جريدة السفير: السنيورة يدعو لتطبيق العدالة والمصالحة في عاصمة الشمال «14 آذار» تستثمر في طرابلس بـ«إعلان»
نشر بتاريخ 16/12/2013

جريدة السفير:

                                                                    

السنيورة يدعو لتطبيق العدالة والمصالحة في عاصمة الشمال

« 14 آذار» تستثمر في طرابلس بـ«إعلان»

 

لم يقدّم مؤتمر «العيش المشترك في الشمال.. مسؤولية وطنية مشتركة» الذي نظمته قوى «14 آذار» في طرابلس تضامناً معها، أي مقترح جديد أو عملي قابل للتطبيق، بل عمل على إعادة صياغة كل المقررات التي صدرت سابقاً عن اجتماعات نواب المدينة و«اللقاء الوطني الإسلامي» وأصدرها في توصيات حملت اسم «إعلان طرابلس»، وذلك على قاعدة «فسّر الماء بعد الجهد بالماء».

وبدا واضحاً أن قوى «14 آذار» حاولت من خلال هذا المؤتمر تعويم نفسها في طرابلس، وهي التي كانت وما تزال تتعاطى مع المدينة على أساس أنها خزان شعبي فقط يستخدم كاحتياط استراتيجي لمناسباتها السياسية المختلفة، فجاء المؤتمر أشبه بمهرجان خطابي لجهة حزبية، لم يخلُ من التحريض السياسي والمذهبي الذي يمكن أن يشعل جولات عنف جديدة في المدينة، ومن جمل إنشائية مكررة، وشعارات مستهلكة.

ويمكن القول إن قوى «14 آذار» ناقضت نفسها بنفسها من خلال عنوان المؤتمر، فـ«المسؤولية الوطنية المشتركة» للحفاظ على العيش المشترك، ترجمت حضوراً فئوياً في المؤتمر الذي استثنى منظموه من الدعوة كل التيارات السياسية الفاعلة والقوى الدينية في المدينة، كما جرى تغييب أي ممثل عن أطراف النزاع، سواء في التبانة والقبة أو في جبل محسن، وذلك في محاولة منها لاختصار طرابلس بجهة سياسية واحدة، وضرب التنوع القائم فيها.

وفي هذا الإطار لا بد من تسجيل سلسلة ملاحظات حول المؤتمر من حيث الشكل والمضمون.

في الشكل فرضت قوى «14 آذار» نفسها على طرابلس بمؤتمر من لون سياسي واحد، وصادرت دور نوابها الذين كانوا مجرد ضيوف على منصة المؤتمر التي لم تتسع لجميعهم، في حين ألقى منسق «الأمانة العامة» فارس سعيد كلمة الافتتاح، ومن ثم تلا البيان الختامي، فيما أدار الجلسات عضو الأمانة العامة سمير فرنجية، من دون أن يكون لأهل البيت الطرابلسي أي دور.

أما في المضمون فبدا أن ثمة صراعاً بين «الأمانة العامة»، وبين تيار «المستقبل»، وقد ظهر ذلك جلياً في الكلمة الجامعة للرئيس فؤاد السنيورة والتي أنهت المؤتمر قبل أن يبدأ، بعدما استبقت كل المداخلات، وحددت التوجهات السياسية العامة في المرحلة المقبلة، وتضمنت توصيات متكاملة جاءت متشابهة الى حد كبير مع التوصيات الختامية الكلاسيكية التي احتاجت الى أربع ساعات من النقاش لإصدارها.

وبدا أن كثيراً من بنود «إعلان طرابلس» يحتاج الى دعم المقررات الحكومية لتنفيذها وليس الانقضاض عليها، كما يحصل في كل مرة في إطار الصراع السياسي لـ«14 آذار» مع الرئيس نجيب ميقاتي، في حين أن الحديث الفضفاض عن «المصالحة» فتح المجال أمام سلسلة تساؤلات لجهة: لماذا لم تصن «14 آذار» ومعها تيار «المستقبل» المصالحة التاريخية مع جبل محسن التي جرت في منزل المفتي مالك الشعار؟ وإذا كانت تلك المصالحة جمعت كل الأطراف السياسية آنذاك بدون استثناء ولم يكتب لها الاستمرار، فكيف يمكن إنجازها بفئة سياسية واحدة اليوم؟ ولماذا لم تتجاوب «14 آذار» مع دعوة الرئيس نجيب ميقاتي الى إحياء هذه المصالحة عند تشكيل حكومته؟ وهل ستشمل هذه المصالحة مكونات طرابلس، قبل جبل محسن، فتلغي مفاعيل يوم الغضب الأسود؟

واللافت أن «إعلان طرابلس» قد انقلب على الخطة الأمنية باعتماده الازدواجية الأمنية بمخاطبة الجيش وقوى الأمن الداخلي للقيام بالمهام المطلوبة منهما، في حين أن «إعلان بعبدا الأمني» الذي أقر هذه الخطة، سلم الجيش الامرة العسكرية . وهذا بدا وكأنه تحريض على إحياء صراع الأجهزة الذي ينعكس سلباً على المدينة.

أما وقد اختتم مؤتمر «14 آذار» في طرابلس، فإنه لم يختتم معه مسلسل الخوف من المجهول المقبل الى المدينة بفعل الخطاب التحريضي والشحن المذهبي المستمرين في تعبئة النفوس وإعطاء الغطاء لكثير من المستفيدين للإخلال بأمن المدينة التي كفر أهلها بكل التيارات والقيادات السياسية، وسئموا من استخدامهم وقوداً في صراع الآخرين، وملوا الخطابات والشعارات الفارغة. لذلك بدت طرابلس يوم أمس غير معنية بالمؤتمر الذي دلت عليه التدابير الأمنية الاستثنائية في محيط فندق «كواليتي إن»، وبقي حركة من دون بركة.. ولمن يهمه الأمر فقط.

 

السنيورة

 

إفتتح المؤتمر بالنشيد الوطني وبكلمة منسق الأمانة العامة فارس سعيد، فتطرق إلى أوضاع طرابلس مشيراً الى أنها قدمت أكثر من 250 شهيداً وأكثر من 2000 جريح «نتيجة مؤامرة موصوفة نسجها النظام السوري وأعوانه وأدواته المحلية».

وألقى رئيس «كتلة المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة كلمة رأى فيها أن «طرابلس تخوض معركة كل لبنان».

وأكد السنيورة أن طرابلس هي عاصمة الاعتدال والوسطية والعيش المشترك بين كل مكوناتها، وان اهالي بعل محسن وباب التبانة هم عائلة واحدة يجتمعون حول لبنانيتهم، لكن هناك مَن عمل ويعمل على ضربهم بعضهم ببعض وهو معروفة أهدافه ومخططاته، وهو أيضاً ينفذها في سوريا.

واعتبر السنيورة أن «ما تشهده طرابلس عبارة عن استهداف مباشر ومؤامرة لضرب لبنان وإشعال الفتنة فيه، وجعل اهل السنة والجماعة ينقلبون على تاريخهم وعلى اعتدالهم وأن يتحولوا نحو التطرف، او نحو مواجهة مؤسسات الدولة اللبنانية وفي مقدمها الجيش اللبناني».

وجدّد السنيورة تأكيد «أننا نتمسك بلبنان العيش المشترك، وبالحرية والنظام الديموقراطي ومبدأ التداول السلمي للسلطة وبسلمية الأساليب والوسائل، وبطبيعة الحال بلبنان وطناً نهائياً عربي الانتماء والهوية، لبنان المنفتح والمتآلف مع كل الثقافات، لا لبنان الفارسي أو الأعجمي أو الأميركي أو الأوروبي».

ورفض «تعصّب وانغلاق وضيق صدر بعض المسيحيين، وتطرف وشطط بعض غلاة الشيعة الآتي من طهران عبر سياسة ولاية الفقية العابرة للحدود السياسية، وتطرف بعض غلاة السنة وميلهم الى اعتماد أسلوب التكفير والعنف».

واستنكر ودان «الاعتداءات على الاماكن الدينية المقدسة وتفجيرات مسجدي «التقوى» و«السلام» والضاحية الجنوبية والسفارة الايرانية، وتدمير المقامات في سوريا عند الشيعة والسنة، والتهجم على الكنائس والأديرة في معلولا وغيرها. متسائلاً أين أنتم يا من تدعون الإسلام من اخلاق عمر بن الخطاب من خطف المطرانين والاخوات الراهبات؟». معتبراً «كل ذلك يخدم أهداف النظام القاتل»، متهماً إياه بـ«الوقوف خلف كثير من المجموعات المتطرفة».

ورحب السنيورة بالاتفاق النووي الذي تمّ التوصل اليه بين ايران والدول الخمس الكبرى، مؤكداً «حق ايران في التخصيب النووي للأغراض السلمية، وليس مقبولاً الكيل بمكيالين وترك إسرائيل محتفظة بأسلحة الدمار الشامل من نووية وغيرها بخاصة بعد أن سلمت سوريا وقبلها العراق أسلحتهما الكيماوية».

ودعا الى ان «يتم استغلال فرصة الاتفاق لفتح الأبواب المغلقة بين العرب وايران كأشقاء وأصدقاء في الجوار والدين والثقافة. وان تلتزم ايران سياسة حسن الجوار وعدم التدخل بشؤون الدول، ويشكل لبنان النموذج لإثبات صدق التوجهات الجديدة لدى ايران».

ودعا «حزب الله» لـ«العودة الى لبنان على مختلف المستويات السياسية والامنية، عبر وقف مشاركته في القتال في سوريا ووقف خروجه على الاجماع الوطني ووقف تحوله إلى قوة عسكرية مقاتلة حين تطلب منه طهران. فـ«حزب الله» الذي كان له شرف المشاركة الفاعلة في قتال اسرائيل والمساهمة في تحرير الأرض المحتلة حتى العام 2000 قد تحوّل إلى قوة احتلال وقهر عبر مشاركته في القتال الى جانب النظام السوري وقبلها قتال اللبنانيين عبر غزو بيروت وبعض المناطق».

ودعا السنيورة الى «تشكيل حكومة انتقالية من غير الحزبيين»، معتبراً أن «حزب الله قد ارتكب معصية وطنية حين أصرّ على عدم الوقوف عند مصالح اللبنانيين ورغباتهم، وعليه التراجع عن هذا العناد من اجل فتح الباب امام عودة الوئام الوطني».

وطالب «بنشر الجيش على الحدود الشمالية والشرقية ومؤازرته بقوات الطوارئ الدولية في ضبط الحدود، وباستكمال تنفيذ الخطة الأمنية بشكل صارم وعادل في كل أحياء المدينة وفي باب التبانة وبعل محسن، ومنع حمل السلاح واستعماله من قبل أي طرف كان. ينبغي أن تصبح طرابلس المدينة الرائدة في كونها مدينة خالية من السلاح غير الشرعي وتتبعها مدن وبلدات لبنانية أخرى».

كما شدد على ضرورة «تنفيذ الاستنابات القضائية بحق المتهمين بجريمة تفجير مسجدي التقوى والسلام، وكذلك بحق من أطلق النار على شبان أبرياء يسكنون بعل محسن»، داعياً الى «تشكيل لجان أهلية للمصالحة وإعادة الوئام بين أهل المدينة الواحدة، وعلى وجه الخصوص بين باب التبانة وبعل محسن».

 

التوصيات

 

ثم انطلقت أعمال المؤتمر الذي تضمنت نحو 30 مداخلة من قبل المشاركين، ثم تلا فارس سعيد البيان الختامي، فـ«حمّل النظام في سوريا وأدواته اللبنانية مسؤولية محاولات تخريب لبنان والحؤول دون قيام دولته».

ودعت التوصيات لـ«تطبيق العدالة، بدءاً بملاحقة وتوقيف ومحاكمة كل الفاعلين والمحرضين والمتدخلين في جريمة مسجدي التقوى والسلام، وملاحقة كل مرتكبي جرائم القتل والاعتداء على الناس في أنفسهم واموالهم، إلى جرائم فرض الخوات واحتلال الأملاك العامة والخاصة ومنع حمل السلاح والظهور المسلح».

وأكّدت «دعم القوى الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي مادياً ومعنوياً وسياسياً».

وطلبت إلى «الجيش وقوى الأمن الداخلي فرض الأمن بالحزم اللازم، من دون أي إفراط في استعمال القوة، وبعدالة كاملة شاملة غير انتقائية لا تفسح في المجال لهواجس الانحياز عند أي فريق، خاصة أنه قد ثبت للجميع قدرة الجيش على ضبط الوضع متى أراد».

ودعت «لإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة وبين الناس من خلال توفير العدالة السريعة والأمن للجميع».

كما دعت لـ«وضع خطة شاملة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لكل مناطق الحرمان في المدينة تكون على ثلاث مراحل: سريعة توفر الخدمات الطبية والاستشفائية والغذائية الفورية لمناطق الحرمان والاقتتال، متوسطة توفر للشباب العاطل عن العمل فرصة تعلم حرفة للكسب وفرص عمل يمكن أن يكون بينها الانخراط في الأسلاك العسكرية، وثالثة طويلة الأمد يكون هدفها إعلان الحرب على الفقر».

كما طلبت التوصيات من الإعلام الوطني الرسمي والخاص «المساهمة في نشر وعي والتزام وطني في صفوف الناس».

ودعت إلى «التحضير لمصالحة وطنية على غرار ما حصل في جبل لبنان، تقوم على التعويض على ضحايا العنف والاقتتال، على أن يبدأ في تنفيذها بعد إحلال الأمن في جو سليم خالٍ من التوتر».

و«تأكيد أن طرابلس مدينة حاضنة للجميع ومتواصلة مع كل محيطها».

وطالبت بـ«نشر الجيش على الحدود الشمالية والشرقية والاستعانة بقوات الطوارئ الدولية تنفيذاً للقرار 1701 لضبط الحدود بدون أي استثناء».

وأشار الإعلان إلى أنه «تم تشكيل لجنة متابعة لمتابعة تنفيذ هذه البنود».

 

السنيورة يزور الشعار

 

من جهة ثانية، زار الرئيس فؤاد السنيورة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، في منزله في طرابلس، يرافقة النائب مروان حمادة والوزير السابق محمد شطح، وتم خلال اللقاء البحث في ما ورد من مقررات في مؤتمر «14 آذار» الذي انعقد في طرابلس.

وأثنى الشعار على «مواقف الرئيس السنيورة الوطنية التي لا يمكن لحرّ أو مستقل أو وطني الا أن يؤيدها»، مرحبا بكلامه عن أن طرابلس هي «مدينــة الاعــتدال والوسطية والعيش المشترك بين كل مكوناتها».

كما أثنى الشعار على مقررات المؤتمر معتبرا أنها «تعبر عن فئة كبيرة من اللبنانيين، خصوصا ما تطرق منها الى التحضير للمصالحة الوطنية»، وأعلن أنه أبلغ السنيورة أنه «سيتخذ خطوات تؤسس لمستقبل يجمع اللبنانيين جميعا».