المجتمع المدني يعتصم اليوم استنكاراً.. والجيش ينفذ انتشاراً جديداً، طرابلس تغرق بالدم.. ونيران المعارك تصيب قلب المدينة (السفير)
نشر بتاريخ 10/12/2012
المجتمع المدني يعتصم اليوم استنكاراً.. والجيش ينفذ انتشاراً جديداً، طرابلس تغرق بالدم.. ونيران المعارك تصيب قلب المدينة (السفير)

تدخل جولة العنف الـ14 بين المناطق الساخنة في التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن في طرابلس اليوم أسبوعها الأول، حاصدة حتى الآن 17 قتيلا ونحو 90 جريحا، في ظل ارتفاع منسوب الخوف لدى المواطنين من أن تتحول مدينتهم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات المحلية والاقليمية.

ويأتي ذلك، بعد أن خاب أمل الطرابلسيين بإيجاد حل جذري وسريع لحالة الفلتان الأمني التي ترخي بثقلها عليهم وتجعل المسلحين يتحكمون برقابهم، بعد اجتماع مجلس الدفاع الأعلى الذي لم تظهر أي من نتائج مقرراته السرية على أرض الواقع.

وقال مرجع أمني واسع الاطلاع لـ«السفير» ان الجيش بدأ اعتبارا من الحادية عشرة من ليل امس، بدخول منطقة جبل محسن أولا على ان يدخل فجر اليوم الى التبانة من أجل الامساك بكل مفاصل المنطقتين، مع أوامر مشددة بإطلاق النار على كل من يعترض الجيش أثناء تنفيذ انتشاره العسكري.

ولم تحمل زيارة وزير الداخلية العميد مروان شربل، ولو أنها جاءت متأخرة، أية عناوين محددة للمعالجة، فكان أن عاد شربل من طرابلس خالي الوفاض، يحمل عتبا على الكوادر المحلية في التبانة التي رفضت تلبية دعوته للإجتماع والتي جاءت عبر وسيط، وعتبا عليه من قيادة «الحزب العربي الديموقراطي» لاستماعه الى طرف واحد من دون الطرف الآخر.

في الوقت نفسه، غابت قيادات المدينة عن السمع، بعدما ثبت عجزها عن التأثير إيجابا في إعادة الهدوء الى ربوع المدينة أو في «الموّنة» على المسلحين الخارجين عن أي سيطرة، لتبقى طرابلس غارقة في «حمام دم» من صنع أبنائها، فيما اقتصادها ينزف ويلفظ أنفاسه الأخيرة، قبل اسبوعين من عيدي الميلاد ورأس السنة.

ويمكن القول، أن من أراد من الجولة 14 أن تكون مجرد «تنفيسة» للاحتقان الذي أحدثته عملية قتل الاسلاميين في كمين تلكلخ، فقد زمام التحكم بالمعطيات الميدانية، بعدما خرجت المعارك عن سيطرته، أولا، وعن سياقها التقليدي عنفا وأسلحة ووقتا، ثانيا، وحصدت من القتلى أضعاف ما سقط في ذاك الكمين ثالثا.

وفي هذا الاطار، بدأ التعاطي بالحديد والبارود والنار يترجم كل الأحقاد السياسية في لبنان على الساحة الطرابلسية، ويطرح شروطا وشروطا مضادة، بدءا بمطالبة بعض القيادات السياسية والدينية بحل «الحزب العربي الديموقراطي» وإخراج رفعت عيد من جبل محسن ومصادرة سلاحه وإحالة عناصره الى القضاء المختص، وصولا الى رد قيادة الحزب بمطالبتها بحقوق الطائفة العلوية في سلك الدولة وفي التمثيل الصحيح للطائفة في مجلس النواب، وتأكيدها أن أحدا لا يمكن أن يلغي العلويين الذين هم من نسيج طرابلس، فضلا عن الرد الشرعي الذي صدر عن رئيس المجلس الاسلامي العلوي، الذي اعتبر فيه أن رفعت عيد «هو الممثل الشرعي والوحيد للطائفة».

ولا شك أن هذه المستجدات في المواقف والشروط، قد نسفت بشكل كامل بنود وثيقة التفاهم التي أبرمت في أيلول من العام 2009 في منزل المفتي مالك الشعار بمصادقة كل المراجع السياسية السنية والعلوية.

وإذا كانت التطورات الحاصلة باتت بحاجة الى وثيقة جديدة تضع حدا لجولة العنف رقم 14، إلا أن ذلك يبدو مستحيلا في ظل الانقسام العمودي الحاصل سواء على صعيد السياسة اللبنانية أو حيال ما يجري في سوريا. وهو ما قد يجعل طرابلس في حالة استنزاف أمني دائمة إذا لم تشهد الساعات المقبلة قرارا حاسما بوضع حد للمسلحين وللسلاح المتفلت من عقاله في شوارع المدينة.

والمستغرب اليوم في طرابلس، أن كل القيادات السياسية اكدت أنها لا تغطي أحدا من المسلحين. ودعت كل مناصريها، أكثر من مرة، الى الخروج من الشارع. كما أعلنت القوى الاسلامية والسلفية براءتها مما يجري، فيما قالت قيادة «الحزب العربي الديموقراطي» إنها تترك أمر الرد الى الجيش، وادانت استهدافه «من قبل بعض المجموعات المرتزقة»، مؤكدة «أن الجيش هو صمام الأمان ودرع الوطن»، ومعتبرة أن «استهدافه محاولة لجر البلاد الى أتون الفتنة». ورأى الحزب «ان المعركة التي تستهدف الحزب وجبل محسن، محاولة بائسة لضرب الأمن والاستقرار. وأكد على أنه «يعتبر أن طرابلس مدينته، وأهلها أهله، وما يجمع في ما بيننا أكثر مما يفرقنا».

ميدانيا
وكانت طرابلس، واعتبارا من الساعة العاشرة من ليل السبت ـ الأحد الماضي قد شهدت اشتباكات عنيفة جدا، لم تشهدها منذ العام 1985، فاشتعلت المحاور كافة واستخدم المسلحون الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، والقنابل اليدوية، والقذائف الصاروخية من «أربي جي» و«ب 7» و«ب 10»، وصولا الى قذائف الهاون من عياري 60 و82 ملم والتي تستخدم للمرة الأولى منذ اندلاع جولات العنف في أيار من العام 2008.

وقد اشتدت حدة المعارك بعد منتصف الليل لا سيما على محاور: الحارة البرانية، سوق القمح، الشعراني، السيدة، الأميركان، البقار، الريفا والمنكوبين، وتردد دوي أصوات القذائف في أرجاء طرابلس ووصلت في بعض الأحيان الى 3 قذائف في الدقيقة الواحدة، كما طالت قذائف الهاون بعض أحياء الزاهرية والسقي الشمالي وأحد المباني في شارع الثقافة، وأخرى سقطت في شارع عزمي لجهة المستشفى الاسلامي لكن ذلك لم يسفر عن خسائر بشرية.

واستمر الوضع على ما هو عليه الى ساعات الصباح الأولى، حيث أفادت معلومات بحصول عمليات اقتحام وتسلل متبادلة بين الطرفين لا سيما في البقار والشعراني والمنكوبين، وذلك في محاولات كانت ترمي الى تضييق الخناق على جبل محسن والعمل على محاصرته. في وقت بذل فيه الجيش اللبناني جهودا مضنية من أجل التخفيف من حدة المعارك على بعض المحاور من خلال رده العنيف على مصادر النيران.

في غضون ذلك، كانت محاور التبانة، حتى ما قبل منتصف الليل، أخف وطأة من المحاور الأخرى، خصوصا بعد الاجتماع الذي عقدته القوى الاسلامية والسلفية فيها. وأكدت في بيان لها على دفع التهمة المنسوبة إليها بافتعال الأحداث في المنطقة والاخلال بالأمن، لافتة الانتباه الى أن ذلك ينافي الاسلام، مشددة على حرصها بضرورة الابتعاد عن الفتنة.

لكن هذا البيان لم يترجم على الأرض، حيث ما لبثت أن عنفت الاشتباكات على هذه المحاور من سوق الخضار، طلعة العمري، ستاركو، الشيخ عمران، البازار والملولة مع ساعات الفجر. وشهدت مناطق التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن واحدة من أعنف المعارك على الاطلاق.

كما جابت سيارات مجهولة في مناطق التل وباب الرمل وابي سمراء وقام من بداخلها باطلاق النار ما أثار حالات رعب في صفوف المواطنين.

وصباح أمس، ساد هدوء حذر في المحاور، كانت تخرقه أعمال القنص التي لم تتوقف، والرشقات النارية بين الحين والآخر، فيما استمر الجيش يرد على مصادر النيران من دون أن يتمكن من إخمادها بالكامل. وقد تعرض مركزه في الشارع الجديد في جبل محسن لقذيفة هاون أدت الى جرح اثنين من العسكريين.

وبعد الظهر، تجددت الاشتباكات على بعض المحاور وعاد المسلحون لاستخدام القذائف الصاروخية واستمر ذلك بشكل متقطع حتى ساعات الليل الأولى، فيما أعاد الجيش اللبناني انتشاره وكثف تواجده على المحاور مجددا محاولاته لضبطها.

واستمر في ضرب طوق أمني حول المناطق الساخنة، وإقامة حواجز تفتيش ثابتة، أوقف خلالها عددا من الأشخاص المشتبه بهم. وأصدرت قيادة الجيش، في هذا الصدد، بياناً أكدت فيه أن القوى المنتشرة في طرابلس تواصل تعزيز إجراءاتها الأمنية لقمع المظاهر المسلحة وإعادة الأمن والاستقرار فيها، مشيرة إلى سقوط رمانة يدوية قرب أحد المراكز العسكرية في المنطقة، ما أدى إلى إصابة عسكريين اثنين وأحد المدنيين بجروح.

وكانت خدمة «الجيل الثالث» قد توقفت منتصف ليل 9 كانون الأول عن العمل «بسبب إصابة محول محطة التبانة الخناق التي تغذّي محافظة الشمال وقضاءي جبيل وكسروان. وهو ما أثر على خدمة الجيل الثالث في المناطق المذكورة، علما ان «شركة touch» اكدت في بيان امس، أن «العمل جار لإصلاح الأعطال وإعادة الخدمة».

معالجات غبر مجدية
وكانت المعالجات استهلت منذ صباح يوم السبت، فوصل وزير الداخلية العميد مروان شربل الى طرابلس وترأس مجلس الأمن الفرعي واستمع من ضباط الأجهزة الأمنية إلى كل التفاصيل المتعلقة بالمواجهات المسلحة الضارية.

وعقد شربل مؤتمرا صحافيا أكد فيه أن «القضاء والقوى الامنية والعسكرية ستتحرك بصرامة وقوة لوضع حد لما يجري في طرابلس». أضاف: يجب أن يعالج بشدة لان الوضع لم يعد يحتمل وثمة خوف شديد من تطور وامتداد الازمة الى خارج المدينة.

واشار شربل الى أن القوى الامنية والعسكرية لم تتأخر في معالجة الاحداث انما رأينا انه من المستحسن معالجة الموضوع «بالشدة المقرونة باللين» وليس معنى ذلك انه امن بالتراضي لا بل هو حل للموضوع باقل قدر ممكن من الخسائر» وأكد أن كل السياسيين في لبنان يرفضون تغطية أي مسلح يروع الآمنين.

وقال: طرحنا أن تكون صيدا منطقة عسكرية، ولأسباب أو أخرى رفض الطلب، وسنطرح الموضوع عينه بالنسبة لطرابلس وسننتظر الجواب.

ثم انتقل شربل إلى منزل النائب سمير الجسر حيث عقد اجتماعا مع نواب طرابلس والضنية وعكار.

وكان عقد اجتماع للنواب في منزل الجسر، أصدروا بعده بيانا رفضوا فيه أن تدفع طرابلس دائما ثمن الصراعات السياسية. وشددوا على أن لا بديل عن الدولة لكل الناس، لأنها المظلة الأمنية الوحيدة، وأن الأمن الذاتي هو وهم وتوطئة لكل اقتتال. وأكدوا على «عدم القبول بعد اليوم بالتراخي او بالتمييز في معالجة الامور بين منطقة واخرى او بين فريق وآخر».

وقال البيان: إن تذرع القوى العسكرية والامنية بتوفير الغطاء السياسي لفرض الأمن من قبل القوى السياسية محلية أو وطنية او الفاعليات الشعبية هو تبرير لكل تقاعس.

المجتمع المدني
وتدارس المجلس المدني لمدينة طرابلس الأوضاع الأمنية في المدينة وما تخلفه الاشتباكات من أضرار على صعيد الحركة الاقتصادية والتجارية، خلال اجتماع عقد في دار الفتوى. وأعلن رئيس بلدية طرابلس الدكتور نادر غزال باسم المجتمعين عن الاعتصام قبل ظهر اليوم أمام مبنى سراي طرابلس استنكارا لاستمرار الفلتان الأمني في طرابلس. كما دعت جمعية «بوزار» الى أوسع مشاركة في الاعتصام.

وقام وفد من الفاعليات والجمعيات الأهلية وهيئات المجتمع المدني في طرابلس بزيارة محافظ الشمال ناصيف قالوش وسلمه مذكرة تدعو الى وقف الاقتتال فورا، وملاحقة جميع المرتكبين لأي جهة انتموا وتحويلهم إلى القضاء المختص وكشف الجهات الداعمة لهم، وإجراء المصالحات الشاملة.

وحمّلت «هيئة العلماء المسلمين» في لبنان مسؤولية استمرار المعارك الى الجيش اللبناني، وطالبته بمحاسبة المعتدين والمستفزّين ومثيري النعرات والفتن وعدم وقوفه طرفاً، داعية «الى توقيف العصابة المسلّحة المزروعة في جبل محسن والتي تدين بالولاء للنظام السوري وسحب السلاح المنظّم منها وإحالة مسؤوليها والمتورطين إلى القضاء المختص حفاظاً على العيش المشترك وعلى الطائفة العلوية تحديداً».

تحول نوعي في طبيعة مواجهات طرابلس يؤكد الإخفاق في إيجاد مخرج (النهار)

جولة "الملاكمة الامنية" الحالية، لا تشبه سابقاتها الـ13 في الكثير من عناوينها وتفاصيلها، وان لم تختلف سبل المقاربة الامنية والمعالجة السياسية التي بقيت تقليدية، دون اي تأثير على مجريات الامور، ولم تفلح دول في لجم اندفاعة العنف او الحد من استمراره وتوسعه، خصوصا ان ساعات النهار الهادئة لا تلبث ان تتحول ملتهبة وعنيفة من حيث حدة المواجهة وانتقال الاشكال الامني من المتاريس والتمترس وراء خطوط تماس معروفة او متاريس مدروسة الى عمليات اقتحام متبادلة تستعمل فيها الاسلحة الرشاشة المتوسطة والمدفعية كغطاء ناري للهجمات على مواقع الخصم، وإشباعها بالصواريخ، كما حصل ليل الاحد حيث سجل سقوط عشرات القذائف الصاروخية والمدفعية في شارع نديم الجسر وآخر شارع المئتين وشارع الثقافة ووسط ابي سمراء في اماكن بعيدة عن خطوط التماس، كما تساقطت القذائف بكثافة على منطقة الغرباء على اطراف الزاهرية على الضفة الشرقية لنهر ابو علي، واقتصرت الاضرار على الماديات من مبان وسيارات، ولم يسجل سقوط ضحايا من السكان، لكن سقوط القذائف وتوسع مدى الاشتباكات دفع بالعديد من الاسر الى التفكير في الانتقال الى مناطق خارج طرابلس، لخطورة الوضع الامني.

على صعيد آخر، بقي الوضع التربوي مشلولا مع قرارات ادارات المدارس الاستمرار في تعليق الدروس حتى استتباب الوضع الامني.

واقتصاديا، لا حركة تذكر، بل تسوق غذائي بالحد الادنى، مع حركة سير قليلة جدا وانعدام لحركة المارة، وغياب شبه تام للمتسوقين من خارج طرابلس والسياح المعتادين "الترويقة في طرابلس"، وعادة ما يرتادون مطاعم الحمص والفول والشاورما او محلات الحلويات الشهيرة.

المواصلات ما زالت مقطوعة عبر الطريق الدولية طرابلس - البداوي- المنية - عكار - الحدود مع سوريا، مع تسجيل اصابات عدة لمواطنين حاولوا سلوكها ولو بسرعة، لان رصاص القنص كان اسرع في التقاطهم، الامر الذي يدفع باكثرية المتوجهين عبر طرابلس الى بيروت ذهابا وايابا الى سلوك طريق البداوي - القبة صعودا، ثم نزولا عبر ابي سمراء وصولا الى البحصاص فالطريق الدولية الى بيروت.

والاجراءات العسكرية التي اتخذها الجيش لضبط الاوضاع، راوحت بين اقامة حواجز ثابتة عند مداخل طرابلس وساحاتها الرئيسية وتسيير لدوريات مؤللة في الشوارع، مع تعزيز لمواقعه في مناطق التماس بين الاحياء المتنازعة، ونجح طوقه الامني حول مناطق القتال في منع الظهور المسلح في احياء طرابلس الداخلية، والذي عادة ما كان يرافق اي انفلات امني، وساهم في منع اي حالة اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.

ميدانيا، الاصابات في اشتباكات طرابلس خلال اليومين الماضيين بلغت 4 قتلى و12 جريحا. والقتلى هم مقداد درغام، محمد شما، جمال اليافي، غسان ابو معروف محفوض. اما في الاضرار المادية فالكل يتحدث قبل انقشاع غبار القذائف عن دمار كبير لا يقارن بما مرت به احياء النزاع من قبل في جولات "الملاكمة الامنية" الـ13، مما يشير الى تحول نوعي في طبيعة المواجهة (اقتحامات متبادلة واستعمال كثيف شبه متواصل للاسلحة الصاروخية والمدفعية) مع مطالب لم تظهر من قبل، تعكس حجم الهوة السياسية والنفسية بين بعل محسن وجيرانه في التبانة والقبة والمنكوبين والحارة البرانية وغيرها، وتؤكد في الوقت نفسه فشل المعالجات السابقة في ايجاد مخرج من نفق الاشتباكات الدورية.

وفي بيروت أصدرت قيادة الجيش بيانا امس جاء فيه: "تواصل قوى الجيش المنتشرة في مدينة طرابلس، تعزيز اجراءاتها الأمنية لقمع المظاهر المسلحة واعادة الأمن والاستقرار فيها، وصباح اليوم (امس) سقطت رمانة بندقية قرب احد المراكز العسكرية في المنطقة، مما ادى الى اصابة عسكريَّيْن وأحد المدنيين بجروح مختلفة".

هزيم في عظته الأخيرة: استخدموا الكلمات التي لا تعطل العلاقات بين الناس (السفير)

صدحت أجراس البلمند حزنا على إغناطيوس الرابع هزيم، البطريرك المشرقي المتميز الذي حمل دير السيدة العذراء في قلبه، ولم يدخر جهدا على مدى 33 عاما في توسيعه وتحسينه، وفي رفده بمعهد للاهوت وبجامعة تحولت بإيمانه الانساني الى قرية أكاديمية بلمندية.

كل شيء في تلك التلة الوادعة بدا مفتقدا «الراعي الصالح» الذي كان كل أفراد العائلة البلمندية ينتظرون زياراته المتقطعة قادما إليهم من كرسيه الانطاكي في دمشق، ليستمعوا الى أفكاره التنويرية ولينهلوا من معين علم لا ينضب.

بالأمس حضر إغناطيوس الرابع هزيم الى معهد يوحنا الدمشقي اللاهوتي عبر صورة كانت أشبه بأيقونة توسطت أيقونتَي العذراء والمسيح، يتقدمها الصليب وشمعة النور الالهي، وباقة ورد أبيض عرفانا من طلاب المعهد بجميل الراعي والأب والموجه الذي لم يتخلف عنهم وعن إرشادهم حتى ساعاته الأخيرة في هذه الدنيا.

في الكنيسة، يجلس الدكتور إيلي سالم وعيناه تشخصان الى المذبح وتفتشان بين أصحاب الألبسة الكهنوتية عن رفيقه وملهمه إغناطيوس الرابع، مستعيدا ذكريات كثيرة جمعتهما في الهموم والأحلام والأفكار والتمويل والبناء والتطوير، فيما بدا التأثر واضحا على ابن شقيقته غطاس هزيم عميد المعهد ورئيس الدير، وعلى سائر رفاق الدرب الذين تناوبوا على تلاوة الصلوات.

يقول عدد من طلاب معهد اللاهوت، أن هزيم رفض أن يمكث في منزله البطريركي البلمندي صباح الأحد في الثاني من كانون الأول، أي قبل يوم واحد من تعرضه للجلطة الدماغية التي أودت بحياته، وأصر على الانتقال الى الكنيسة ليترأس القداس ويلتقي طلاب المعهد، من دون أن يعلم أنه سيكون القداس واللقاء الأخير.

وبعاطفة الأب الخائف على مشاعر أبنائه، أبلغ هزيم طلابه أن مرضه ليس جديا، وهو لا يتسأهل أن نتحدث عنه، مخاطبا إياهم: «ما تخافوا هلق صرت منيح».

لكن في الوقت نفسه، «مطارنة وآباء وشمامسة وكهنة ورهبان المستقبل» أن يحفظوا ألسنتهم «لأن اللسان يؤثر بالانسان أكثر مما يظن البعض».

وخاطب هزيم الطلاب: «تكلموا مع بعضكم البعض بالكلام الذي فيه مجد الله، وبالكلام الذي فيه المحبة للناس، استخدموا الكلمات التي لا تعطل العلاقات بين الناس».

وقال: «هذا اللسان هو مثل عود الكبريت، صغير من جهة أنه يشتعل، وكبير من جهة أنه يحرق كل الأشياء التي حوله، لذلك تكلموا بالكلمات التي يريدها الله».

وأضاف: «أما أولئك الذين كان لسانهم رخيصا، فهم لا يستطيعون أن يربوا أولادهم تربية سليمة، أو أن يحافظوا على علاقة طيبة مع أصحابهم، أو حتى أن يحافظوا على بيوتهم بالشكل الصحيح، إنه هذا اللسان الذي يقول اللعنة، وهو الذي يزعج الناس ويشتمهم ويقلل من قيمتهم».

وتابع هزيم: «خذوا حذركم يا أحباء، عندما نريد أن نتكلم بخير الالهامات الالهية فنقول كلمة الله، ومعنى ذلك أنها تتطلب لسانا ينطق به، فإذا لم ينطق أحد بكلمة الله، فمن الذي يمكنه أن يعرف أن الله خلق لنا لسانا وأن لديه أشياء يريد منا أن نرسلها الى أولادنا وأهلنا».

وختم هزيم: «لسانكم هذا استخدموه كي يلفظ حسنا، ويلفظ ما هو طيب، ويلفظ ما هو محترم، ويلفظ كل ما هو محبوب ويعبر عن الفضائل، لا أن يعبر دائما عن استهتار بكل قيمة يجب علينا نحن أن نتبعها».

كذلك، فقد حرص هزيم على أن يلتقي الدكتور إيلي سالم ليلة الأحد ـ الاثنين، ليطمئنه بأنه أصبح بخير وأنه سيغادر في اليوم التالي الى دمشق لمتابعة بعض الأعمال.. وكعادته أطل الدكتور سالم صباح الاثنين الى المنزل البطريركي ليودع صديقه صاحب الغبطة قبل سفره، ففوجئ بسيارة إسعاف تهم بنقله الى المستشفى بعدما أثقلت عليه الجلطة الدماغية التي أصابته، فكان صباحا مؤلما على رئيس جامعة البلمند وهو يلقي على باني القرية البلمندية، تحية الوداع الأخير..

يذكر أنه ستقام خدمة الجناز لراحة هزيم العاشرة صباح اليوم في دير البلمند بالتزامن مع خدمة الجناز المقام في الكاتدرائية المريمية في دمشق.

خط اغناطيوس الرابع الوطني علامة فارقة يستدل بها، قياديون أرثوذكس: 3 اعتبارات لا بد منها لحفظ الأمانة (النهار)

لن يحضر رئيس المجلس الوطني السوري جورج صبرا ورفاقه المسيحيون والمسلمون جنازة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم في دمشق، وكذلك لن يحضر ميشال كيلو ولا الاب اسبيريدون ولا غيرهم كثر من الثوار المغمورين لأن مصير هؤلاء المناضلين المسيحيين هو الموت اذا ما وقعوا في قبضة نظام البعث وادواته ممن لا يميزون في قصف المدن والبلدات السورية بين جامع وكنيسة وخلوة. لكن هذا الابعاد القسري لا يعني استبعادهم، لا هم ولا من يمثلون، ولا التيار الارثوذكسي العقلاني والوطني عن حراك الكنيسة الارثوذكسية في سعيها الى اختيار خليفة للبطريرك الكبير الراحل، يشكل استمرارية لمدرسته في الانفتاح على الاخرين ورفض الظلم والقمع والتشبث بالحريات العامة والدفاع عن الوجود الحر والآمن والتعددي للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. وهو الذي ينقل عنه ميشال كيلو ان الأسد الاب طلب منه عام 1980 رسالة ضد "عصابة الاخوان"، فقال له البطريرك هزيم: "لن تجد في كنيستنا من يقبل أن يوجه رسالة كهذه، ليس لأننا مع "الاخوان"، بل لأن إرسالها سيلغي ميثاق العيش المشترك بيننا وبين إخوتنا المسلمين، القائم منذ الف وخمسمئة عام ونيف. لن تصلك هذه الرسالة حتى إن علقت مشانقنا".

هي المعركة المفتوحة اذاّ على كرسي بطريرك انطاكيا الارثوذكسي على ما تقول اوساط قيادية ارثوذكسية متابعة للملف، بين غالبية ارثوذكسية متنورة ترى في النظام السوري الحالي - طال عمره ام قصر - مرحلة عابرة في تاريخ المسيحيين والشرق، وان الثابت الاكيد هو العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين منذ عام 636 للميلاد، تاريخ قدوم الاسلام الى دول المشرق والى دهر الداهرين، واقلية مضى عليها الزمن تريد استمرار النظام وتعمل وتحرض على بقائه دون ان تقيم اي اعتبار لهذا التراث الكبير والعظيم من العيش بين المسلمين والمسيحيين على مر مئات العصور والذي ما كان ليختل احياناً الا بسبب التدخلات الاجنبية ومصالح الدول والزعماء وحب السلطة تماماً كما يجري اليوم.

اذا كان هناك من تعبير يصح في وفاة البطريرك هزيم، فهو على قول القياديين الارثوذكس أنه رحل "في اللحظة التي نحن احوج ما نكون فيها اليه والى حكمته والى نهجه الصارم الذي اثبت نجاعته في التعامل مع بعض الحالات الشاذة في الكنيسة الارثوذكسية، وتحديداً عدد من الكهنة وفي مقدمهم ل.خ. و م.خ. المتعاملان مع النظام في دمشق واللذان كادت تصرفاتهما الانفعالية المساندة للنظام السوري تتسبب بإلحاق الضرر الكبير بالكنيسة المسيحية ككل وبكل المسيحيين في سوريا دون استثناء. لكن حكمة البطريرك هزيم وصرامته كانتا اكثر من كافيتين لتحجيم هذا الحراك وقصره على هوامش صغيرة دون اي تأثير على المجتمع المسيحي السوري. وبناءً على المعطيات السالفة، ووفاءً لخط هزيم الوطني ينحصر تفكير رجالات الكنيسة الارثوذكسية ومفكريها في ابعاد اي تأثير للنظام السوري المتهالك واجهزة استخباراته ومواليه عن مسار اختيار البطريرك الجديد للطائفة. ويولي رجالات الارثوذكس اهمية استثنائية للاعتبار الذي يقضي بأن يكون رأس الكنيسة الجديد شخصاً مقداماً لا يرتبط في ذهن ابناء الكنيسة الارثوذكسية في لبنان وسوريا والاردن وفلسطين والانتشار بمرحلة معينة، ويضعون له ثلاثة اعتبارات:

- التزام خط الكنيسة الذي ارساه هزيم في التمسك بالعيش المشترك مع المسلمين والدروز والمسيحيين الاخرين وكل الطوائف على حد سواء.

- الانفتاح على جميع الفئات دون انغلاق وعصبيات عقائدية ومذهبية لم يقم لها الارثوذكس يوماً اي اعتبار، بل كانوا دوماً في مواجهة اصحاب هذه المشاريع.

- الانصراف الى الاهتمام ببناء المؤسسات الكنسية والاستمرار في ما قام به البطريرك الراحل لجهة بناء مؤسسات ارثوذكسية واضحة المعالم تشكل قاسماً مشتركاً ونقطة لقاء بين كل المواطنين سواء اكانوا سوريين ام لبنانيين.

والاهم سورياً ان على البطريرك الجديد ان يضطلع بمهمة مساندة كل الشعب السوري على الصمود في انتظار تخطي أزمته، وتالياً المشاركة في اعادة بناء المجتمع السوري عندما تزاح الازمة وتستقر الامور، مما يفرض عليه الانفتاح على كل القوى السورية حاضراً ومستقبلاً. وفي كلام رجالات الارثوذكس ان "النظام البعثي زائل وعلى بقاياه في الكنيسة وخارجها ان يرحلوا معه بعد الاخطاء التي ارتكبوها، لأن سوريا الغد وموقع الارثوذكس والمسيحيين لا يسمحان لهم بغير الانسحاب".

ولا تنسى القيادات الارثوذكسية عينها قبل ان تنهي كلامها، الاشارة الى الموقف الصادر عن "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" بنعي البطريرك هزيم وفي رأيها انه يحمل مشاعر صادقة خصوصاً لجهة العزاء والمواساة لابناء طائفة الروم الارثوذكس في سوريا وسائر المشرق والشعب السوري عموما" وتأكيد وحدة المصير والامال والاحزان لكل ابناء الوطن في كل مكان".