جريدة السفير: طرابلس: الإشكالات تنكفئ والقلق يستمر
نشر بتاريخ 30/11/2013

جريدة السفير:

 

طرابلس: الإشكالات تنكفئ والقلق يستمر

                                                                    

لا يختلف إثنان في طرابلس على أن ما تشهده المدينة من فلتان أمني أفقي، ومن اعتداءات بخلفيات مذهبية، هو ناتج عن مخطط مدروس بعناية من قبل بعض الجهات، يهدف الى تشويه صورة العاصمة الثانية، وزعزعة استقرارها، وضرب تنوعها والتعايش فيها، وتعطيل اقتصادها، وإرباك الجيش. وليس ناتجاً عن ردات فعل عشوائية أو فردية، أو عن تصرفات انتقامية من قبل «أولياء الدم الحقيقيين» الساعين لمعرفة المتورطين في تفجيري مسجديّ «التقوى» و«السلام».

ويبدو واضحاً أن أمر العمليات الأمني الذي صدر نهاية الاسبوع الفائت في طرابلس، واستمر حتى أمس الأول الخميس بما تضمنه من عشرات الإشكالات الأمنية والاعتداءات على أبناء جبل محسن المراقبين بعناية عبر «داتا معلومات» عن تنقلاتهم في طرابلس، قد قرر تهدئة اللعب يوم أمس بعدما أصبح المعتدون تحت المجهر، وبلغ «الجنون الأمني» حداً غير مسبوق، وبات ينذر بإشعال جولة العنف رقم 18 التي طرقت أبواب المدينة وكادت أن تأكل الأخضر واليابس، لولا التدخل الحاسم للجيش الذي سارع الى إقفال كل هذه الأبواب وعمل على مطاردة المسلحين، فمر يوم الجمعة بسلام، إلا من بعض الظهور المسلح في عدد من المناطق الداخلية بحجة حماية المساجد، ما لبث أن عمل الجيش على منعه.

ويبدو أيضاً أن كل ما يجري في طرابلس يهدف الى محاولة ربط المدينة بشكل كامل بما يجري في سوريا وجعلها ساحة خلفية للمواجهات العسكرية الدائرة هناك، وقد ترجم ذلك في «معركة العلمين» التي أوقفها الجيش بقوة النيران، حيث تبادل المسلحون في جبل محسن والتبانة النار دفاعاً عن العلم السوري المرفوع على شرفات الجبل، وعن علم الثورة السورية و«جبهة النصرة» المرفوع في أحياء التبانة، في حين ضاع العلم اللبناني بين المنطقتين المتناحرتين وضاعت معهما الدولة بكامل مؤسساتها.

وأمام العجز غير المبرر للدولة والقيادات السياسية والدينية والأمنية في وضع حد لما تشهده العاصمة الثانية، ثمة سلسلة علامات استفهام حول: من يعطي المعلومات للمجموعات المسلحة عن المستهدَفين مذهبياً؟ وأين قوى الأمن الداخلي؟ وأين الاستنابات القضائية التي يجب أن تصدر بحق المتورطين بالإشكالات الأمنية، وبإطلاق النار على القوى الأمنية؟

تقول المعلومات المتوفرة لـ«السفير» إن الاجتماع الذي عقد بين عدد من نواب طرابلس ومسؤولين أمنيين في منزل الوزير أحمد كرامي لم يتوصل الى أية نتائج إيجابية، وبدا أن لا قرار حاسماً في وضع حد لهذا الفلتان الحاصل في المدى المنظور بعدما تفلتت المجموعات المسلحة من عقالها، باستثناء التدخل الرادع للجيش في كل مرة.

وخلص النائب محمد كبارة، الذي شارك في الاجتماع، الى القول: «الوضع لا يطمئن، فالروايات نفسها، والأعذار نفسها منذ سنوات، ويبدو أن السلطتين السياسية والأمنية لا تريدان القيام بواجباتهما حيال طرابلس، وتريدان أن تبقى المدينة ساحة أمنية مفتوحة لكل أنواع الإخلال بالأمان، ما يشير الى تآمرهما على المدينة وأهلها».

أمام هذا الواقع، يزور رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي طرابلس اليوم ويعقد اجتماعاً لوزراء ونواب طرابلس بمشاركة وزير الداخلية مروان شربل وعدد من القيادات الأمنية، الحادية عشرة ظهراً، في منزله، للبحث في المستجدات الأمنية واتخاذ الخطوات الكفيلة بحماية المدينة وأهلها.

مواقف

الى ذلك توالت ردود الفعل المستنكرة لما تشهده طرابلس، فرأى الرئيس فؤاد السنيورة، الذي أجرى اتصالات هاتفية مع نواب المدينة، «أن ما تشهده بعض أحياء المدينة من حوادث وتعديات واعتداءات على أبرياء هو عمل مجرم ومستنكر ومدان. وأن الاعتداء على عمال من أبناء المدينة بسبب انهم من سكان منطقة بعل محسن هو عمل جبان ومشبوه يقصد تشويه صورة طرابلس وصورة أهلها وتسامحهم واعتدالهم ولتصويرهم على غير ما هم عليه تحضيراً لفتنة كبرى في المدينة تعم لبنان».

وطالب «القوى الأمنية بتحمل مسؤولياتها وأن تخرج من ترددها المتمادي، اذ لم يعد مقبولا انتظار جولات العنف والخروج على القانون والاعتداء على المواطنين، من هنا فإننا نطالب بتطبيق صارم للخطة الأمنية التي سمعنا عنها كثيراً ولم تنفذ. كما نطالب الأجهزة القضائية والأمنية بمحاسبة من دبّر وارتكب وخطط وسهل لجريمة تفجير المسجدين».

وأعلن السنيورة «تضامنه الشخصي والوطني مع الشباب الذين تعرضوا للاعتداء ومع عائلاتهم».

وعزا النائب احمد فتفت عودة التوتر الى مدينة طرابلس «الى تقاعس الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية عن لعب دورها في شأن المتهمين في تفجير مسجدي التقوى والسلام في المدينة».

ورأى النائب بدر ونوس أن «الاعتداء على الأبرياء أبناء جبل محسن جريمة موصوفة يندى لها الجبين»، معبراً عن «استيائه من الارتكابات المتكررة التي يتعرض لها أبناء الطائفة العلوية»، ومستغرباً «عدم توقيف أي مرتكب من قبل الأجهزة الأمنية، وهو أمر لا يمكن التغاضي عنه بعد اليوم.

واتهم «حزب الله» في بيان له ما أسماه «العصابات المغطاة سياسياً من فريق 14 آذار بإعمال سكينها عميقاً في جرح طرابلس النازف»، مستنكراً «إطلاق النار على عمال أبرياء لا لأي ذنب اقترفوه، بل لمجرد انتمائهم الى طائفة حلّ عليها غضب أدعياء المدنية والثقافة وحب الحياة من الفريق المذكور وبعض أسيادهم الخارجيين»، ورأى أن «ما تقوم به هذه العصابات المجرمة لا يمتّ إلى أصالة مدينة طرابلس ووطنية أهلها وسلامة مواقفهم، بل يعبّر بكل وضوح عن يأس وإفلاس كبيرين في السياسة نتيجة إخفاق الرهانات على تغييرات في الميدان، فيجري تنفيس الحقد الأعمى بهذه الممارسات الانتقامية الهمجية»، داعياً الدولة الى «إنهاء الحالات الشاذة في طرابلس التي تحولت الى ضحية»، مشدداً على «إدانة السلوك السياسي التحريضي العام الذي ينحو منحى التطرف ويرفض مؤسسات الدولة ويمارس الاعتداء عليها».