جريدة السفير 07-02-2014 الاعتداءات تتكرر على أبناء جبل محسن طرابلس: الفلتان الأمني يتنقّل بين التبانة والأسواق
نشر بتاريخ 07/02/2014

جريدة السفير 07-02-2014

الاعتداءات تتكرر على أبناء جبل محسن

طرابلس: الفلتان الأمني يتنقّل بين التبانة والأسواق

 

ثمة قناعة بدأت تترسخ لدى أبناء طرابلس بأن ما تشهده مدينتهم ليس وليد صدفة، أو مجرد ردات فعل شعبية على أحداث سياسية أو أمنية تنعكس توترات في أرجائها، بل هو ناتج عن «غرفة سوداء» تصدر أوامر عمليات بالفلتان الأمني مستفيدة من الانتشار الأفقي لسلاح الفوضى، وذلك بهدف إبقاء كل مناطق المدينة في حالة من اللاإستقرار.

وبدأ هذا الفلتان المنظم يفسح في المجال أمام كثير من المجموعات المسلحة لتنفيذ أجنداتها وفرض سطوتها، من محاور التبانة الى الأسواق الداخلية وما بينهما الاعتداءات المتكررة على أبناء جبل محسن، وعمليات السطو المسلح، ومحاولات الاخلال اليومي بالأمن عبر رمي القنابل اليدوية وإطلاق النار بشكل مستمر.

فبعد التدخل العسكري العنيف للجيش اللبناني الذي نجح في وقف الجولة 19 بين محاور التبانة والقبة وجبل محسن، انقسمت المجموعات المسلحة الى أقسام عدة:

أولا، المجموعات التي تأتمر بأوامر المشايخ السلفيين الذين بدأوا يحسبون ألف حساب لأي تحرك لهم على الأرض أو على المحاور، خوفا من أن تتحول الحالة السلفية عموما الى كبش محرقة في التسوية المقبلة.

ثانيا، المجموعات التي تأتمر بأوامر مسؤولي المحاور التقليديين الذين يرفضون مواجهة الجيش اللبناني، وبدأوا يشعرون أنهم باتوا يشكلون عبئا على مجتمعهم الذي يزداد مع كل جولة عنف جديدة فقرا وتهميشا ويدفع أثمانا باهظا من دماء أبنائه.

ثالثا، المجموعات المسلحة المصنفة خارجة على القانون والتي تتخذ من الأزمة السورية ستارا لعبثها الأمني، والذي يمتد من إطلاق النار المتواصل على جبل محسن والاعتداء على أبنائه في طرابلس، الى استهداف الجيش اللبناني الذي لم يتوان عن تعميم بعض الأسماء المرتبطة بهذه المجموعات التي تم إصدار استنابات قضائية بحقها.

رابعا، المجموعات المسلحة التي تتمركز في أماكن بعيدة عن المحاور، سواء في الأسواق الداخلية أو في مناطق طرابلس المختلفة، وهي تتخذ من جولات العنف المتكررة والتوترات المستمرة على خطوط التماس، ذريعة في الحفاظ على سلاحها الذي تدور حوله علامات استفهام كثيرة لجهة مصدره والجهات التي تؤمّن شراءه.

ويبدو واضحا أن هذه «الغرفة السوداء» بدأت تدير العبث الأمني باتقان، فلم تكد طرابلس تتحرر من زنار الحديد والنار الذي فرضته عليها جولة العنف الأخيرة على المحاور التقليدية، حتى انطلقت اشتباكات الأسواق لاسباب أقل ما يقال فيها إنها تافهة، ولم يكد الجيش اللبناني يضع حدا لهذه الاشتباكات العبثية التي هددت المدينة المملوكية برمتها، حتى عادت الاعتداءات على أبناء جبل محسن، فسجل إطلاق نار على الممرض غازي عباس لدى خروجه من عمله في مستشفى شاهين، واعتداء بالضرب المبرح على شخص آخر في محلة الميناء.

ولم تكد الاتصالات تنتهي باحتواء تداعيات هذه الاعتداءات التي ترفع يوما بعد يوم من منسوب الاحتقان في جبل محسن، المحاصر منذ فترة على مرأى ومسمع القيادات السياسية والدينية والأمنية، حتى عاد التوتر الى الأسواق بفعل شائعات عن قيام عائلة القتيل حميدان بتنفيذ اقتحام لمنازل الحاج ديب في سوق الذهب، ما دفع الجيش الى اتخاذ إجراءات استثنائية في محيط المدينة القديمة استعدادا للتدخل عند حصول أي طارئ.

ولم يكد الجيش يعيد الأمور الى طبيعتها في الأسواق، حتى انشغلت طرابلس ببيان صادر عن «أولياء الدم في جبل محسن» تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي يهدد باقامة حواجز «طيارة» عند مداخل طرابلس لاستهداف أبناء المدينة بالرصاص ردا على الاعتداءات المتكررة على أبنائهم.

وسط كل ذلك، تعيش كل مناطق طرابلس على وقع الاشكالات الفردية التي لا تفارقها أعمال إطلاق النار، وعلى مسلسل رمي القنابل اليدوية الذي لم يعد يقتصر على المحاور الساخنة، بل بدأ يتوسع ليشمل عمق المدينة ومناطق كانت تعتبر آمنة.

ويؤكد هذا الفلتان الأمني أن المؤامرة مستمرة على طرابلس، وأن آخر فصولها يترجم اليوم في ضرب أسواقها الداخلية التي تشكل العصب الرئيسي لاقتصاد المدينة والحاضنة لرؤوس أموال الطرابلسيين، بعدما حوّلت جولات العنف شارع سوريا وسوق القمح ومحيطهما الى مناطق أشباح يخيم عليها الخوف ويؤدي الى شلل كامل يعطل ما تبقى من حياة فيها.

وتتخوف أوساط طرابلسية من أن يكون تصاعد وتيرة الفلتان الأمني مرده الى ضيق ذات اليد لبعض المجموعات المسلحة التي نجحت الاجراءات الأمنية الاستثنائية للجيش في التخفيف من سطوتها التي كانت تؤمن لها مردودا ماليا عبر «الخوات»، وأن يكون ذلك سببا مباشرا في تنامي عمليات السطو المسلح التي نشطت خلال الأيام الماضية، وأن يؤدي ذلك الى تحويل المتضررين من هذه المجموعات الى قطّاع طرق.

وتدعو هذه الأوساط الجيش والقوى الأمنية الى وضع حد لهذا الفلتان غير المرتبط بالسياسة، والى التصدي لكل المجموعات المسلحة، خصوصا تلك الموجودة في الأسواق والمناطق البعيدة عن المحاور التي بات البعض يصنّفها آمنة في كنف الجيش أكثر من مناطق طرابلسية أخرى، مشددة على ضرورة أن يترافق الحسم الأمني مع عملية تنموية تعيد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد الفيحاء.