جريدة السفير: طرابلس تتجاوز قطوع الفتنة مع الجيش
نشر بتاريخ 07/12/2013

جريدة السفير:

                                                                    

طرابلس تتجاوز قطوع الفتنة مع الجيش

 

أما وقد تجاوزت طرابلس قطوع «الفتنة العمياء» التي أراد «المتضررون» من الخطة الأمنية دفعها الى نيرانها، وتحويلها بالتالي الى نسخة جديدة من مخيم نهر البارد أو من عبرا في صيدا، فان ما جرى ليل أمس الأول، يحتاج الى قراءة متأنية وعميقة، لاستشراف المخاطر الكبرى المحيطة بالمدينة جراء مغامرات بعض الأطراف بدماء مواطنيها، خصوصا أنه «ليس في كل مرة تسلم الجرة».

الثابت في ليل «الجنون الأمني» في طرابلس، هو تلاقي كل إرادات الشر، الاقليمية منها والمحلية، للانقلاب على الهدوء الذي نعمت به المدينة على مدار 24 ساعة، والناتج عن «إعلان بعبدا الأمني» بتسليم الجيش الأمرة العسكرية وتكليفه التصدي لكل المحاولات المخلة بالأمن.

وقد أثبت ذلك، أن طرابلس لا تزال حاجة ملحة للأطراف الاقليميين لتكون ساحة خلفية للصراع الدائر في سوريا، وأن قرار التنازل عن ورقتها الأمنية أو الابقاء عليها لن يكون أقله قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2 في 22 كانون الثاني المقبل.

كما أثبت أيضا أن الاستقالة من الحكومة لم تشفع للرئيس نجيب ميقاتي، وأنه لا يزال في دائرة الاستهداف التي تمنع عليه توفير الأمن لمدينته ومواطنيه، فشكل «الجنون الأمني» غير المسبوق، محاولة للانقلاب عليه وعلى وزراء ونواب المدينة الذين نجح ميقاتي في تجاوز كل الخلافات السياسية معهم، وجمعهم تحت عنوان: «توفير الأمن والاستقرار لطرابلس».

وبدا واضحا أن «أمر عمليات» قد أعطي في طرابلس بعد عصر أمس الأول، لضرب كل مكونات الخطة الأمنية دفعة واحدة، وأن ما حصل من تحركات شعبية أو مسلحة أو غوغائية، كان عن سابق تصور وتصميم وتنظيم، وباشراف غرفة إعلامية سوداء كانت تبث سموم الفتنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والرسائل القصيرة في أرجاء المدينة، وتصدر البيانات الكاذبة باسم عدد من الكوادر وعن بعض الاجتماعات بهدف شحن الشارع المتفلت من عقاله، وتحريضه أكثر فأكثر على الجيش تارة، وعلى ميقاتي ووزراء ونواب المدينة تارة أخرى.

في غضون ذلك سارع «إطفائيو» طرابلس، من سياسيين ومشايخ وقيادات، الى احتواء الموقف الملتهب، فسارعوا الى تكذيب كل البيانات التي ألصقت بهم، بعد أن تبنتها وسائل إعلامية عدة، فدعا النائب محمد كبارة نواب المدينة الى إجتماع مفتوح في منزله لمواكبة التطورات، وعقد رئيس «هيئة علماء المسلمين» الشيخ سالم الرافعي اجتماعا للمشايخ والفاعليات في مكتبه، كما عقد اجتماع مماثل في قاعة مسجد حربا لكوادر التبانة، وبوشرت الاتصالات لسحب المحتجين على إجراءات الجيش من الشارع وحماية طرابلس من أي تصرف غير محسوب النتائج قد يؤدي بالمدينة الى الهاوية، خصوصا أن مواجهات عدة حصلت بين الجيش والمحتجين، كان أبرزها وأخطرها بعد التبانة، أمام ثكنة القبة ليلا.

وعلمت «السفير» أن كل المشاركين في هذه الاجتماعات وضعوا المحتجين في الشارع أمام مسؤولياتهم، وأكدوا أن لا مصلحة لأي طرف بالدخول في مواجهة مع الجيش، لأن ذلك سيؤدي الى فتنة دموية على مستوى الوطن، قد نعرف متى تبدأ ولكن لن يستطيع أي كان أن يتكهن كيف ستنتهي، وماذا سينتج عنها من نتائج كارثية على الجميع، خصوصا أن الأمور تطورت الى حدود إطلاق التكبيرات من مآذن المساجد وبث تسجيلات صوتية على مواقع التواصل تدعو الى الجهاد، وهو أمر بالغ الخطورة.

وجاءت هذه المعالجات السريعة، مع انعقاد اجتماع موسع لقيادة الجيش التي كانت على تواصل مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وكان بحث في الخطوات الممكن إتخاذها.

وأكدت مصادر عسكرية لـ«السفير» أن كل الاحتمالات كانت مطروحة تبعا للتطورات التي يمكن أن تحصل، وأن الوحدات العسكرية كانت في جهوزية تامة لتنفيذ أي قرار قد يصدر عن القيادة، وذلك للتأكيد على أن كل ما يحصل لن يثني الجيش عن القيام بواجباته في حماية طرابلس وكل المناطق اللبنانية، ولن يؤثر على هيبته ومعنوياته.

كل ذلك، إضافة الى سحب الغطاء السياسي والديني السريع عن التحركات، أدى الى تهدئة الأوضاع وانسحاب المحتجين من الشارع تباعا، ليكمل الجيش مهماته في حفظ الأمن، حيث عزز دورياته في مختلف أرجاء المدينة وأقام حواجز ثابتة، واستمر في ملاحقته لبعض المطلوبين والمخلين بالأمن.

وقد أكدت قيادة الجيش توجهاتها بشكل عملي أمس، حيث شوهدت أرتال من الدبابات والآليات المحملة بالجنود تتجه نحو طرابلس صباحا، وذلك في رسالة مباشرة الى من يعنيهم الأمر بأن اللعب مع الجيش غير مسموح، وأن الخطة الأمنية ستنفذ مهما بلغت التضحيات.

وترك ما شهدته طرابلس سلسلة من علامات الاستفهام، حول الذنب الذي اقترفه الجيش اللبناني كي يتعرض لمثل هذا النوع من التحريض، فضلا عن إطلاق النار عليه، خصوصا أن ما قام به يوم أمس الأول هو حماية بعض وسائل الاعلام من الاعتداء، وتوقيفه لأحد المتورطين بالاعتداء على أبناء جبل محسن، هذه الاعتداءات التي كانت الشرارة لاشعال جولة العنف الـ18، فضلا عن استكماله إزالة الدشم تمهيدا لاعادة الحياة الى طبيعتها في المناطق الساخنة.

لكن المستغرب هو ترك الجيش وحيدا في هذه المواجهة بالرغم من تسليمه الأمرة العسكرية على كل الأجهزة الأمنية، حيث غابت قوى الأمن الداخلي وسائر الأجهزة الأخرى عن الأرض، تاركة شوارع طرابلس للمسلحين وقطّاع الطرق، كما أنها لم تقم بواجباتها في حماية ظهر الجيش، وفي حفظ أمن المواطنين بعيدا عن أماكن المواجهات والذين شعروا بأن مدينتهم تستباح، ما يشير الى «قطبة مخفية» حول تعاون المؤسسات الأمنية مع بعضها البعض.

واللافت أيضا هو غياب الهيئات المدنية والأهلية المنشغلة في اعتصاماتها ضد الاقتتال في طرابلس، عن توفير الاحتضان الكامل للجيش وهو يدافع عن مدينتها، وفي تأمين الغطاء الكامل للخطة الأمنية، فغابت بيانات الاستنكار لسقوط شهيد وستة جرحى من بينهم ضابط برصاص المطلوبين، في حين تقام الدنيا ولا تقعد عندما يسقط شهيد للجيش في أي منطقة لبنانية، بينما لا يتم تحريك أي ساكن سياسي أو مدني عند استهداف الجيش في طرابلس خصوصا أنه قدم على مدار جولات العنف السابقة 7 شهداء وأكثر من 240 جريحا.

وهذا يطرح أسئلة محورية: كيف للجيش أن يحمي مدينة ينأى أهلها عن التضامن معه؟ وهل كلما أوقف الجيش مطلوبا في طرابلس سيصار الى اتهامه باستهداف السنة؟ وماذا إذا تكرر سيناريو «الجنون الأمني» الذي شهدته المدينة ليل الخميس ـ الجمعة؟.