جريدة السفير 10-06-2014 طرابلس: «صرخة نهر أبو علي»
نشر بتاريخ 10/06/2014

جريدة السفير 10-06-2014

طرابلس: «صرخة نهر أبو علي»

يكاد مجرى نهر أبو علي في طرابلس أن يتحوّل مكباً عشوائياً للنفايات،خارجاً عن إدارة السلطة المحلية، بعدما جرى التسليم من جانب المسؤولين المعنيينبالعجز عن إيجاد الحلول الناجعة للأزمة البيئية الناتجة عنه، والتي تتفاعل يوماًبعد يوم على ضفتيه، وفي ظل استمرار أصحاب محلات الخضار المنتشرة على طول الكورنيشبرمي النفايات الصادرة عن محالهم فيه.

ولا يقتصر الانتهاك البيئي لمجرى نهر أبو علي على رمي النفايات، فهويبلغ مداه مع مياه المجارير التي تصب فيه عبر عشرات القساطل الموصولة بريغاراتالمناطق الشعبية والتي تذهب مياهها الآسنة كلها في المجرى وعبره إلى البحر، في وقتما تزال محطة التكرير القائمة على رأس برج النهر والتي دشنها الرئيس فؤاد السنيورةعشية انتخابات العام 2009، تنتظر مشروع ربط القساطل ببعضها البعض لوصول المياهالمبتذلة إليها، وقد تحوّلت هذه القساطل، وفق بعض الخبراء، إلى خردة وباتت تحتاجإلى أعمال تأهيل وصيانة بكلفة مماثلة لكلفة إنشائها.

وما يثير مخاوف الأهالي القاطنين على ضفتي النهر اليوم ليس الجزءالمكشوف من المجرى الذي يثير الاشمئزاز بفعل النفايات والمجارير التي تجتاحه،والروائح الكريهة المنبعثة منه، بل من الجزء الذي تمّ سقفه على مساحة 300 متر منضمن مشروع الإرث الثقافي، والذي تحوّل أيضاً مكباً للنفايات ومرتعاً للقوارضوالحيوانات الشاردة والنافقة والحشرات الطائرة التي تخرج بأعداد هائلة وتفتكبأجساد الأطفال وتنقل إليهم شتى أنواع الأمراض.

واللافت أن البلديات المتعاقبة في طرابلس تعايشت مع الأمر الواقعللنهر ومع العجز في الحفاظ عليه نظيفاً، لذلك فهي تقوم كل فترة بحملة تنظيف بكلفةمالية كبيرة، لكن ذلك لا يصمد، في كل مرة، أكثر من 48 ساعة، إذ تعود النفايات إلىما كانت عليه، وذلك لعدم التزام أصحاب المحلات التجارية بعدم رمي نفاياتهم فيمجراه، ولغياب الرقابة الحقيقية على مجرى النهر، والتراخي البلدي في عدم تسطيرمحاضر ضبط بحق المخالفين.

وإذا كانت البلديات السابقة تتذرع بعدم قدرتها على حماية مجرى النهربسبب عدم وجود العديد الكافي من عناصر الشرطة، فإنّ هذه الحجة لم تعد صالحة اليوممع تطويع البلدية مئة شرطي جديد قبل نحو شهرين، لكن ذلك لم يبدل شيئاً من الوضعالبيئي السيئ لمجرى النهر، ولم يمنح المواطنين بأن ينعموا بنهر يخترق منطقتهمالأثرية بطول أكثر من كيلومتر من دون نفايات ومن دون تلوث أو ضرر بيئي ينعكس سلباًعلى صحتهم وصحة أطفالهم، ويشوّه المنطقة بكاملها.

ويؤكد عدد من الأهالي أنّ الوضع البيئي لم يعد يطاق، وأنّ قوافل منالبرغش والذباب تجتاح منازلهم يومياً وتعيث فساداً في أجساد أطفالهم وتسمّمها،مطالبين البلدية باتخاذ إجرءات وتدابير صارمة تحمي هذه المنطقة وأهلها من الخطرالبيئي الناتج من تحوّل مجرى النهر إلى مكبّ للنفايات.

مشروع «مؤسسة الصفدي»

في هذا السياق، أعطى المشروع الذي أطلقته «مؤسسة الصفدي» بعنوان «صرخةنهر» والهادف إلى الحدّ من الانتهاكات البيئية الحاصلة في مجرى نهر أبو علي، بارقةأمل لإمكان التخفيف من الأزمة البيئية التي ترخي بثقلها على محيطه، والمحافظة عليهكإرث جمالي وتراثي في طرابلس.

وقد اختير مشروع المؤسسة من بين المشاريع الفائزة في برنامج «منحالمحافظ على البيئة» الذي تموّله «شركة فورد الشرق الأوسط»، في إطار نشاطات اليومالعالمي للبيئة، وهو يهدف إلى قيام فريق من المؤسسة بالعمل على تأهيل عدد منالأشخاص من أبناء المنطقة للمساعدة في الحفاظ على نظافة مجرى النهر وحمايته منالانتهاكات البيئية، ومن ثم تشكيل لجان محلية تتعاون مع البلدية والمؤسسات المعنيةوتضع في أولوياتها إيجاد حلول جذرية لنظافة مجرى النهر، وتحويله من مكب للنفاياتإلى معلم تراثي يترافق مع مشروع الإرث الثقافي الذي من المفترض أن تتم إعادةإحيائه لتأهيل منطقة النهر بكاملها وتحويلها إلى معلم سياحي.

ويؤكد المدير العام للمؤسسة رياض علم الدين أن الاعتماد الكبير في هذاالمشروع سيكون على السكان والمتطوعين والجهات المعنية. ويأسف أن «يكون أحد أنهرلبنان العريقة عرضة للانتهاكات البيئية بسبب موقعه في قلب مدينة مهمّشة».

وتشير مديرة قطاع التنمية الاجتماعية في المؤسسة وعضوة المجلس البلديسميرة بغدادي إلى أنّ «المشروع سيعمل على استكمال مشروع النادي البيئي والشرطيالبيئي، وعلى توسيع مفهوم المشاركة الفعالة للمجتمع المحلي لتغيير الواقع البيئيمن خلال تشكيل مجموعة من السكان وتوعيتهم على حجم الأضرار البيئية والصحية التيستصيبهم أولاً، وتمكينهم ليرصدوا هذه الانتهاكات، بالتعاون مع مجموعة الشرطيالبيئي».

وتؤكد بغدادي اعتماد المشروع على فكرة تعزيز مشاركة السكان في تحسينمحيطهم ومصالحتهم مع الإطار الحياتي من خلال تشكيل مجموعات داعمة وتمكينها من لعبدورها في المحافظة على القيمة البيئية والتاريخية، لافتة إلى العمل على إنشاء لجان«شبيبة النهر»، «الشرطي البيئي» و«الهيئة الصديقة للنهر»، لتقوم بحماية هذا المعلمالتراثي ومراقبته.