جريدة السفير 09-06-2014 «تجميل سياسي» في ورشة شارع سوريا رفض في التبانة لأزرق «المستقبل»
نشر بتاريخ 09/06/2014

جريدة السفير 09-06-2014

«تجميل سياسي» في ورشة شارع سوريا

رفض في التبانة لأزرق «المستقبل»

 راحت «سكرة» تيار المستقبل بإطلاق مشروع تأهيل مباني شارع سوريا فيالتبانة بهبة مقدمة من الرئيس سعد الحريري، وجاءت «فكرة» الواقع الأليم الذي تعيشههذه المنطقة المنسية التي تعاطت مع هذا الحدث ببرودة شعبية، لكونها تحتاج الى أكثربكثير من دهن واجهات مباني شارعها الرئيسي باللونين الأزرق والأبيض (وهما اللوناناللذان يتشكل منهما علم تيار «المستقبل»).

وإذا كانت هذه «البرودة» تجلّت بالحضور الخجول في المهرجان الذي أقيمبالمناسبة وبرعاية حكومية وكان من المفترض أن يكون شعبياً، فإن سخونة شعبية بلغتحدود الغليان تلت المهرجان وتمثلت باعتراضات من قبل الأهالي على آلية تنفيذالمشروع وتفاصيله ونتائجه وجدواه، في وقت لا يجد فيه آلاف المتضررين وعوائلالشهداء والجرحى مَن يعوّض عليهم جزءاً من الخسائر التي ألحقتها بهم جولات العنفالمتلاحقة التي خيضت ضد جبل محسن تحت شعارات سياسية عدة.

وبدا واضحاً أن هذه الاعتراضات الشعبية ساهمت في تفريغ مشروع الحريريمن مضامينه السياسية والأمنية والإنمائية والاجتماعية.

ففي السياسة، لم ينجح التيار الأزرق في إظهار شعبيته أو في استعادتهابعد طول غياب، في منطقة كان يعتبرها أحد أهم معاقله الطرابلسية، كما لم يستطع أنينفي عنه التهم التي يتناقلها أبناء التبانة لجهة استغلاله المنطقة سياسياًوأمنياً، وتوريط شبابها بشعارات تحريضية، ومن ثم التخلي عنهم بين ليلة وضحاها،وتحويلهم من مدافعين عن منطقتهم بوجه المعتدين عليها، إلى إرهابيين مطاردينومطلوبين للعدالة.

كذلك على الصعيد الحكومي، فقد شكلت رعاية الرئيس تمام سلام لإطلاقالمشروع اعترافاً بالتقصير والعجز حيال معالجة أبرز الأزمات التي تعاني منها التبانةالتي تريد من الدولة أن تأخذ دورها في إعادة إنمائها وإعمارها، وليس أن تبقى عرضةللتنافس السياسي والانتخابي عليها بمشاريع لا تغير من واقع الحال شيئاً، ولا تسمنولا تغني من جوع.

وفي الأمن، لن يتمكن مشروع دهان واجهات المباني من محو خطوط التماس،خصوصاً أنه لا يوجد من يضمن عدم عودة عقارب الساعة الأمنية الى الوراء، وقد تجلىذلك قبل يومين عندما كادت الاشتباكات أن تعود الى ما كانت عليه بسبب الاستفزازاتالتي صدرت عن جبل محسن بإطلاق النار ابتهاجاً بفوز الرئيس السوري بشار الأسدبولاية رئاسية ثالثة، فضلاً عن عدم مبادرة أي من الأطراف السياسية بمعالجة الجرحالنازف منذ أربعين عاماً بين التبانة وجبل محسن والعمل من أجل القضاء على كل فتائلالتفجير.

وفي الإنماء، بدا من تفاصيل المشروع أنه لا يعدو كونه دعاية انتخابيةلتيار «المستقبل» يريد من خلالها الإيحاء أن الانتماء السياسي للتبانة له، حيثفوجئ الأهالي أن المشروع لا يتضمّن ترميم أو إصلاح الأبنية أو الشرفات والنوافذالمتضررة، بل يقتصر على دهن الأبنية، وحصراً باللونين الأزرق والأبيض. وقد أثارذلك اعتراضات كثيرة، وأبلغ عدد من الأهالي الشركة المتعهدة بأنهم لن يسمحوا لهاببدء عملها وبتحويل أبنية شارع سوريا الى مجسّمات لأعلام تيار «المستقبل»، لافتينالنظر الى أن تيار «المستقبل» يجب أنيدفع للأهالي لقاء دهن منازلهم بلوني علمه، شأنهم في ذلك شأن كل الشركات الإعلانيةالتي ترفع شعاراتها على المباني، لا أن يمرر هذا الأمر تحت ستار مشروع تأهيلوترميم شارع سوريا.

وفي الجانب الاجتماعي يريد أبناء التبانة الاهتمام بالبشر قبل الحجر،على اعتبار أن المنطقة المصنفة الأسوأ في تقارير الأمم المتحدة على ساحل المتوسطوفيها أدنى مستويات الفقر، تحتاج الى من ينهض بعائلاتها وأراملها وأيتامها وجرحاهاومعوقيها، لا أن يتم دهن شرفات منازلهم.

ويقول إمام مسجد حربا الشيخ مازن المحمد لـ«السفير»: «يجب على الدولةاللبنانية أن تأتي وتزيل كل الصور واليافطات السياسية من التبانة، وأن تأخذ دورهافي الإنماء والإعمار، فهذه المنطقة لبنانية وأهلها لبنانيون ولديهم حق على الدولةبأن تتكفلهم وتحل أزماتهم وتوفر لهم الأمن والاستقرار، لا أن تبقيهم عرضةللاستغلال السياسي».

ويقول محمد خلف (من بعل الدراويش) إن «التبانة تحتاج الى من يساعدعائلاتها الفقيرة والمعدمة، وإلى من يؤمن فرص عمل لشبابها كي يعيشوا بكرامة، وإنالمال الذي سيصرف على دهان المباني يمكن أن يستخدم في بلسمة جراح مئات العائلات».

ويضيف: «نوجّه رسالة إلى الرئيس سعد الحريري بأن يتعاطى مع الطبقةالفقيرة من دون حواجز، وأن يرسل أشخاصا موثوقين من قبله للاطلاع على حاجات مناطقنالنقلها إليه بأمانة وصدق، وأن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بالاطلاع على أزماتالتبانة والعمل على حلها، فكل الشباب العاطلين عن العمل أو الذين استشهدوا أوجرحوا أو أوقفوا كلهم وراءهم عائلات تحتاج إليهم، ولكن لا من يسأل ولا من يهتم».

ويقول أحد الناشطين الاجتماعيين في التبانة إن تيار «المستقبل» تعاطىمع المنطقة، «مثل شخص تم إخراجه من العناية المركزة، وبدل أن يسارع المهتمون بهالى شراء الأدوية التي تبقيه على قيد الحياة وتساهم في تحسين صحته، اشتروا لهثياباً جديدة»!.