جريدة السفير 07-03-2014 طرابلس: هل يشرب "المستقبل" مما أذاقه لخصومه؟
نشر بتاريخ 07/03/2014

جريدة السفير 07-03-2014

 

طرابلس: هل يشرب "المستقبل" مما أذاقه لخصومه؟

 

في 25 كانون الأول من العام 2011، ومع صدور قرار تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة، تحركت ماكينات "تيار المستقبل" في طرابلس، وجمعت كل ما يمكن جمعه من ألغام، بعناوين مختلفة، لوضعها دفعة واحدة في طريقه بهدف تعطيل مسيرته، عقاباً له على ما اصطلح على تسميته بـ"الانقلاب الأسود".

وأبرز تلك الألغام كان التوتر الأمني الذي خُصِّص لطرابلس، والذي أعطى إشارته يوم الغضب الشهير في ساحة عبد الحميد كرامي، واستمر مع جهود ميقاتي لتشكيل حكومة جامعة آنذاك. وتنامى هذا التوتّر بعد تشكيل الحكومة من دون مشاركة "المستقبل" و"14 آذار"، ليبلغ ذروته بعد إنجاز البيان الوزاري ونيل الحكومة الميقاتية الثقة ومباشرة عملها.

وقد أصبح هذا التوتر خبزا يوميا في طرابلس طيلة عهد ميقاتي، وأخذ يتدحرج من منطقة الى أخرى ويكبر مثل كرة الثلج على وقع الشحن السياسي والتحريض المذهبي اللذان منحا الفلتان الأمني في طرابلس غطاء شرعيا. ومما زاد الطين بلّة الأزمة السورية، والاتهامات الزرقاء للحكومة بأنها تأخذ أوامرها من الرئيس السوري بشار الأسد و"حزب الله"، وذلك بحسب تصريحات كل نواب "المستقبل".

ووفق ما تضمنته الأجندة الزرقاء في حينه، العمل على تحويل طرابلس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية مع ميقاتي ووزرائه، ليتحقق منها هدف إسقاطه مع حكومته بدءا من مدينته، وليتم عبرها استهداف سلاح "حزب الله" تمهيدا لتسليمه الى الدولة، وليرد فيها على السلاح بالسلاح.

وقد نمت على هامش تلك الشعارات فكرة دعم المعارضة السورية المسلحة، وإعلان الجهاد ضد النظام السوري، وإحياء الكثير من القضايا التي تتطلب تحركات شعبية في الشارع الطرابلسي الذي لم يهدأ طيلة ثلاث سنوات.

ويبدو واضحا أن "المستقبل"، الذي عمل بوحي غضب رئيسه سعد الحريري على نجيب ميقاتي، تصرف مع طرابلس وأهلها على أساس أنه لن يعود الى الحكم مطلقا، وأن المعارضة ستكون مهنته الدائمة.

لذلك، لم يدرك "التيار الأزرق" أن "غول" التوتر الأمني الذي ساهم في استقدامه الى عاصمة لبنان الثانية سيكبر يوما ما، وسيلد "غيلاناً" عديدة تتغذى من الشحن والتحريض، وهي قد تأكل أصحابها أولا، ومن ثم بعضها بعضا عندما تشعر بفائض القوة جراء إمتلاكها السلاح.

ولم يدرك "المستقبل" أن حماسته لاستهداف ميقاتي في مدينته ودعمه لمختلف التحركات الشعبية ضده، واستخدام التوترات الأمنية لتحقيق مشروعه، سينقلب وبالاً عليه عندما يعود الى السلطة، خصوصا بعد خروج أكثرية المجموعات المسلحة عن أي سيطرة سياسية أو أمنية.

كما لم يدرك "التيار الأزرق" أن ما كان يمكن حله بالحوار في طرابلس مع تشكيل الحكومة الميقاتية، بات يحتاج الى الكيّ في الحكومة السلامية. وأن ما كان قادرا على التحكم به "بالروموت كونترول" باتت إدارة التحكم به خارج لبنان، وأن عليه اليوم أن يواجه تداعيات كل ذلك، وأن يقدم الحلول الناجعة القادرة على حماية طرابلس وأهلها من الموت المجاني والاعتداءات اليومية المتنقلة بين المناطق والأحياء، والتي تضع المدينة على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.

قبل أشهر قليلة، كانت التوترات الأمنية تنحصر في مساحة جغرافية محددة قوامها التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، لكن الأمر اليوم لم يعد كذلك، فقد أصبحت طرابلس بكاملها في عين هذه التوترات وتخضع لسلطة سلاح الفوضى الذي تنامى في الفترة الماضية، وبدأ يبسط سطوته ويفرض قوانينه على أهلها ومؤسساتها الاقتصادية والتجارية والتي آثر بعضها مغادرة المدينة الى مناطق مجاورة أكثر أمنا.

وينتظر أبناء طرابلس الذين دفعوا ثمن محاربة الحكومة الميقاتية من أمنهم وسلامتهم واقتصادهم وسمعتهم أن ينبري من تسلّم دفة الحكم، الى حمايتهم من خطوط التماس المفتوحة بين التبانة وجبل محسن والتي تحول شارع سوريا فيها الى جبهة متكاملة قابلة للاشتعال في أي لحظة، ساهمت في القضاء على البقية الباقية من حركة تجارية فيه.

كما ينتظر أبناء طرابلس حمايتهم من سلاح الفوضى المتفلت من عقاله في أرجاء مدينتهم والذي يعيث قتلا وسطوا واعتداء وفرض خوات وفسادا.

وهم ينتظرون أيضا حمايتهم من الرصاص الذي يلاحقهم أين ما وجدوا أو حلوا، بعدما استسهل المسلحون إطلاقه عند كل مناسبة، ومن التطرف الذي غذته الخطابات التحريضية على مدار ثلاث سنوات خلت، ومن المربعات الأمنية المنتشرة في كل حدب وصوب تحت شعار السلاح بمواجهة السلاح، ومن صراع النفوذ بين المجموعات ضمن الأسواق التي تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة بعدما انتقلت جولات العنف إليها، ومن انهيار إقتصادي شامل يلوح بالأفق بعدما استنفدت المؤسسات المعنية كل مقومات الصمود على وقع الضربات المتتالية خلال الأعوام الماضية.

يقول متابعون في طرابلس إن تيار المستقبل سيشرب من نفس الكأس الذي سقاه لميقاتي طيلة فترة عهده، وأنه سيواجه ما هو أشرس وأعنف بعد أن أفلتت زمام الأمور من أيدي جميع الاطراف، وعليه أن يتحمل المسؤولية في ذلك.

ويخشى هؤلاء من تداعيات قتل الغول على أيدي من تربى ونمى على خطاباتهم النارية والتحريضية، ومن الثمن الجديد الذي قد تدفعه طرابلس.

عندها سينقلب السحر على الساحر.