والدينية في المدينة قبل سائر المواطنين.

في غضون ذلك، يستمر النزف في طرابلس التي يرتفع عدّاد الضحايا فيها على مدار الساعة، حيث وصل الى 10 قتلى بينهم شهيد للجيش اللبناني، وأكثر من 70 جريحا في أربعة أيام، فضلا عن مقتل وليد برهوم الذي شكلت عملية اغتياله شرارة إطلاق الجولة الـ20، وعبد الله كسرواني الذي استهدفه مسلحون ملثمون بقنبلة يدوية في ساحة النجمة ضمن إطار الاستفادة من الفلتان لتصفية الحسابات الشخصية.

 

ميدانيا

 

مع توافق الأطراف السياسية على إقرار البيان الوزاري ليل الجمعة ـ السبت، عم التفاؤل طرابلس بامكانية أن يؤدي ذلك الى اتخاذ قرار بوقف المعارك. وبالفعل فقد شهدت المدينة صباح السبت الفائت حركة شبه طبيعية، في وقت بدأ فيه الجيش اللبناني بالاستعداد لاعادة انتشاره على المحاور.

لكن هذا الانتشار ما لبث أن تعطل في مرحلته الأولى في محلة البقار مع رفض المجموعات المسلحة الالتزام بوقف إطلاق النار، فسارع الجيش الى تطويق بعض هذه المجموعات، لكنه جوبه باحتجاجات شعبية. وأدى ذلك الى تحريك المحاور الأخرى لا سيما في الشعراني والحارة البرانية وسوق الخضار وطلعة العمري وستاركو وبعل الدراويش التي شهدت اشتباكات متقطعة وأعمال قنص ناشطة.

وليل السبت ـ الأحد، ارتفعت وتيرة الاشتباكات على محاور التبانة ورد الجيش بعنف على المسلحين ما أدى الى مقتل مسؤول أحد المجموعات وهو مصطفى النحيلي، ما أثار حالة غضب حولت بوصلة المعركة من جبل محسن الى الجيش اللبناني، فأقدم مسلحون على استهداف أربع ملالات له بالقذائف الصاروخية أدت الى استشهاد العريف فادي السقعان وجرح ثمانية عسكريين ليرتفع عدد الجرحى الى 15. وشهدت بعض مناطق التبانة اشتباكات بين الجيش والمسلحين الذين ما لبثوا أن تراجعوا الى الأحياء الداخلية.

وانطلق بعد ذلك عمل الغرف السوداء التي بدأت حملتها التحريضية على الجيش عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت التسجيلات التي تهدد المؤسسة العسكرية وضباطها وأفرادها ولم تخل من الشتائم والاتهامات.

كما نزل بعض الشبان الى الشوارع على شكل مسيرات هتفت ضد الجيش بهدف الضغط عليه للتراجع عن إجراءاته، كما بثت بعض المساجد تكبيرات تعبيرا عن التضامن مع التبانة.

ونشطت الاتصالات السياسية على أعلى المستويات لتجنيب طرابلس فتنة عمياء، وقد أثمرت عن التهدئة، لتستمر المحاور مع جبل محسن مشتعلة حتى ساعات الصباح.

وأمس، شيع مصطفى النحيلي على وقع إطلاق الرصاص والقذائف الصاروخية. وبعد دفنه في جبانة التبانة، عادت المحاور الى سخونتها، بعدما فشلت كل المساعي في إقناع المجموعات المسلحة بوقف إطلاق النار، لتستمر الاشتباكات التي كانت تعنف تارة وتتراجع تارة أخرى مع الابقاء على أعمال القنص التي دفعت الجيش الى الاستمرار في قطع الطريق الدولية.

كذلك، كلّف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر «قيادة الدرك والشرطة العسكرية في الشمال، باستنابات قضائية تقضي بالبحث والتحري وإجراء التحقيقات الأولية والاستقصاءات عن مطلقي النار في الشمال، والمحرضين والمشتركين وكشف هويتهم وإلقاء القبض عليهم وسوقهم الى دائرته».

 

سياسيا

 

دان الرئيس نجيب ميقاتي، الذي أجرى سلسلة من الاتصالات مع قيادات طرابلس وفاعلياتها والقادة الأمنيين، «الانفلات الأمني في طرابلس»، داعياً الجميع الى «التوقف عن العبث بأمن المدينة وأهلها»، معتبراً انه «حان الوقت لكي ينعم أبناء طرابلس بالهدوء والامان بعد كل الاثمان التي دفعوها جراء استخدام مدينتهم كصندوق بريد للرسائل المتفجرة».

وأمل «أن ينعكس جو التوافق على تشكيل الحكومة إيجاباً على طرابلس وان يكون التقاء القوى السياسية كافة مناسبة لوقف جولات العنف التي عانينا منها كثيراً، وما زلنا نعتقد ان الفرصة موجودة»، مشدداً على «دعم جهود الجيش اللبناني وإدانة التعرض له واستهدافه».

كما تابع وزير العدل اللواء أشرف ريفي المستجدات، مؤكداً عدم السماح بوقوع فتنة بين اهالي المدينة والجيش.

من جهة ثانية، عقد نواب طرابلس و«اللقاء الوطني الاسلامي» وفاعليات من التبانة اجتماعا في منزل النائب محمد كبارة بمشاركة وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، لمتابعة التطورات الأمنية التي تشهدها المدينة.

وشدد المجتمعون على «ضرورة اعتماد التهدئة والتصرف بحكمة وتفويت الفرصة على المتربصين شرا الذين يحاولون جر طرابلس الى معركة من دون أفق، مؤكدين أن طرابلس مجتمعة تريد العيش في كنف الدولة بأمن وأمان، ولكن بعدالة وتوازن وتوازي بين الجميع، وترفض وضع أبناء المدينة في مواجهة الجيش والقوى الأمنية».

وشدد المجتمعون على ضرورة إعادة بناء الثقة بين أبناء المدينة وبين المؤسسات العسكرية والعمل على إجراء التحقيقات اللازمة حول ما حصل، وإعادة النظر بالاجراءات المتخذة وعدم الافراط في استخدام القوة.

وإذ استنكر المجتمعون أي استهداف أو اعتداء على الجيش، شددوا على ضرورة تطبيق العدالة على كل المخلّين بالأمن والخارجين عن القانون، بدءا من المتورطين بقضية مسجديّ «التقوى» و«السلام».

وأعلن المجتمعون أن وفدا طرابلسيا سيقوم بعد نيل الحكومة الثقة بجولة على الرؤساء الثلاثة والقيادات المعنية لوضعهم في أجواء ما يحصل.

وفي مؤتمر صحافي عقده في دارته، اتهم رئيس «لقاء الاعتدال المدني» النائب السابق مصباح الأحدب «بعض ضباط المخابرات بحماية وتمويل مسلحين مطلوبين واستخدامهم بأعمال مشبوهة، منها إطلاق النار على علويين وعلى وحدات الجيش في طرابلس ومن ثم يتهمون هذه المدينة بأنها إرهابية تكفيرية تقتل الأقليات وترفض الجيش».