جريدة السفير: طرابلس: استثمار الهدوء لتعطيل صواعق التفجير
نشر بتاريخ 11/12/2013

جريدة السفير:

                                                                    

طرابلس: استثمار الهدوء لتعطيل صواعق التفجير

 

أما وقد هدأت الأوضاع الأمنية في طرابلس بسحر ساحر، فتراجعت التوترات اليومية، وانكفأ المسلحون، وتوقفت الاعتداءات، وغابت مظاهر إطلاق النار في أرجاء المدينة، وعاد الجيش ليفرض هيبته ويمنع أي إخلال بالأمن أو قطع للطرقات، فان كل هذا، شكل سلسلة من علامات الاستفهام لدى الطرابلسيين أبرزها:

كيف انقلب «الجنون الأمني» ليل الخميس ـ الجمعة الفائت الى حالة استقرار لم تكن متوقعة؟ وكيف تحولت دعوات الجهاد ضد الجيش الى التزام بأوامره ونواهيه؟ وكيف ركنت الاطراف المتنازعة الى الخطة الأمنية التي أعادت الأمور الى طبيعتها في عاصمة الشمال؟

الثابت، أن قرارا كبيرا جدا قد صدر بمواجهة «الجنون الأمني» المستشري في طرابلس مهما كلف الأمر، وان ما استقدمه الجيش من تعزيزات من مدافع ودبابات وقوات اقتحام بعد تصديه بالقوة للمحتجين في تلك الليلة، قد وضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: تهدئة اللعب، أو تجديد سيناريو مخيم نهر البارد أو عبرا في طرابلس، وهذا طبعا ليس من مصلحة أحد، خصوصا أولئك الساعين للحفاظ على نفوذهم وعلى بعض المكتسبات التي توفرها لهم التوترات، فكان قرارهم بتهدئة اللعب بانتظار ما ستؤول إليه الأمور من تطورات محلية أو إقليمية قد تعيدهم الى الساحة الأمنية مجددا عندما تدعو الحاجة.

يدرك الجميع أن قضية التفجيرين الارهابيين اللذين استهدفا مسجدي «التقوى» و«السلام»، ليست هي ما أشعل محاور القتال في طرابلس، ولم تكن المحرك لأولياء الدم بالاعتداء على أبناء جبل محسن في أرجاء المدينة، فهناك 16 جولة سبقت التفجيرين، وهناك عشرات الاعتداءات التي حصلت على أبناء جبل محسن سواء بحرق محلاتهم التجارية أم باستهدافهم جسديا.

ويدرك الجميع أيضا، أن الحكومة الميقاتية، قبل وبعد استقالتها، لم تكن مسؤولة بشكل مباشر عن جولات العنف الطرابلسية، بل ان بعض الجولات كانت تستهدفها برئيسها ووزرائها لاظهارها عاجزة عن توفير الأمن للعاصمة الثانية التي حظيت بالحصة الأكبر فيها على صعيد التمثيل، وذلك ضمن الصراع السياسي المحموم الذي نتج من تكليف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة منذ يوم الغضب الشهير.

علما أن حكومتيّ الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري شهدتا عددا من الجولات العنفية ووقفتا عاجزتين عن وضع حد نهائي لها، أو استكمال المصالحة التاريخية التي احتضنها منزل مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار التي شهدت اعترافا غير مسبوق من الرئيس الحريري بأن النائب السابق علي عيد هو ممثل الطائفة العلوية برغم وجود النائب العلوي بدر ونوس في الاجتماع، وكان ذلك من إيجابيات توافق ما يعرف بـ«السين ـ سين» الذي منح طرابلس فترة من الراحة الأمنية، وأفضى بعد ذلك الى قيام الحريري بزيارة سوريا وإيران.

لا يختلف إثنان على أن الاشتباك السعودي ـ السوري ما يزال في أوجّه اليوم، وأن ما تعانيه طرابلس من جولات عنف على محاورها التقليدية ليس إلا ترجمة فعلية لهذا الاشتباك عبر وكلاء محليين، يستغلون عناصر التفجير المحلية القائمة في المدينة لتبادل الرسائل النارية.

ومن أبرز هذه العناصر هو صراع الأجهزة الأمنية الذي غض النظر عن تنامي المجموعات المسلحة وبسط نفوذها، وترافق ذلك مع سباق من قبل القيادات السياسية في المدينة لاستمالة هذه المجموعات قبل أن تكتشف أنها اقترفت خطأ من العيار الثقيل بحق نفسها قبل مدينتها، وهذا الخطأ يتكرر اليوم من قبل بعض الطامحين سياسيا وانتخابيا، إضافة الى المحاولات المستمرة لاستهداف الرئيس ميقاتي وحكومته عبر الارباك الأمني الدائم في مدينته.

هذا الواقع أدى الى تعاظم نفوذ المجموعات المسلحة التي تمددت في مختلف أنحاء المدينة، وهي بدأت تفرض قوانينها على المناطق التي تسيطر عليها بما في ذلك «الخوات»، وقابلها مزيد من التسلح من قبل الحزب العربي الديموقراطي في جبل محسن.

كما أدى الى منح عدد من المشايخ أدوارا كبيرة تجاوزت أدوار وزراء ونواب المدينة، وما لبث أن دخل الحفاظ على كل هذه المكتسبات ضمن عناصر التفجير أيضا، بعدما باتت طرابلس أسيرة صراع نفوذ متعدد الأوجه.

لذلك، فان الجهود في طرابلس تنصب، بعد تسليم الجيش الامرة العسكرية فيها، على تعطيل ما أمكن من صواعق التفجير بما يؤدي الى تحصين الهدنة وتحويلها الى استقرار دائم، خصوصا أن القرار الاقليمي لا يعود قدرا في طرابلس إذا ما أقفلت في وجهه كل الثغرات التي يمكنه الدخول منها لاستثمارها، وأولها التعاون الأمني الوثيق عبر غرفة عمليات مشتركة لضبط الأمن، وثانيها التخلي عن دعم المجموعات المسلحة سياسيا وأمنيا، وثالثها إشراك المرجعية الروحية السنية ومشايخ الحالة الاسلامية السلفية في القرار الطرابلسي، ورابعها متابعة التحقيقات في تفجيري «السلام» و«التقوى» ومحاسبة المتورطين.

وقد بدا ذلك واضحا خلال الاجتماع الايجابي الذي عقده مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار مع قائد الجيش الذي اجتمع أيضا مع «هيئة علماء المسلمين» برئاسة الشيخ سالم الرافعي التي كان لها دور هام في إيقاف مفاعيل ليل «الجنون الأمني» وقطع الطريق على بعض من أراد أن يركب موجة «الغليان السني» على غرار الظاهرة الأسيرية في صيدا.

ولعل النجاح في سحب هذه العناصر التفجيرية هو الذي أدى الى الهدوء الذي تنعم به طرابلس منذ يوم الجمعة الفائت، لكن هذا الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، خصوصا أن ثمة مخاوف جدية من مغامرات جديدة لأطراف إقليمية تسعى الى ابراز قوتها في المنطقة عبر السيطرة على الخزان السني الممتد من طرابلس فالضنية وعكار وصولا الى البقاع وعرسال، والايحاء بأنها قادرة من خلاله على زعزعة الأمن في كل لبنان، بالتزامن مع رفض تعويم الحكومة الميقاتية بقرار سعودي، وإمكانية استهداف نجيب ميقاتي مجددا من خلال ضرب الأمن في مدينته.

عندها يقول بعض أصحاب النظرة التشاؤمية إن المعركة الأخيرة في سوريا سيكون مسرحها طرابلس، في حرب تشبه الى حد بعيد حرب عام 1985 التي أنهى فيها النظام السوري والأحزاب المتحالفة معه سيطرة «حركة التوحيد الاسلامي» على المدينة.