جريدة السفير: «إعلان بعبدا الطرابلسي» أمام اختبار النيات السياسية
نشر بتاريخ 04/12/2013

جريدة السفير:

 

«إعلان بعبدا الطرابلسي» أمام اختبار النيات السياسية

                                                                    

ترك «إعلان بعبدا الطرابلسي» بتسليم الجيش اللبناني الامرة العسكرية في طرابلس، ارتياحاً واسعاً بين أبناء المدينة على اختلاف توجهاتهم، وإن لم يلمسوا حتى ليل أمس ترجمته الفعلية على أرض المحاور التي ما تزال مشتعلة بالقنص والاشتباكات المتقطعة وبالرد العنيف للجيش على مصادر النيران.

وبدت طرابلس في يومها الرابع من التعطيل القسري، اقتصاديا وتجاريا وتربويا، في حالة من الخوف من احتمال أن تخرج الأمور الأمنية عن السيطرة، وأن تدفع مدينتهم ثمنا باهظا لصراع «أولياء الدم»، أو أن تتعرّض لدخول عناصر جديدة الى ميدان المعارك يؤدي الى أعمال انتقامية خارجة كليا عن نسيج المدينة الاجتماعي وعاداتها وتقاليدها في ظل التهديدات المتنامية بين المتنازعين، بما يحوّلها الى ساحة خلفية للمدن السورية التي تشهد مواجهات مماثلة، وأن تبقي العاصمة الثانية تعيش على وقع هذه التوترات والاعتداءات المتلاحقة، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الأزمة السورية.

لكن الإجراءات الاستثنائية التي لمسها الطرابلسيون أمس، أعادت نوعاً من الطمأنينة إليهم، فبدا من المعطيات المتوفرة على الأرض أن الخطوات التي ستتخذ حيال الجولة 18 لن تكون كسابقاتها من المعالجات التي كانت تعتمد في جولات سابقة، وتبدأ باجتماعات مع مسؤولي المجموعات المسلحة، وتنتهي بوقف إطلاق النار وبانتشار الجيش وفق شروط محددة كان يعتبرها البعض أنها وفق قاعدة «الأمن بالتراضي».. بل إن قرار تسليم الامرة العسكرية للجيش قد وضع كل المجموعات المسلحة أمام خيارين لا ثالث لهما: اما الامتثال للأوامر والانكفاء والتخلي عن السلاح، أو مواجهة الجيش والقوى الأمنية وهذا الأمر سيجعلهم أمام الملاحقة القانونية، خصوصاً في ظل النشاط المستجد للقضاء ونياباته العامة حيال المخلين بأمن طرابلس، حيث سطر خلال اليومين الماضيين 60 استنابة قضائية بحق مسلحين من مختلف المناطق.

ودفع هذا الارتياح الطرابلسي، الذي ترجم بحشود من المشايخ والشخصيات والفاعليات والمواطنين زارت رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في منزله للتعبير عن تأييدهم لقراراته ودعمهم لمواقفه، الكثير من القيادات الى الاسراع في تبديل مواقفها الرافضة لوضع طرابلس في عهدة الجيش، والسير في ركب التيار الطرابلسي الجارف المؤيد لإنقاذ المدينة من جولات العنف العبثية المتكررة والموت المجاني الذي يرتفع عدّاده يومياً.

وشكل الاجتماع السياسي، الذي عقده ميقاتي مع وزراء ونواب المدينة، غطاء جديداً للجيش من المفترض أن يمنحه مزيداً من القدرة على القيام بالمهام الموكلة إليه.

وعلمت «السفير» أن غرفة العمليات الأمنية المشتركة ستبصر النور اليوم، وهي ستشرف على كل العمليات الأمنية التي سيقوم بها الجيش وقوى الأمن الداخلي التي انطلقت في طرابلس فور صدور إعلان القرار وترجمت بسلسلة مداهمات أسفرت عن توقيف 21 شخصاً ومصادرة كميات من الأسلحة والذخيرة.

وأشارت المعلومات الى أن الجيش سيعمل وفق الخطة الأمنية التي كانت موضوعة سابقاً، لجهة تمركز قوى الأمن الداخلي في الأحياء الداخلية للتبانة والقبة وجبل محسن، وقد باشرت الوحدات الأمنية انتشارها اعتباراً من ليل أمس، فيما سيقوم الجيش بتعزيز تواجده على خطوط التماس ومحيطها، ليتمكن من الرد بشكل مباشر على مصادر النيران، كما عمل على نشر عناصره على بعض أسطح المباني لمراقبة الأماكن التي يمكن أن يطلق منها النار.

ومن المفترض بحسب المعطيات أن يعمل الجيش والقوى الأمنية على ضبط وضع المناطق الساخنة اعتباراً من اليوم بعد استكمال عمليات التطويق التي بدأها أمس. ولكن هل سينهي ذلك الأسباب التي أدت الى انطلاق الجولة 18 في المدينة؟ وهل سيُصار الى تأمين الشروط والشروط المضادة لـ«أولياء الدم»؟ ومن يضمن تسليم كل المتورطين في تفجيري طرابلس؟ ومن يضمن عدم تعرض أبناء جبل محسن لاعتداءات مماثلة في طرابلس؟ وفي حال حصل ذلك، كيف ستكون ردات الفعل لأبناء الجبل؟ وهل ستكون شرارة جديدة لانطلاق جولة العنف الـ 19؟ وكيف سيتعاطى المتضررون من الخطة الأمنية مع المستجدات التي ستقلص من نفوذهم ومن المكتسبات التي توفرها لهم التوترات الأمنية؟ وكيف ستترجم تصفية الحسابات السياسية المحلية التي ظهرت على هامش الجولة 18 ؟

لا تستبعد مصادر سياسية مطلعة أن تسعى بعض المجموعات المسلحة لجرّ الجيش اللبناني الى مواجهات داخلية معها، بهدف الإيحاء بأن المؤسسة العسكرية تستهدف فئة دون أخرى في المدينة بما يؤدي الى عرقلة الإجراءات الأمنية التي ستتخذ.

ولفتت هذه المصادر الانتباه الى أن هذا الأمر يقع على عاتق القيادات السياسية في طرابلس التي إما أن تقف الى جانب أمن مدينتها وأن تدعم قرار بعبدا والاجراءات المتخذة من قبل القوى الأمنية المشتركة، أو أن تؤدي اللغة السياسية المزدوجة في حال تم اللجوء إليها مجدداً الى نسف الخطة الأمنية من أساسها، ما يعني جرّ طرابلس الى معركة استنزاف طويلة الأمد، وعندها يكون سياسيو طرابلس قد عزلوا أنفسهم بأنفسهم، وتركوا أمر مدينتهم للهواء الأسود الذي سيمهد الطريق امام أسوأ الاحتمالات، وعندها لا صوت يعلو فوق صوت المعارك السورية في طرابلس.

 

ميقاتي: لا تساهل بحق الدولة

                                                                    

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي «اننا لن ندخر جهدا للحفاظ على امن طرابلس وتحقيق السلام في ربوعها من دون التوقف عند انتقاد او تحامل » ، ولفت الى «أن جميع ابناء طرابلس هم صوت واحد في المطالبة بالأمن والأمان، وان تأخذ الدولة دورها وتصدر الاستنابات القضائية اللازمة في حق كل مخل بالأمن في هذه المدينة التي يحق لها ان تنعم بالهدوء». وشدد «على أن طرابلس لن تتحول الى وكر لأحد، فهي لأهلها، وقد عاشت الكثير من المعاناة منذ ايام مجازر باب التبانة في الثمانينات من القرن الماضي وحتى اليوم، ومن حقها ان تنعم بالامان والاستقرار».

وعقد ميقاتي في دارته في طرابلس اجتماعا مع نواب طرابلس شارك فيه: الوزير احمد كرامي، والنواب: سمير الجسر، محمد كبارة، روبير فاضل، بدر ونوس، واحمد الصفدي ممثلا الوزير محمد الصفدي.

وأكد ميقاتي أمام وفود زارته أن المباركة الحقيقية تكون عندما يسود الامن والامان، نافيا جعل طرابلس منطقة عسكرية، «ولا يجوز أن نصل الى هذا الامر، وما تقرر هو وضع كل الاجهزة الامنية في طرابلس تحت أمرة الجيش بهدف ضبط الأمن، وهذا لا يكون بالوقوف مع فريق ضد آخر، بل التعاطي بالتساوي مع كل المناطق. وعندما تكون هناك 14 حالة وفاة في منطقة معينة جراء القنص من منطقة اخرى، فهذا الأمر يحتاج الى معالجة، خصوصا عندما يكون القنص من فوق الى تحت». وأكد ميقاتي أن «كل من تسول له نفسه التطاول على القوى الأمنية، حتما لن يستطيع ان يحظى بحماية احد او بتغطية من أحد. فكل ابناء طرابلس صوت واحد في المطالبة بالأمن والأمان وان تأخذ الدولة دورها وتصدر الاستنابات القضائية اللازمة في حق كل مخل بالأمن، وهناك ظروف متعددة تتحكم بالأوضاع اليوم، ولا ننسى ما حصل اخيرا من تفجيرين في مسجدي السلام والتقوى، ومن هذا المنطلق لا يمكن لنا ان نقبل بأي تساهل او مساومة على ارواح الضحايا الذين سقطوا، خاصة وان خيوط الجريمة وتفاصيلها باتت معروفة».

وردا على سؤال عن اسباب عدم توقيف «قادة المسلحين» أكّد أن «الجيش يملك الصلاحية الكاملة لاتخاذ القرار وتحديد التوقيت»، مشيراً إلى أن اجتماع بعبدا «اكد هذا الموضوع». ورأى أنه «حتما لن تنتهي الامور بين ليلة وضحاها، لكن الجيش سيقوم بالتأكيد بكل الاجراءات الضرورية والمناسبة لتنفيذ المهمة التي كلف بها، وهي لا تتعلق فقط بمعالجة اوضاع طرابلس بل بصون هيبة الدولة من خلال فرض سلطة الجيش». وأشار إلى أن «الجيش لديه الصلاحية اللازمة لضبط اي اخلال امني، في كل المناطق وبعدل، وليس التعاطي مع الموضوع بمكيالين».

وردا على سؤال عن اعلان بعض من صدرت بحقهم مذكرات توقيف تمردهم على الدولة اجاب : «حق الدولة لا يموت ولا يمكن التساهل فيه، اما التوقيت فمسألة تحددها الظروف. الاهم لدينا الآن هو استتباب الأمن ومن ثم تنفيذ المذكرات وقد كلف الجيش القيام بهذه المهمة خلال فترة زمنية معينة». وأكّد أنه «ليس بوارد الاعتكاف».

وأكّد النائب سمير الجسر في ختام الاجتماع ضرورة «تطبيق الأمن بحزم وعدالة وبالتوازن».

واشار الى ان «فرض الأمن يتطلب استعمال القوة من دون افراط. ولدينا ثقة بالجيش، واي قرار سيصدر يجب تنفيذه ونحن سنتابع هذا الامر بصورة دائمة».