جريدة السفير 03-02-2014 اشتباكات «محلية» في اسواق «الفيحاء» التاريخية سلاح الفوضى يتمدّد إلى عمق طرابلس
نشر بتاريخ 03/02/2014

جريدة السفير 03-02-2014

 

اشتباكات «محلية» في اسواق «الفيحاء» التاريخية

سلاح الفوضى يتمدّد إلى عمق طرابلس

 

وكأنه لا يكفي طرابلس ما تشهده من جولات عنف متكررة على محاورها التقليدية الساخنة بين التبانة والقبة وجبل محسن، وما يُلصق بها من اتهامات حول التطرف وانتشار عناصر تابعة لتنظيمات إرهابية في مناطقها، حتى تسقط مجددا ضحية سلاح الفوضى والأجنحة العسكرية لبعض العائلات في المدينة.

وقد عبرت هذه الفوضى المسلحة عن نفسها في اشتباكات عنيفة دارت في الأسواق الداخلية القديمة طيلة ليل أمس الأول وأمس، لأسباب قيل إنها فردية تافهة نابعة من شعور البعض بفائض قوة، وأدت الى سقوط قتيل وجريحين، إضافة الى خسائر مادية جسيمة، وأمعنت في تشويه صورة الفيحاء والى ضرب آخر معاقل الاقتصاد والتجارة فيها.

وجاءت هذه الاشتباكات لتؤكد أن الخطر الأمني في طرابلس لم يعد يقتصر على محاورها التقليدية فقط، بل إن الانتشار الأفقي للسلاح بين أيدي المواطنين دفع هذا الخطر الى التمدد باتجاه عمق المدينة وأسواقها ليهدد الكيان الاقتصادي والنسيج الاجتماعي لتلك المناطق الوادعة التي تنتظر إنصافا رسميا يحولها الى قبلة سياحية لما تختزنه من معالم أثرية وتاريخية.

وجاءت هذه الاشتباكات أيضا لتدحض كثيرا من الشعارات التي ترفعها بعض المجموعات في طرابلس بهدف التمسك بالسلاح، سواء للدفاع عن النفس من اعتداءات «الحزب العربي الديمقراطي»، على حد قولها، أو لدعم المعارضة السورية، أو لاحداث توازن مع السلاح الفردي الذي يمتلكه «حزب الله»، في حين أن ما شهدته الأسواق الداخلية ومحيطها كان بعيدا كل البعد عن كل هذه الشعارات، وهو لا يعدو كونه صراع نفوذ بين العائلات أو تلك المجموعات لتحقيق مكاسب خاصة، دفع بها الى هذه المواجهات المسلحة التي بدأت تنذر بقتل طرابلس على يد أبنائها، في ظل صمت سياسي مريب وتراخ أمني غير مبرر.

وإذا كانت محاور التبانة وجبل محسن قد تحولت الى معادلة محلية وإقليمية يصعب على القيادات السياسية والأمنية إيجاد حل جذري لها في المدى المنظور، فان المستغرب هو هذا الانفلاش المسلح في كل أرجاء المدينة، وعدم التدخل الأمني لحسم هذا الفلتان غير المسبوق، والتصدي لكل العابثين بأمن تلك المناطق التي تشكل الخزان البشري في طرابلس، والتي بدأت تتحول الى خطوط تماس جديدة من شأنها أن تقضي على المتحف الطرابلسي الحي الضارب في عمق التاريخ، والذي بدأت آثار الرصاص والقنابل والقذائف الصاروخية تترك آثارها على حجارته وقناطره الأثرية.

وتتخوف أوساط طرابلسية مطلعة من أن تتجه طرابلس الى الخروج عن سلطة الدولة والقانون، لافتة الانتباه الى أن التطورات الأمنية الأخيرة، وما رافقها من محاولات لاظهار انتماء المدينة الى تنظيم «القاعدة» قولا وفعلا، فضلا عن الانتشار الأفقي للسلاح وسهولة استخدامه بأوجه متعددة، والصمت السياسي والأمني والمدني عما يجري، والأغطية السياسية التي ما تزال ممنوحة للبعض، كل ذلك قد يدفع بالمدينة الى الشر المستطير الذي لا يستطيع أحد تحمل نتائجه الكارثية.

وتخلص هذه الأوساط الى القول: «لم يعد هناك من داع لارسال سيارات مفخخة الى طرابلس أو الاعتداء عليها من أي جهة، لأن المدينة تقوم بقتل نفسها بأيدي أبنائها».

وكان سوق الذهب شهد ليل السبت ـ الأحد الفائت إشكالا فرديا بين أشخاص من عائلة الحاج ديب وآخرين من عائلة المشحاوي تخلله إطلاق نار، وما لبث المشاركون بالاشكال أن استعانوا ببعض الأشخاص من عائلات أخرى ما أدى الى تبادل كثيف لاطلاق النار. وسارع بعض وجهاء العائلات الى التهدئة لمنع تفاقم الأمور فتعرضوا بدورهم لاطلاق نار، ما دفع أشخاصا من هذه العائلات الى المشاركة في الاشتباكات التي استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية والقذائف الصاروخية وتمددت سريعا باتجاه ساحة النجمة، طلعة الرفاعية، الجامع المنصوري الكبير، السراي العتيقة، السوق العريض، وأسواق: العطارين، البازركان والنحاسين.

وقد أدت الاشتباكات الى مقتل عمر حميدان وجرح محمد حبيب، والى أضرار جسيمة في المحلات التجارية والسيارات. كما تحدثت معلومات عن قيام مجهولين باستغلال إطلاق النار وعمدوا الى سرقة عدد من المحلات التجارية.

وسارع الجيش اللبناني الى تطويق منطقة الأسواق ونشر عناصره على أسطح بعض المباني المطلة، ورد على مصادر النيران، ونجح بعد نحو أربع ساعات على إجبار المسلحين على الانكفاء ونفذ انتشارا واسعا، وداهم أحد منازل عائلة الحاج ديب وأوقف أحد الأشخاص.

وصباحا ساد هدوء حذر في الأسواق، وتفقد التجار محلاتهم وعمل المتضررون على إحصاء أضرارهم، قبل أن يتوتر الوضع عند تشييع عمر حميدان، حيث شهدت المنطقة إطلاق نار كثيفا ورمي عدد من القنابل اليدوية، في حين استغل البعض حالة الفوضى لتصفية الحسابات فأقدم ج. ب. على إطلاق النار على خ. ش. على خلفية خلاف قديم بينهما، كما قام مسلحون برمي قنبلتين يدويتين على مقهى أبو علي الخولة في باب الرمل.

وقد داهم الجيش اللبناني منزل ج. ب. ولم يعثر عليه، كما نفذ سلسلة مداهمات لمنازل متورطين في الاشتباكات.

وأعادت الاجراءات الاستثنائية التي اتخذها الجيش اللبناني الهدوء الى الأسواق في فترة بعد الظهر، لكن رشقات نارية كثيفة خرقت هذا الهدوء بعد الظهر تبين أنها ناتجة عن رصاص ابتهاج بعدد من الأعراس، ومساء أمس أطلق مجهولون النار في منطقة ابي سمراء، مقابل الحديقة العامة، على الشابين هاني كسحة (إصابته برأسه وحالته حرجة) وزاهر البب. وتردّد أن الأسباب فردية. ما يشير الى حالة الفلتان التي بدأت طرابلس ترزح تحت وطأتها، والتراخي الأمني الذي لم يعد من الجائز السكوت عنه.