جريدة السفير: مَن يُعطي المسلحين «داتا» أبناء جبل محسن؟ الاستهداف «على الهوية» يُسقط «الأجهزة» والأمن في طرابلس
نشر بتاريخ 29/11/2013

جريدة السفير:

 

مَن يُعطي المسلحين «داتا» أبناء جبل محسن؟

الاستهداف «على الهوية» يُسقط «الأجهزة» والأمن في طرابلس

                                                                    

بدأ السباق التقليدي بين جولة عنف جديدة في طرابلس من المفترض أن تحمل الرقم 18 في التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، وبين المعالجات السياسية والأمنية التقليدية أيضاً، والتي لم ترقَ الى مستوى ضبط الانفلات الأمني في المدينة.

وإذا كانت الكفة اليوم تميل لمصلحة جولة العنف الـ 18 لكون شعاراتها المذهبية والتحريضية بدأت تمتلك الأرض التي تسخّن في كل ليلة بالقنابل المجهولة وتبادل إطلاق النار، فإن كل القيادات السياسية والدينية في المدينة باتت على المحك بعجزها الكامل عن مواجهة هذا «الجنون» الأمني . فلا هي قادرة على أن تمون على المخلين بأمن المدينة لردعهم، ولا هي تجرؤ على تغطية الجيش لملاحقتهم واستئصالهم، ما يجعل الجيش أيضاً مكبّلاً ببيئة غير حاضنة، وبمواقف سياسية متناقضة، وبشعارات مذهبية، تعطل دوره وتنال من هيبة المؤسسة العسكرية التي سقط لها جريحان أمس في التبانة بإطلاق نار مباشر على إحدى الدوريات خلال تصدّيها للاشتباكات بين بعل الدراويش وجبل محسن.

ويبدو واضحاً أن طرابلس تتجه نحو مزيد من الفلتان الأمني الذي سيؤدي الى ما لا تُحمَد عقباه إذا لم يتم اتخاذ قرارات جريئة ونوعية لوقف هذا التدهور، خصوصاً بعدما نجح أمر العمليات الأمني الصادر في طرابلس منذ فترة في تحويل الخطة الأمنية الى خبر كان، وهي برأي وزير الداخلية مروان شربل الخرطوشة الأخيرة التي يمكن أن تطلق للحفاظ على استقرار المدينة.

«محاكم تفتيش»

واللافت أن طرابلس تعيش في كنف «محاكم تفتيش» جديدة غير معلَنة، تلاحق أبناء جبل محسن من مكان الى آخر وتطلق النار عليهم، وكان آخرها الاعتداء على أربعة عمال في بلدية طرابلس من جبل محسن جرى توقيفهم عند مستديرة أبو علي وإطلاق النار على أقدامهم، ونقلوا جميعاً الى مستشفى السيدة في زغرتا.

واللافت أيضاً هو كيفية تعرّف المعتدين على أبناء جبل محسن في تنقلاتهم بين آلاف المواطنين في المدينة، ما يشير الى أن ثمة جهات تقوم بتسليم هذه المجموعات «داتا» معينة بأسماء وصور وأماكن عمل أبناء جبل محسن في طرابلس.

وأخطر ما في الأمر هو ما تمّ التداول به أمس على مواقع التواصل الاجتماعي من بيانات حملت «الرقم 1» وذيلت توقيع «اللجنة العسكرية لأولياء الدم في مسجدي التقوى والسلام»، والتي تبنت عملية إطلاق النار على أبناء جبل محسن رداً على عدم قيام الدولة بمحاسبة المسؤولين في «الحزب العربي الديموقراطي».

وهذا الأمر من شأنه أن يشرع هذه العمليات التي ستحول أولياء الدم من معتدى عليهم الى معتدين، خصوصاً أن الاعتداءات بدأت تتم في وضح النهار وعلى مرأى من المواطنين، ومن دون حسيب أو رقيب، وفي ظل عدم مبادرة أي جهاز أمني بملاحقة مطلقي النار أو بإصدار استنابات قضائية بحقهم، خصوصاً أن أكثرهم باتوا معروفين، وهو الأمر الذي يشجع مجموعات مسلحة جديدة على القيام بمثل هذه الأعمال طالما أن المحاسبة غائبة، وبعدما تحوّلت مهمة القوى الأمنية الى فرق إسعاف تنقل المصابين الى المستشفيات، والى إحصاء الخروق الأمنية بدل ردعها والتصدي لها وملاحقة مرتكبيها.

والمستغرب أيضاً هو هذا التخلي السياسي القاتل عن طرابلس التي تواجه قدرها بمفردها، في وقت تستبيح فيه المجموعات المسلحة أمنها واستقرارها واقتصادها في كل المناطق من دون استثناء بدءاً بإطلاق النار في المناسبات وصولاً الى الإشكالات المسلحة، وفرض الخوات والسرقات والاعتداءات المذهبية التي بلغت حداً خطيراً جداً، في حين ما تزال القيادات السياسية تتعامل مع هذا الفلتان بأضعف الإيمان وباجتماعات وبيانات تقليدية لا تصنع أمناً ولا تحمي مواطناً، ولا تحرك اقتصاداً.

وكانت عمليات تسخين المحاور بدأت ليل أمس الأول بعد قيام عدد من أبناء جبل محسن برفع أعلام سورية وأخرى لـ«حزب الله» على بعض الشرفات المطلة على التبانة التي سارع عدد من الشبان فيها الى رفع أعلام ضخمة لـ«الجيش السوري الحر» و«جبهة النصرة» إضافة الى صور للشيخ أحمد الأسير.

وعلى الفور حصل توتر شديد تخلله إطلاق نار، وتدخل الجيش اللبناني وعمل على ضبط الأمور، فيما سجل رمي أربع قنابل في شارع سوريا والبقار ومحيطهما أبقت النفوس مشحونة.

وبعد ظهر أمس بلغ التوتر مداه وكاد أن يطلق الجولة 18، حيث أسدلت الشوادر على بعض المحاور وسمعت رشقات نارية في شارع سوريا، ما لبثت أن تطورت الى اشتباكات محدودة بين مسلحين في بعل الدراويش وآخرين في جبل محسن، وعلى الفور سيّر الجيش دوريات مؤللة وعزّز من انتشاره في المنطقة في محاولة منه لضبط الوضع.

اعتداء على مواطنين من جبل محسن

في غضون ذلك أقدم مجهولون على إطلاق النار على أربعة عمال من بلدية طرابلس (من جبل محسن) هم: سعيد عيسى، وسام فارس، محمد صالح وحيدر سوطو، عند مستديرة ابو علي خلال عودتهم من عملهم الى منازلهم ونقل ثلاثة منهم الى مستشفى السيدة في زغرتا، قد أدّى ذلك الى مزيد من التوتر مع الاحتجاج الذي شهدته طرقات جبل محسن على استمرار الاعتداءات، حيث شهدت المنطقة إطلاقاً كثيفاً.

وقد دفع ذلك الجيش الى استقدام تعزيزات إضافية، خصوصاً ان بعض المحاور بدأت تشهد اعمال قنص، لكن الجيش وخلال قيامه بالردّ على مصادر النيران تعرّض لإطلاق نار من محلة «البازار» ما أدّى الى جرح عنصرين هما علاء الرفاعي وحسين نجم.

واستنكر رئيس بلدية طربلس الدكتور نادر غزال وأعضاء المجلس البلدي «الاعتداءات المتكررة التي تطال الأبرياء من أبناء جبل محسن وكان آخرها الحادث المؤسف والذي طال أربعة عمال مياومين من البلدية».

وأوعز غزال الى مسؤولين في البلدية بزيارة الجرحى والاطمئنان عليهم وتأمين كل تكاليف علاجهم، مطالباً بضرورة إلقاء القبض على كل من تسوّل له نفسه القيام بهذه الأعمال والاعتداء على الأبرياء من المواطنين لأي طائفة انتموا.

إشكال السوق

وبينما كانت كل الأنظار تتجه الى التبانة، وقع إشكال داخل أسواق طرابلس بين عائلتي شرف الدين والجنزرلي نتيجة خلاف على بناء مخالف على سطح أحد الأبنية، تخلله إطلاق نار كثيف استمر لنحو نصف ساعة، قبل أن يتدخل الجيش ويعمل على فضّ الإشكال.

 

الجرحى يروون كيف تمّ «اصطيادهم»

                                                                    

سعيد عيسى، علي الرفاعي، محمد صالح وحيدر سوطو... أربعة جرحى تتراوح اصاباتهم بين الطفيفة والمتوسطة نقلوا الى «مستشفى سيدة زغرتا» للمعالجة، أمس، على إثر إطلاق النار عليهم من مسلّحين عمدوا الى ايقاف سيارة تابعة لبلدية طرابلس كانت تقلهم الى منازلهم في جبل محسن اثر انتهاء دوام عملهم . والحجة انهم علويون يعملون في طرابلس، التي باتت من «الممنوعات» في عرف المسلحين.

«كفى»، كلمة أطلقها الجرحى من المستشفى، معتبرين أن «الأمور لم تعد تطاق، وان هَمّ أبناء جبل محسن بات ينحصر في تأمين لقمة عيشهم فقط لا غير، ولكن ما يجري بات استهدافا لطائفة بكل ابنائها».

ويشير احد الجرحى إلى أن أحد المسلحين أنزله من السيارة، فحاول الفرار الا ان المسلحين اطلقوا النار على قدميه، فيما يؤكد جريح آخر ان المسلحين اطلقوا عليه النار داخل السيارة، معتقدا ان احدا ما اعطى اخبارا للمسلحين لتوقيفهم كونهم من الطائفة العلوية.

ليست جراح العمال الأربعة في بلدية طرابلس خطيرة، فثلاثة منهم تمّت معالجتهم في الطوارئ اما الرابع فخضع لعملية جراحية، ولكن الخطير فيها هو «الجراح النفسية والاجتماعية»، بحسب احد المصابين.

يشير إلى «أننا رأينا الموت بأعيننا، وكل ذنبنا اننا من جبل محسن، وهذا لا يجوز»، مضيفاً: «لن يغيب عن تفكيري ان احد الزملاء في البلدية هو من وشى بنا وأعلم المسلحين بمرورنا في هذا الوقت».

والأمر لا يتوقّف عند الجرحى، بل إن أحد الأقرباء الذي كان واقفاً في ردهة المستشفى يعبّر هو الآخر عن غضبه لما آلت إليه الأمور، فيؤكد أن «أهل الجبل لن يسكتوا بعد الآن، وانهم يضعون الامر بتصرّف رئيس الجمهورية، فاما ان تحلّ المشكلة واما اننا سنخيم في القصر الجمهوري حتى حل الازمة السورية، وبالتالي كف الشر والأذى عنا».

مريم العلي ابنة اخت احد المصابين لم تتمكن من ضبط نفسها امام منظر قدميّ خالها ويده المصابة فاجهشت بالبكاء قائلة: «هل يصطادون عصافير؟ اين الانسانية واين الدولة والمسؤولون؟... كم اصبح الانسان في لبنان رخيصاً؟»!.