الجيش يستكمل انتشاره واشتباكات «الأسواق» تدق ناقوس الخطر، طرابلس تدفع ضريبة التحريض من دمها.. من يبدّد قلقها المفتوح؟ (السفير)
نشر بتاريخ 16/05/2012
الجيش يستكمل انتشاره واشتباكات «الأسواق» تدق ناقوس الخطر، طرابلس تدفع ضريبة التحريض من دمها.. من يبدّد قلقها المفتوح؟ (السفير)

لماذا تُركت طرابلس وحيدة على مدى ثلاثة أيام في مواجهة مصيرها المكتوب بحسابات السياسة المتسللة تحت «عباءة السلفيين» ومطالبهم، والمسلحين الفالتين من عقال كل السياسيين، ولماذا تهيّبت الدولة الموقف وانكفأت تاركة الشارع في أيدي «أشباح» استباحوا أحياء المدينة عن «بكرتها وأصيلها»، وانتشروا بين شوارعها الكبرى والصغرى يُسيّرون دوريات «راجلة ومؤللة»، ويستعرضون أسلحتهم الجديدة عند حواجزهم «الطيارة»؟

يخطئ من يعتقد أن معارك طرابلس العسكرية هي نتيجة تحرّك مطلبي رفضاً للاعدالة في قضية الموقوفين الإسلاميين، أو اعتراضاً على توقيف شخص بتهمة الانتماء الى «القاعدة» وأخواتها، لأن مسار الفراغ الأمني بدأ بالتدحرج منذ العاشر من شباط الماضي، عندما انفجر مستودع أسلحة وذخائر في منطقة أبي سمراء في طرابلس، وما تلاه من اشتباكات مفاجئة في التبانة، نجحت في إقصاء قضية انفجار المستودع عن الواجهة، ثم طوي التحقيق في هذه القضية برغم سقوط ضحايا وتوقيف أشخاص أفرج عنهم لاحقا بلا أي ضجيج.

في 22 نيسان 2012، عبرت طرابلس قطوعاً أمنياً جديداً عندما نجحت مسيرة ضد النظام السوري في افتعال إشكال أمني مع «حركة التوحيد الإسلامي» في محلة أبي سمراء، بعدما فشلت في استدراج مواقع أخرى مصنفة في خانة «القوى الحليفة لسوريا في طرابلس».

في 27 نيسان 2012، ضبط الجيش اللبناني الباخرة «لطف الله 2» وعلى متنها ثلاثة مستوعبات من الأسلحة والذخائر في مرفأ طرابلس.

في 8 ايار 2012، ضبط الجيش كمية من الذخائر مهربة في سيارتين إلى المدينة عبر المرفأ عينه.

وبين كل محطة من تلك المحطات، كانت ترتفع وتيرة التوتر في المدينة بتظاهرات أسبوعية ضد النظام في سوريا، ما لبثت أن انضمّت إليها اعتصامات متكررة في ساحة عبد الحميد كرامي (النور) للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين الإسلاميين، وتحوّلت إلى اعتصام دائم تحت خيمة للإفراج عن موقوف واحد من بينهم (طارق مرعي)، خصوصاً بعدما تم الإفراج عن العميد فايز كرم المدان بالتعامل مع إسرائيل، إلى أن تم توقيف شادي المولوي يوم السبت الماضي بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي، فارتفعت وتيرة الاعتصامات في ساحة كرامي، وتطورت إلى قطع الطرق المحيطة بها بالإطارات المشتعلة، وتمدّد الوضع نحو أحياء عدة في المدينة، ليتطور الى انتشار مسلح غير مسبوق في تاريخ طرابلس منذ انتهاء الحرب الأهلية حتى يومنا هذا.

كانت الأمور واضحة منذ البداية: ثمة شيء ما يتم تحضيره للمدينة في «الغرف السوداء». حتى أبسط المتابعين كانوا مقتنعين بأن طرابلس على شفير مشكلة كبرى وأن الاحتقان المتراكم سينفجر بقوة... لكن المفارقة أن أي إجراء لم يتّخذ من قبل أحد لتدارك الموقف ومنع الانفجار.

جاءت معارك التبانة المتجددة فجر يوم الأحد الماضي، من خارج السياق، إذ لا علاقة بين تلك التحركات الاحتجاجية (توقيف الاسلاميين والمولوي) وحالة التوتر المستمرة بين التبانة وجبل محسن كجزء من جرح مفتوح منذ 12 أيار 2008 على خلفية أحداث 7 أيار في بيروت.

ساد الارتباك جميع القوى السياسية التي لم تكن تتوقّع أن يصدق حدسها. لكن الارتباك الأكبر ساد في أوساط فريق «الحكومة الطرابلسية». فالرئيس نجيب ميقاتي كان يعرف أنه مستهدف مباشرة في كل تلك التحركات والقلاقل الأمنية، وهو كان على اطلاع بحيثيات موثقة لقرار استراتيجي بإسقاط الاستقرار في طرابلس، كي يقال إنه لا يستطيع الحفاظ على استقرار «بيته» فكيف سيحفظ استقرار كل لبنان وأن الأمور لن تستقيم إلا بسابع من أيار جديد، ساحته طرابلس، لتصحيح الانقلاب الذي حصل منذ سنة ونيف على سعد الحريري.

برغم ذلك، وقع ميقاتي في حالة من الارتباك في طريقة التعامل مع ذروة الهجوم المنظّم على المدينة. واكتشف أنه أمام معادلة صعبة ومؤذية في جانبيها:

الأول، دفع الجيش لمواجهة حالة تريد تحويل المدينة إلى نموذج أكبر لـ«مخيم البارد»، مع ما يعني ذلك من مواجهة بين الجيش وشريحة من أبناء المدينة، علما أنه لم يسبق لرئيس حكومة أن استخدم الجيش في مواجهة مع المواطنين لوقف اشتباكات، والأمثلة كثيرة منذ تجربة الرئيس الشهيد رشيد كرامي في العام 1975 إلى تجربة الرئيس فؤاد السنيورة في العامين 2007 و2008. وثمة خشية دائمة لرؤساء حكومات لبنان من استخدام الجيش ضد أي مشكلة أمنية في الشارع، فكيف إذا كان هذا الشارع هو شارع مدينة ممثلة في الحكومة برئيسها وأربعة وزراء منها؟

الثاني، محاولة تغليب الحكمة في التعامل مع الأزمة برغم ما تحمله من مخاطر استمرارها لوقت أطول، وهو ما لجأت إليه الحكومة في معالجة المشكلة الحالية، مع ما يعني ذلك من مخاطر أن يكون الأمن بالتراضي.
في المحصلة، تمكن الجيش من فرض معادلة أن الأمن حاجة وطنية لأهل طرابلس كما لكل اللبنانيين، وفرض على السياسيين بمختلف مشاربهم، أن يرفعوا الغطاء السياسي عن كل المسلحين، حتى يكون قرار استعادة الأمن مهما كانت كلفته، موضع إجماع وطني، وبالفعل، كان ذلك كافياً لانكفاء المسلحين، ولو أن السلاح قابل للاستخدام مجددا.

على مدى ثلاثة أيام، تحوّلت طرابلس من صندوق بريد لرسائل تكتب بدماء فقراء باب التبانة وجبل محسن والقبة، إلى ساحة لتنفيس احتقان اقليمي وتحديدا سوري.. وهذا يعني، أنه في غياب الحوار الوطني والإجماع حول سياسة «النأي بالنفس»، ستكون جولة الحرب المقبلة أشرس من المعركة التي انتهت، وأن أسلحتها قد تتطور لتتمكن من تدمير الحجارة المتهالكة على جانبي شارع سوريا الفاصل بين التبانة وجبل محسن، وكذلك تهشيم صورة ما بقي من الدولة في طرابلس تمهيداً لإسقاطها في لبنان.

المجريات الميدانية
شهدت طرابلس، أمس، سباقاً بين من يريد ضبط الوضع الأمني ومن يريد إعادة عقارب الساعة الى الوراء وإبقاء المدينة في حالة الفلتان الذي عاشته على مدار الساعات والأيام الثلاثة الماضية.

فما ان استبشر الطرابلسيون خيراً بانتشار الجيش اللبناني في مناطق التبانة والقبة وجبل محسن والحارة البرانية والمنكوبين والذي بدأ فجرا واستمر حتى ساعات الظهر وأخمد نيران المعارك الضارية، وبدأت معه المدينة باستعادة بعض من حيوتها، حتى جاءهم صوت الرصاص ودوي القنابل اليدوية من أسواق المدينة الداخلية بفعل اشتباكات حصلت بين عائلتي النشار وهاجر على خلفية سياسية شاركت فيها عناصر سلفية، وأخرى تابعة لقوى 8 آذار.

وشملت تلك الاشتباكات سوق الصاغة، سوق العطارين، وسوق البازركان وأوقعت جريحين هما أحمد داوود وتوفيق حمود، ما أعاد الأمور الى نقطة الصفر فأقفلت المحال التجارية أبوابها وخلت الشوارع سريعا من السيارات، إلا أن الأمر لم يدم طويلا حيث بدا واضحا أن التوجيهات التي أعطاها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى قيادة الجيش كانت واضحة بعدم التساهل مع أية محاولات للعب بأمن المدينة.

وعلى الفور، سارع الجيش بمؤازرة فهود قوى الأمن الداخلي الى تطويق الاشتباكات بعد اتصالات عملت على خطها لجنة المساعي الحميدة وعدد من القيادات السياسية، لكن ذلك لم يثمر إعادة الحركة الى الشوارع التي بقيت خالية من السيارات والمارة بعد الظهر.

وبالعودة الى انتشار الجيش في المناطق الساخنة، فقد نجح الجيش اللبناني في ضبط الوضع الأمني وإسكات صوت الرصاص والقذائف الصاروخية، فعاد الأهالي الى منازلهم لتفقد الأضرار، فيما عملت الوحدات العسكرية على تسيير دوريات راجلة ومؤللة في مختلف المناطق، وأقامت فهود قوى الأمن الداخلي حواجز ثابتة في مختلف الشوارع وعملت على تفتيش السيارات والتأكد من أوراق أصحابها، كما أوقفت عددا من الدراجات النارية المخالفة.

الجيش: الأمن حاجة وطنية
وصدر عن قيادة الجيش اللبناني البيان الآتي: «استكملت وحدات الجيش فجر اليوم (أمس) عملية الانتشار في المناطق التي شهدت اشتباكات مسلحة في طرابلس، وخصوصاً في أحياء جبل محسن وباب التبانة وشارع سوريا، وأعادت الوضع إلى طبيعته، وهي تقوم بتسيير دوريات وإقامة حواجز في شوارع المدينة لمنع الإخلال بالأمن ولتمكين المواطنين من ممارسة حياتهم الطبيعية. كما تم تعزيز قوى الأمن الداخلي في المدينة للمساعدة في تسيير أمور المواطنين وحفظ النظام.

إن قيادة الجيش إذ تأسف لسقوط الضحايا البريئة في صفوف المدنيين والعسكريين، تؤكد أن فرض الأمن هو حاجة وطنية لكل اللبنانيين، وأن الفوضى لن تكون في مصلحة أحد، وأن وجود الجيش في طرابلس أو في أي منطقة أخرى هو لحماية الاستقرار فيها، وليس لمواجهة الأهالي أو الاشتباك معهم، ولهذه الغاية لا تعنيه المواقف التحريضية أو الاستفزازية الصادرة من هنا أو هناك، والتي تدعو الجيش مرّةً لعدم التدخل، ومرّةً لضرب شعبه وبالتالي توريطه في أوضاع تسيء إلى دوره، ولا تخدم أمن المواطنين واستقرارهم.

إن قيادة الجيش تراهن مجدداً على وعي أهل المدينة ووقوفهم إلى جانب جيشهم، وتؤكد قرارها الحاسم بإزالة كل المظاهر المسلحة من المدينة، بما في ذلك إطلاق النار من دون إنذار باتجاه أي مسلح فور مشاهدته، كما أنها ستقوم بكلّ ما من شأنه الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفوضى».

ويعقد مجلس الأمن الفرعي في الشمال اجتماعا في سرايا طرابلس عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم، بمشاركة وزير الداخلية العميد مروان شربل.

يذكر أن التدابير الأمنية تركت ارتياحا في صفـوف المواطنين الذين توجهوا صباحا الى أماكن عملهم، فيما أبقـت المدارس أبـوابها مقفلة على أن تستأنف التدريس المعتاد اعتبارا من صباح اليوم.

في غضون ذلك، باشرت الورش الفنية في بلدية طرابلس وكهرباء لبنان وسائر المؤسسات بإصلاح الأعطال التي خلّفتها المواجهات، على أن تقوم الهيئة العليا للاغاثة بالكشف على الأضرار في الساعات المقبلة.

وتفقد رئيس بلدية طرابلس الدكتور نادر غزال مناطق التبانة وجبل محسن واستمع الى شكاوى الأهالي الذين طالبوا بالاسراع برفع الردميات من الشوارع وإعادة تنظيفها، وأكد غزال أن المعاناة واحدة في هذه المنطقة التي تضم التبانة وجبل محسن، ونحن بتنا نأسف أن تتحول الى صندوق بريد بدلاً من أن يسعى الجميع الى إعادتها لسابق عهدها «باباً للذهب» وليس باب التبانة. وقال غزال إن البلدية أوعزت الى رؤساء الدوائر بمباشرة العمل فور جهوزية الشـارع وأهليته لاستقبال آليات التنظيف وورش الطوارئ.

وعقد نقباء المهن الحرة اجتماعا في دار نقابة المحامين في طرابلس، وأكدوا أن أمن طرابلس والطرابلسيين فوق كل اعتبار وأن طرابلس مدينة للسلام والعيش المشترك والمصالحة المستمرة وهي ترفض كل مظاهر التفرقة والتقاتل وتعتبرها غريبة عن طبيعة أبنائها. وأكد المجتمعون عدم قبولهم «ببقاء طرابلس بؤرة للنزاعات وصندوق بريد للرسائل المتفجرة».

الجيش انتشر في مناطق الاشتباكات في طرابلس وطوّق اشتباكات محدودة خلّفت 3 جرحى (النهار)

لم تعد الحياة الطبيعية الى طرابلس امس بعد دخول الجيش مناطق الاشتباكات، رغم الدوريات التي سيرها في المناطق التي كانت مسرحا للمواجهات، ورغم الحواجز التي اقامها عناصر قوى الامن الداخلي في كل احياء المدينة.

والخروق التي سجلت للهدنة الهشة، هزت هدوء المدينة ونغصت فرحة سكانها بالسلام، وان تكن محدودة، تمثلت بتبادل لإطلاق النار بين عائلات حراش ونشار ونعنعي في منطقة الرفاعية ظهر امس، حيث سقط جريح هو احمد داهود، قبل ان تتوسع رقعة الاشتباكات لتشمل محاور عدة الى طلعة الرفاعية، ابرزها: سوق الصاغة، طلعة الخبيزة، المهاترة ومسجد المعلق، الدبابسة، سوق السمك، ساحة دفتردار، سوق العطارين حيث سقط جريح ثان هو توفيق حمود.

واستخدمت خلال الاشتباكات الاسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية، وحالت دون تمكن عناصر قوى الامن الداخلي المنتشرة عند ساحة النجمة من دخول اماكن الاشتباكات بسبب كثافة النيران، ولا سيما ان الاحياء والازقة الداخلية للمنطقة ضيقة وغير آمنة ولا تساعد العناصر الامنية على التدخل السريع.

وفي هذا الاطار، أصدرت مديرية التوجيه في قيادة الجيش بيانا امس جاء فيه: "استكملت وحدات الجيش فجر اليوم (امس) عملية الانتشار في المناطق التي شهدت اشتباكات مسلحة في طرابلس، وخصوصا في احياء جبل محسن وباب التبانة وشارع سوريا، واعادت الوضع الى طبيعته، وهي تقوم بتسيير دوريات واقامة حواجز في شوارع المدينة لمنع الاخلال بالامن ولتمكين المواطنين من ممارسة حياتهم الطبيعية، كما تم تعزيز قوى الامن الداخلي في المدينة للمساعدة في تسيير امور المواطنين وحفظ النظام" .

اضاف: "ان قيادة الجيش اذ تأسف لسقوط الضحايا البريئة في صفوف المدنيين والعسكريين، تؤكد ان فرض الامن حاجة وطنية لكل اللبنانيين، وان الفوضى لن تكون في مصلحة احد، وان وجود الجيش في طرابلس او في اي منطقة اخرى هو لحماية الاستقرار فيها، وليس لمواجهة الاهالي او الاشتباك معهم، ولهذه الغاية لا تعنيه المواقف التحريضية او الاستفزازية الصادرة من هنا او هناك، والتي تدعو الجيش مرة الى عدم التدخل ومرة الى ضرب شعبه وبالتالي توريطه في اوضاع تسيء الى دوره ولا تخدم امن المواطنين واستقرارهم" .

وختم البيان "ان قيادة الجيش تراهن مجددا على وعي اهل المدينة ووقوفهم الى جانب جيشهم، وتؤكد قرارها الحاسم ازالة كل المظاهر المسلحة من المدينة بما في ذلك اطلاق النار من دون انذار في اتجاه اي مسلح فور مشاهدته، كما انها ستقوم بكل ما من شأنه الحفاظ على السلم الاهلي ومنع الفوضى".

ومساء، اصدرت المديرية بيانا ثانياً اعلنت فيه ان "وحدة من الجيش باشرت إزالة كل الدشم والمتاريس التي أقيمت في منطقتي جبل محسن والتبانة"، ونبّهت الى أنها "ستتعامل بكل قوة وحزم مع أي محاولة لإعادة بنائها مجددا".

وقال بيان ثالث ان "وحدة من الجيش فجرت عند السابعة مساء قنبلتين يدويتين في طلعة الرفاعية في المدينة، وأخرى في بناية عثمان في جبل محسن".

وكان مراسل "النهار" في طرابلس ذكر ان انتشار الجيش والقوى الامنية، الذي بدأ في الثامنة صباح امس ترك ارتياحا لدى ابناء المدينة، لكنه مشوب بحذر.

وتمركزت قوات من الجيش في مناطق التوتر وخطوط التماس في ساحة القبة، ونادي الضباط، ومشروع الحريري، وثكنة بهجت غانم، وبعل محسن - نزلة الشمال، والملولة، والبداوي، وشارع سوريا، وباب التبانة، وطلعة العمري، وسوق القمح، حيث سيرت دوريات مؤللة.

وعند الحادة عشرة قبل الظهر سجلت عملية قنص على طريق المنكوبين اصيب خلالها شاب من آل المبيض برصاصة في رجله، ليصل عدد الجرحى الى 76 والقتلى الى 11 بحسب الاحصاءات الامنية".

ولوحظ امس ان ابناء باب التبانة وجوارها تفقدوا منازلهم ومتاجرهم وسياراتهم التي اصيبت باضرار. ولوحظ ان بعض الاهالي احضروا عمالا لاصلاح المياه والكهرباء المتضررة بشكل موقت.

وحتى ساعات عصر امس، كانت الاوضاع الامنية في المدينة شبه هادئة، باستثناء بعض رشقات نارية كانت تسمع بين الحين والآخر، وهو ما دفع بقوات الجيش والامن الداخلي الى تعزيز الدوريات واقامة الحواجز الطيارة بحثا عن اسلحة.

واستمر امس اقفال المدارس والجامعات لليوم الثالث، في حين واصل اهالي الموقوفين الاسلاميين اقفال الطرق المؤدية الى ساحة عبد الحميد كرامي، معلنين انهم باقون حتى الافراج عن الموقوفين الاسلاميين او الاسراع في محاكمتهم. كما لوحظ نصب مزيد من خيم الاعتصام في محيط المستديرة التي زارها امس النائب السابق مصباح الاحدب، وألقى كلمة في المعتصمين طالب فيها الجيش "بدخول كل المناطق من دون استثناء، وأن ينسق مع كل الاجهزة الامنية الاخرى".

وعصر امس، أحرق مسلحون منزل محمود درويش في محلة المنكوبين، وحضرت سيارات الدفاع المدني وعملت على اخماد الحريق.

الى ذلك جال رئيس اتحاد بلديات الفيحاء - رئيس بلدية طرابلس نادر الغزال في منطقتي باب التبانة وجبل محسن، حيث عاين الاضرار التي خلفتها المعارك، وطبيعة الخدمات المطلوبة لازالة الركام".

مواقف
في المواقف، حذر النائب سامر سعادة من "أن تكون إطالة الأزمة تعميقاً للجرح وتهيئة لأمر مبيّت"، واعتبر أنّه "كلما اشتدت الأزمة في سوريا زاد التوتر في مدينة طرابلس، وخصوصاً بين باب التبانة وجبل محسن، وإنّ هذا الأمر إن استمر بدون معالجة جذرية سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه".

وأكد نقباء المهن الحرة بعد اجتماع في دار نقابة المحامين في المدينة "ان امن طرابلس والطرابلسيين فوق كل اعتبار، ولا نقبل بعد اليوم ببقاء طرابلس بؤرة للنزاعات وصندوق بريد للرسائل المتفجرة".

وأعربت جمعية "إنماء طرابلس والميناء" عن "قلقها البالغ مما يحصل في عاصمة الشمال"، وأبدت أسفها لسقوط الضحايا المدنيين والعسكريين.

جال في باب التبانة وجبل محسن، الغزال: دورنا لملمة الجراح ومساعدة المنطقتين (المستقبل)

اطلع رئيس اتحاد بلديات الفيحاء رئيس بلدية طرابلس نادر الغزال امس، على أوضاع أهالي منطقتي باب التبانة وجبل محسن، خلال جولة قام بها يرافقه كل من قائد الشرطة البلدية المؤهل سمير آغا، ورئيس جهاز اطفاء طرابلس النقيب عبد الحميد العويك، ورئيس دائرة التنفيذ ورئيس دائرة المجاري ورئيس ورشة الطوارئ ورئيس دائرة النظافة وفريق من العمل الفني في بلدية طرابلس.

والتقى في شارع سوريا الأهالي، الذين شكوا معاناتهم جراء الأوضاع الأمنية المتدهورة والتي تأتي لتضاف على مأساتهم اليومية والتي يتخبطون بها أصلاً، وأشاروا الى "أهمية الالتفات اليهم من كافة المعنيين وفي الطليعة تأتي بلدية طرابلس المعنية أولاً وأخيراً عن رفع الأضرار، لا سيما الردميات المنتشرة على الطرقات والنفايات المتراكمة والتي تؤدي الى انتشار البعوض والأوبئة، والانقطاع المتواصل في التيار الكهربائي منذ بدء التوترات الأمنية". وفي المقلب الآخر، زار الغزال منطقة جبل محسن واستمع لآراء الأهالي والتي لم تختلف عن آراء أبناء التبانة بل هي واحدة في المنطقتين، ردميات في الشوارع وانقطاع في الكهرباء والشكوى واحدة ، مطالبين "الجميع الالتفات لرفع المعاناة والظلم اللاحق بهم".

بدوره، أكد الغزال ان "الزيارة تأتي في اطار الاطلاع على مصالح المواطنين، والوقوف على حقيقة أوضاع المنطقتين من الجانبين الانمائي والخدماتي، فالمعاناة واحدة في المنطقتين، ونحن نأسف لهاتين المنطقتين واللتين تحولتا الى صندوق بريد بدلاً من أن يسعى الجميع الى اعادتها لسابق عهدها".

واكد أن "البلدية ستقوم بكل ما تملك من قدرات مادية وبشرية في سبيل رفع الحرمان عن المنطقتين"، موعزاً الى "رؤساء الدوائر بمباشرة العمل لاستقبال آليات التنظيف وورش الطوارئ، فدورنا اليوم لملمة الجراح كما في كل مرة، ونأمل أن تنتهي هذه الحوادث المؤلمة والمفجعة الى غير رجعة كي يتسنى لنا جميعاً كبلدية وفاعليات سياسية ومرجعيات دينية وهيئات مجتمع مدني مد يد العون والمساعدة لهاتين المنطقتين ولكل المناطق المحرومة في مدينتنا الحبيبة".

زار خيمة المعتصمين في ساحة النور متضامناً معهم، الأحدب: إذا كان التعاطف مع الشعب السوري تهمة إرهاب فكلنا إرهابيون (المستقبل)

الانفراج الأمني، الذي ظهرت بوادره مع انتشار وحدات من الجيش اللبناني وعناصر من قوى الأمن الداخلي، على خطوط التماس، لم ينسحب على ساحة الاعتصام في مستديرة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) حيث تواصلت الاعتصامات في الخيم المنصوبة، وقطعت الطرق المؤدية اليها، مع استمرار تواجد أعداد من أهالي الموقوفين والمشايخ والعلماء.

وحضر الى الساحة رئيس "حركة الاعتدال المدني" النائب السابق مصباح الأحدب مع حشد من مؤيديه، وكان في استقباله إمام مسجد التقوى الشيخ سالم الرافعي، ورئيس تيار النهج السلفي الشيخ عمر بكري فستق وزياد مولوي شقيق الموقوف شادي مولوي.

وقال الأحدب: "الشعب اللبناني منقسم بين مؤيد للنظام ومعارض له ومع الشعب السوري، ونحن في طرابلس كلنا متعاطفون مع الشعب السوري ومع الثورة السورية، وإذا كانت هذه تهمة إرهاب فمعنى ذلك أننا كلنا إرهابيون وأنا منهم. نحن لسنا إرهابيين وإذا كانت هناك سياسة نأي بالنفس، فلتكن فعلاً نأياً حقيقياً بالنفس وليس أن تسخر الدولة مؤسساتها لحماية النظام السوري. النأي بالنفس يعني أن تغلق الحدود في الاتجاهين وليس أن يدخلوا عبر الحدود، حيث يقتل مواطنون لبنانيون ولا نرى أي تحرك، وفي المقابل نرى ملاحقات تتم في الداخل اللبناني لأي شخص يعتبر معنياً بمساعدة النازحين والثورة في سوريا".

وأمل "ان تكون هناك سياسة نأي بالنفس حقيقية، فكلنا يعرف أن أي معركة في الداخل اللبناني لن تستطيع لا تثبيت النظام السوري الحاكم في سوريا ولا إزاحته"، مشدداً على وجوب "أن يترجم النأي بالنفس بقرار سياسي واضح على مستوى السلطة السياسية". ورأى أنه "اذا كانت السلطة السياسية ذاهبة باتجاه سياسة النأي بالنفس، فمن المفروض أن يكون هناك بيان وزاري جديد، لأن البيان الوزاري الحالي مساند للواقع القديم، وهذا ما تغير ولا تتطابق السلطة السياسية مع النأي بالنفس، لأنها تأخرت أربعة أيام لاتخاذ قرار بإنزال الجيش اللبناني وقوى الأمن الى طرابلس".

ووجه تحية الى الجيش، قائلاً: "نحن معك ولا نملك سلاحاً غير شرعي، ونأمل ان نكون محميين من المؤسسات العسكرية والجيش اللبناني، الذي لا نحمّله المسؤولية بل نحمّلها للسلطة السياسية، فالجيش اللبناني ينفذ القرار السياسي".

ورأى أن "المطلوب عدة خطوات ومنها حل قضية الموقوفين الإسلاميين ويجب أن تكون هناك محاكمة تنهي ملفهم، واتخاذ قرار بالإفراج عن ثلاثة طلاب أوقفوا بحجة الصلة بما يسمى الخلية التكفيرية. وهنا نوجه التحية الى قاضية التحقيق التي قالت بأن لا غبار على هؤلاء الشبان. إنهم يفبركون الكذبة ويريدون منا أن نصدقها، فهل من المعقول أن تصدر مطالعة سياسية عريضة تتهم طائفة بكاملها بالتكفير؟".

وأكد "نحن لسنا تكفيريين، لكن لدينا شرف انتمائنا الى طائفتنا، وهي جزء أساسي من هذا الوطن. وطائفتنا هي طائفة التسامح والانفتاح ولا نقبل بأن تصدر إهانات بهذا الشكل. نريد مصالحة مع الجيش اللبناني، والرئيس (نجيب) ميقاتي يعرف أن هناك شاباً قتل وهو من المحسوبين عليه برصاص الجيش اللبناني، فلنفقأ هذه "الدملة" ونقوم بتحقيق وهذا ليس إهانة للجيش، وإذا كان يعتبر كذلك فلماذا أجري تحقيق في الجنوب وفي بيروت؟".

وقال: "إذا كان الرئيس ميقاتي قادراً على اتخاذ مثل هذه القرارات فنحن معه ونشد على يديه ونقول له نحن سنقدم لك الدعم، أما إذا كان الأمر في إطار المماطلة والعودة الى الممارسات السابقة فهنا المشكلة، ونقول له بأنك لا تمثل السلطة السياسية التي تمثلنا في طرابلس".

"نكبة" طرابلس في "نأي" وزرائها عنها (المستقبل)

يبدو أن مدينة طرابلس لا تستحق أكثر من نصف ساعة يخصصها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لمعالجة أوضاعها، وهو الذي زارها لفترة وجيزة وبشكل عاجل قبل ظهر السبت الماضي، ليجري التركيز على الزيارة "الحدث" أكثر مما يفترض على المدينة لمعالجة مشكلاتها، وهي التي تعيش في أجواء صعبة جدا أشبه بحرب تشن على كل ابنائها. الا تستحق هذه المدينة أن "يعتكف" فيها حتى يعاد الاعتبار الى من هدرت كراماتهم، ويعمل لوقف آلة القتل الدائرة وسفك دماء أبنائها الاطهار، ووقف حركة النزوح الكثيفة، ورفع الظلم الكامن على صدور المئات من شبابها، وإبعاد الشلل الذي يخيم عليها وعلى كل مرافقها ومؤسساتها؟ الا تستحق هذه المدينة أن ينتصر لرجالاتها ويقف الى جانبهم في محنتهم ومعاناتهم؟ أم أن أسلوب ونهج النأي بالنفس عن كل ما يجري ما زال هو الخيار الامثل؟ فـ"نكبة" طرابلس الكبرى هي في نأي المسؤولين عنها.

منذ أن تشكلت هذه الحكومة " حكومة اللون الواحد"، والتي نعتت بشتى الصفات، ونالت طرابلس حصة وازنة فيها، رئيسا واربعة وزراء مدججين بحقائب سيادية، لم تستطع أن تجد موطئ قدم لها في طرابلس، بل على العكس بدت في حالة طلاق كامل مع الرأي العام الذي لم يستسغ تركيبتها، ولم يتمكن لا الرئيس ولا الوزراء منذ أكثر من سنة ترك بصمة واحدة في مسيرة المدينة ونهضتها، طرابلس اليوم تستنجد وتستغيث ولا من مغيث لها، اذ لا يوجد أثر للحكومة ولا لوزراء من طرابلس، فالحكومة غائبة عن اساس وجودها وهو تأمين الامن والاستقرار للمواطنين، والحكومة غائبة عن طرابلس لأن الامور خارجة عن سيطرتها وهي بيد الاجهزة الامنية، التي تعيش في صراعات متعددة بين العديد من أجهزتها. وما الحديث المتكرر عن وضع الجيش في مواجهة ابناء المدينة الا من ضمن هذا التوجه، الذي صُمم وفقاً لمخطط لاستدراج الناس الى خوض اشتباكات مع الاجهزة الامنية وجعل طرابلس مدينة متطرفة، عكس الواقع المعروف عنها بأنها مدينة منفتحة آمنة تحب العيش وتهوى السلام والاستقرار، ويتمسك أبناؤها بكل المؤسسات الرسمية وفي مقدمها الجيش اللبناني الذي يطالبونه يوميا ببسط سلطته في كل الارجاء، ويذهبون أكثر باتجاه العمل لسحب كل السلاح غير الشرعي المنتشر بشكل كثيف في المدينة والجوار.

لقد سقطت هيبة الحكومة منذ اليوم الاول على انقلابها، وما برحت تخسر في كل يوم، وهي التي أصيبت بأمراض "خبيثة" لم تستطع معالجتها بفعل المناعة المفقودة أصلا لديها، لتأتي عملية توقيف الشاب شادي مولوي وبالطريقة التي تمت في مكتب الوزير محمد الصفدي الاجتماعي في طرابلس لتقضي على ما تبقّى من هيبة أو كرامة، والسؤال الذي يطرح نفسه "ألم يكن بالإمكان استدراج مولوي بعيدا عن توريط الصفدي بشكل مباشر، وهو الذي ما زال يحاول ابعاد تهمة ارتباطه مع "حزب الله"؟

ما حصل في طرابلس يعكس حجم الإرباك الذي وقعت فيه الحكومة، وحاولت أن تخرج منه من خلال دعوة المجلس الأعلى للدفاع للاجتماع في قصر بعبدا. هكذا، توقيف مواطن يؤدّي إلى اجتماع المجلس الأعلى للدفاع لتفادي انفجار العاصمة الثانية، حتى ان قراراته ترنحت كثيرا وربما بقيت حبرا على ورق.

هكذا وبكل بساطة تبدو الحكومة غير مؤهلة لادارة أي شيء، فكيف سيأتمنها الناس على شؤونهم وعلى حمايتهم وتأمين سلامتهم؟ إن رئيس الحكومة ومعه وزراء طرابلس يكابرون، فهم لم يتركوا أثرا في حياة المدينة إنمائيا فأنّى لهم أن يساعدوا في حل قضاياها الامنية التي باتت لا تعد ولا تحصى؟ فاذا كان رئيس الحكومة غير قادر على معالجة المشكلات في بيته، وسقطت هيبته في طرابلس وكرامة وزيره، فما هي أسباب بقائه؟ أي هيبة تبقى وكرامة أهل بيته تنتهك، وتراق دماء أبناء طرابلس ظلما، ولا من منجد أو مغيث؟ فاذا كانت طرابلس لا تستحق أن يعتكف فيها لإنقاذها مما يحضر لها، وأهلها لا يستحقون العيش بكرامة وأمان، فمن الاجدر ان تواجه قدرها من دون مسؤولين يُفروض عليها.

ولعل الذكرى في هذا المجال تنفع! ففي أثناء المصالحة الشهيرة ابان الاحداث الماضية عام 2008 في منزل مفتي طرابلس مالك الشعار، وفي أحد البنود التي حملتها الوثيقة يومها بإنشاء صندوق لإنماء منطقة التبانة، كان أن تبرع له الرئيس سعد الحريري بربع مليون دولار، على أن يتكفل المسؤولان الطرابلسيان "ميقاتي- الصفدي" بالتبرع بما تيسر لهما،انطلاقا من مقولة أهل الدار أولى بإنمائها، لإنقاذ التبانة مما تتخبط فيه، وما زال الصندوق ينتظر، والتبانة تنتظر قدرها.. الى متى؟

أبناء التبانة: نريد الاستقرار لا التعويضات (السفير)

بالامس تنفست منطقة باب التبانة الصعداء، وخرج ابناؤها لتفقد الاضرار، وإلقاء نظرة ولو خاطفة على شارع سوريا، النقطة الفاصلة مع جبل محسن، الذي تحول الى ساحة حرب وثكنة عسكرية لعناصر الجيش اللبناني المنتشرين على طول الطريق، متخذين من كل مدخل حي نقطة ثابتة لهم، في مشهد اعتاد عليه سكان تلك المنطقة.

بدت التبانة صباح امس أشبه بمدينة أشباح. شوارع مقفرة لا يمر فيها إلا قاصدها، ومحال أقفلت بعدما افرغها أصحابها من محتوياتها، ومنازل تشكو غربة قاطنيها، الذين اضطروا لمغادرتها قسراً، ومنهم من حل عليها بالأمس ضيفاً لنقل ما تبقى من الامتعة والاساس إلى مكان اكثر امناً بعدما تعذر عليهم الاقامة فيها نتيجة الاضرار التي لحقت بها او بسبب موقعها المتداخل او المتاخم لخطوط التماس.

لا أحد على خطوط المواجهات يرغب بالعودة السريعة الى منزله او مؤسسته التجارية. مشهد واحد في شارع سوريا: منازل وسيارات متضررة، دشم في كل زاوية ومفترق طريق وشوادر معلقة بين المباني تستخدم لحجب الرؤية عن جبل محسن، لكي يتسنى لمن يريد ان يمر من المدنيين والمسلحين خلال المواجهات من دون تعرضه لاطلاق الرصاص.

في الاحياء الخلفية لشارع سوريا، اطفال سارعوا الى السيطرة على محاور المواجهات وفي يد كل منهم كيس لجمع مظاريف الرصاص لبيعها.

تجمع شبان خلف الجدران في منطقة بعل الدراويش النقطة السكنية الاكثر اختلاطا بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، وراحوا يتحينون فرصة مشاهدة اي شخص في «الجبل» لتبادل الشتائم والحركات النابية، متجاوزين بذلك علاقات وصداقات، خصوصا وانهم يعرفون بعضهم بالاسماء وينادون بها.

ويقول عادل عارف (55 عاما): «أنا شاهد منذ عقود على معارك المنطقة، ولكن هذه المواجهة كانت مختلفة، فسابقا كنا نسمع عن اجواء متوترة وعن تحضيرات في صفوف الشبان لاي مواجهة محتملة، اما الان فان هذه المعركة كانت مفاجئة للعديد من الاهالي».

وينظر محمد لبابيدي الى زجاج منزله المكسور، وينفخ دخان سيجارته بحرقة، ويسأل «أين هو باب الذهب الذي كان صفة التبانة، إننا نعيش اليوم من قلة الموت، فالفقر يقتلنا، والجهل يقتلنا، والبطالة تقتلنا، والرصاص والقذائف المتبادلة في كل مرة ومن دون سبب تقتلنا».

أبناء جبل محسن: أصبحنا مكسر عصا! (السفير)

«نحن مستهدفون ... ليس كطائفة بل كخط سياسي»، هذا هو لسان حال اهل جبل محسن الذين يزداد شعورهم بالاضطهاد يوما بعد يوم، في تلك التلة المشرفة على التبانة وطرابلس معا، والتي كانت في منتصف القرن الماضي مركزا لسكن كبرى العائلات الطرابلسية، وكانت «ساحة الأميركان» فيها أجمل مكان للتنزه.

تبدو آثار معارك اليومين الماضيين ظاهرة للعيان في احياء جبل محسن، لاسيما في «حي الاميركان»، «كواع القبة» و«مشاريع الحريري». ثمة خشية من إزالة آثار المعارك «لأن الهدنة لن تدوم» طويلا يقول أحد الشبان، فيما يضيف «أبو يوسف» وهو صاحب محل سمانة متضرر «تعودنا عند أي إشكال أن يكون «الجبل» فشة خلق».

عادت الحياة الى طبيعتها في شوارع «الجبل»، أمس. تجمعات شبابية متنقلة. أحد الشبان يقول «اجبرنا على الرد ولكن نحن لا نريد المعركة». حلقات حوارية لمجموعات شبابية اخرى شدتها كاميرات التلفزة التي كان وجودها امس كثيفا في «الجبل» بعد تعذر الوصول اليه على مدى ثلاثة ايام بسبب القنص الذي طاول الطريق الرئيسي.

«تعودنا ان نكون مكسر عصا لاي حادث يحصل في طرابلس»، «هناك من يعتبرنا خاصرة رخوة او صندوق بريد لرسائل عابرة للحدود». عبارتان يرددهما شابان من أهل «الجبل». وتسأل سيدة كانت ترتدي ثيابا سوداء ان اربع ضحايا سقطوا من أولادنا لا ناقة لهم ولا جمل بعملية توقيف شادي المولوي وباقي الاسلاميين!

أضرار كثيرة خلفتها الاحداث الاخيرة لاسيما في المناطق التي تعتبر خط تماس. أكثر من 20 سيارة تضررت بفعل القنص والقذائف. عائلات كثيرة نزحت من منازلها لان القنص طالها في عقر دارها، ويشير المواطن عيد صبح الى ان بعض القذائف ادت الى احراق ثلاثة منازل في «حي المهاجرين».

لا اطمئنان في «الجبل» وان كان الاهالي قد رحبوا بدخول الجيش اللبناني الذي عزز انتشاره في المنطقة وسير دوريات راجلة ومؤللة. ويؤكد موسى عيد ان لا رغبة لدى اهالي «الجبل» بالانجرار الى معركة «فنحن نعيش وسط بقعة محاطة تقريباً من كافة الاتجاهات وليس لدينا مستشفى».

في «الجبل» الكل متخوف، لأن «ثمة شيئا في الأفق لا يبشر بالخير». وما أن تنتهي جولة عنف، حتى يبدأ العد العكسي لجولة جديدة، بعدما أيقن الأهالي أن منطقتهم باتت ساحة لتصفية الحسابات المحلية والاقليمية.

«هناك من يريد للفتنة أن تجد طريقها إلى عاصمة الشمال بأي ثمن»، "مولوتوف" التفجير الطرابلسي: فقر وتعصب وشحن وظلم (السفير)

لم تفاجئ احداث طرابلس في الايام الاخيرة الكثيرين ممن يعرفون المدينة وما تختزنه من فقر واهمال وجهل ومرارة، قبل السلاح وبعده. لم تفاجئ تلك الأحداث من يعرفون معنى غياب مقومات الحياة الكريمة من فرص عمل وتعلم الى المسكن والمأكل والملبس. حقوق بديهية ليست كذلك في شوارع ومناطق كثيرة في طرابلس والجوار. هناك يبدأ التعارف والتآلف والتحالف مع كل الافكار الواعدة بحياة افضل في فيء الدين بأقصى تعبيراته الفكرية والسلوكية. تمتزج خلطة «مولوتوفية» بين اقانيم الفقر والجهل والدين، لا بل الأدق، التعصب، مضافا اليها شحن مذهبي وتجاهل مؤسساتي واحساس متعاظم بالظلم والمرارة، فتنفجر اقتتالا وحروبا لها مسميات كثيرة وإن بقيت منطلقاتها واحدة.

ليس الواقع الاقتصادي والاجتماعي والانساني المسبب الوحيد والمباشر لتفلت الاوضاع مؤخرا في طرابلس. ولن يكون الامساك بالامن الحل لكل مسببات الانفجار، الذي يخبو جمره تحت رماد الانتشار العسكري للدولة اللبنانية.

حتى اليوم يتعاطى السياسيون المعنيون مع عاصمة الشمال من منطلق «الصدقة» واعطاء ابنائها سمكة عوض تمكينهم من اصول الصيد. يتساوى في ذلك الموالون والمعارضون و«الوسطيون».

ينطلق احد السياسيين «المحايدين» في تحليل واقع الامور وتطورها في الفيحاء من «الجغرافيا» أولا. يقول «تبعد طرابلس عن بيروت حوالى 85 كلم فيما يفصلها عن الحدود السورية نحو 40 كلم. فهل من دلالة ابلغ من الجغرافيا في مقاربة واقع الامور»؟ يضيف «لا يمكن فصل ما يجري في سوريا عما يجري في هذه المدينة التي تنعكس فيها كل تداعيات الاحداث في المقلب السوري. لكن ذلك لا يلغي مطلقا مسؤولية السياسيين اللبنانيين الذي اوصلوا طرابلس الى هذا الواقع المتفجر. لم يسع احد الى معالجة الصراع والجرح المفتوح بين باب التبانة وجبل محسن. على العكس ساهم التصعيد في الخطاب المذهبي في تاجيج الصراع».

ويكمل السياسي نفسه «ارتضى زعماء المدينة وممثلوها السياسيين ان يكونوا بيادق في صراع اكبر من طرابلس ومن لبنان. دخلوا وادخلوا المدينة في حرب استنزاف قوامها الخوف والحذر والتخوين والاستهداف. ولولا رغبة الدول، الداعمة للفريقين، في عدم جر لبنان الى اتون الحرب السورية وحساباتها لكانت شرارة طرابلس احرقت سلمنا الاهلي الهش. لكن احدا لا يمكنه ان يضمن مصالح ومطامح تلك الدول وربما احيانا عدم مبالاتها. فالحروب الكبرى تبدأ عادة بأحداث متفرقة ومتنقلة صغيرة».

يوافق «المتنازعون» في طرابلس على فكرة واحدة وهي ان مدينتهم قد تكون «شرارة ازمات وحروب لا أحد يعرف بالضبط بدايتها ولا نهايتها». لكن كل فريق يحمّل المسؤولية للفريق الآخر. وبرغم انتقاد كثيرين «الحالة الاصولية المتنامية في طرابلس»، وتحميلها مسؤولية «تصاعد الشحن والتوتر»، الا انه يمكن تلمس شبه اجماع من قضية الموقوفين الاسلاميين. الكل يرفض «ابقاء هؤلاء لسنوات من دون محاكمة يتعارض مع ابسط حقوق الانسان والقوانين اللبنانية. منهم من قد يستأهل السجن المؤبد وربما الاعدام، ومنهم من يفترض ان يكون قد خرج منذ زمن من السجن» بحسب مصدر شمالي.

يضيف المصدر نفسه «قد يكون اعتقال شادي المولوي اخاف بعض اهل المدينة من ان يلقى المصير نفسه الذي لقيه من سبقوه من المعتقلين الاسلاميين. لكن السؤال البديهي لماذا يُترجم ذلك اطلاقا للنار على جبل محسن؟ هل ابناء الجبل هم من اعتقلوه؟ هل هم من وشى به ام انهم من يحقق معه؟ هل هم من يملكون السلطة لتوقيفه او اطلاق سراحه؟ ان توجيه النار الى الجبل له معنى واحد: هناك من يريد للفتنة ان تجد طريقها الى المدينة بأي ثمن».

يعلق نائب شمالي على الاحداث معتبرا انها «نتيجة حتمية لتقاعس الدولة وغيابها عن المنطقة على كل المستويات». لا يخفي امكان «قيام طابور خامس بافتعال الاحداث وتطويرها». يقول النائب الشمالي إن سياسة «النأي بالنفس» عن الاحداث السورية تحولت الى نأي بالنفس لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي حتى عن شؤون مدينته واهله. اليوم بدأت القوى الامنية ضبط الأمن لكن الحلول غير واضحة ولا متوافرة. ذلك أن المدينة تحتاج الى علاجات جذرية ومصالحة ابعد من حدودها الجغرافية. كما تحتاج الى الانصاف والمعاملة بالمثل اسوة بسائر المناطق والمجموعات الطائفية والحزبية. نحن نريد طرابلس منزوعة السلاح، كل السلاح خصوصا الآتي من خارجها لاغراقها في حروب صغيرة وفتن لغايات تتوضح يوما بعد يوم».

ويأسف النائب «ان تُستعمل طرابلس صندوق بريد للنظام السوري يوزع من خلالها رسائله في كل اتجاه؛ وان يكون سعاة البريد لبنانيون يعرفون تماما ما ترتكبه ايديهم ويفترضون ان في ذلك مصلحة لهم».

على وقع الهدوء الطرابلسي الحذر، يحاول اطراف الصراع استخدام لغة حذرة في التعبير والتخاطب. بحسب احد المطلعين فان «كلاما حاسما بضبط النفس والخطاب واللهجة سمعه المتنازعون على الارض من مراجعهم السياسية في مقلبي المواجهة والخصومة. وبالتالي تبدو الازمة عاصفة وعبرت». لكن، مع الاسف، فان الارصاد الجوية السياسية اللبنانية لا يمكنها ان تضمن لنا الاحوال في الايام والاسابيع المقبلة.

طرابلسيون: نزع السلاح يمنع عودة الوصاية (المستقبل)

أخطر ما حصل في مدينة طرابلس على مدى الايام الثلاثة الماضية، هو محاولة اقحام المدينة في لعبة الدم، التي طالما كانت محل رفض واستنكار من عموم أبنائها الذين يتمسكون بالدولة وبكل مؤسساتها وبخاصة الجيش اللبناني الحافظ للامن والاستقرار في كل الاحياء، الا أن وجود المربعات الامنية تحت عنوان "المقاومة والممانعة" بسلاحها غير الشرعي الثقيل والخفيف يقتل الآمنين والاطفال في منازلهم، يحول دون تحقيق حلمهم في أن تكون لهم دولة تحميهم وتسهر على أمنهم واستقرارهم وفقا لما حصل في باب التبانة، وما حصل أيضا في أسواق طرابلس امس، من خلال انتشار المسلحين فيها في حادثة فردية وأكثر، ما يخشى أن تعمل بعض أذرع هذه الدولة الى محاولة عودة النظام الامني.

أول ما يطالب به مختار المهاتره عصام، سحب السلاح غير الشرعي من داخل الاحياء السكنية، ويسأل "ما فائدة هذا السلاح؟ لسنا بحاجة الى معارك تخلف ضحايا وابرياء ومصابين وجرحى، ولسنا بحاجة الى توتير ووضع أمني صعب، أوضاع الناس لا تحتمل، وبالاساس المدينة تمر بوضع اقتصادي ومعيشي صعب وشلل في كل مرافقها، كل أبنائها محتاجون، واذا أردنا أن نتحدث عن الفقر والبطالة فحدث بلا حرج، الوضع الامني زاد الطين بلة، وساهم في تعقيد مشكلات المدينة، لذلك نناشد المسؤولين المبادرة الى معالجة أوضاع المدينة بالحكمة للحيلولة دون جر المدينة الى فتنة فيها".

أما محمد بيروتي فيقول: "ما حصل من أحداث أمنية مرفوضة كليا، هناك فئة معروفة في حي جبل محسن تتخذ من أهله دروعا بشرية وتقوم بالقصف والقنص على المدينة، نأمل من القوى الاهلية فيه أن يبادروا الى رفع الصوت من أجل ابعاد هؤلاء عن الحي وسحب السلاح غير الشرعي والمخزن في المستودعات لصالح الممانعة، وهي تقتل الابرياء ، وتعيث خرابا ودمارا في التبانة والقبة والمنكوبين وسائر المناطق.

ويضيف: "هناك محاولات لعودة الوصاية الامنية من جديد الى طرابلس من خلال الضغط على الشباب الذين كانوا يساعدون الاشقاء السوريين الفارين من بطش النظام السوري الى طرابلس، لقد ذهب النظام الامني السوري الى غير رجعه، ولن نسمح له بالعودة مجددا من خلال بعض أعوانه". واعتبر ان "وجود مثل هذه الحكومة يعتبر من علامات الساعة ؟ وان رئيسها "شاهد ما شفشي حاجة".

ويعتبر غسان غنوم أن "هناك أوضاعا غير طبيعية في طرابلس نتيجة لانتشار السلاح غير الشرعي، والاحتقان لدى الناس جراء الظلم اللاحق فيها"، ويسأل "أين هو رئيس الحكومة ووزراء طرابلس لا يتدخلون ويعملون على اعادة الاوضاع الى طبيعتها".

بدوره، نزار مولوي شقيق الموقوف شادي، أكد أن "الاعتصام في ساحة طرابلس مستمر، طالما هو في السجن، اعتصامنا سلمي ولكن الظلم صعب، شقيقي مظلوم، وهم يتحملون المسؤولية، ونحن باتجاه توسيع الاعتصام. لو كان لدى المسؤولين في طرابلس بعض من كرامة لكانوا أعادوه الى المكان الذي اختطف منه، وسلموه الينا، ولكن يبدو أن المسؤولين في طرابلس لا يتمتعون بالحد الادنى من الكرامة؟ وهناك من يعمل على عودة النظام الامني".

وطالب الشيخ سالم الرافعي "الدولة بالعدل، لان العدل اذا فقد فقدنا كل شيء، اعتصامنا في طرابلس سلمي ولن نفكه حتى اطلاق سراح المخطوف شادي مولوي، وهو لم يرتكب جريمة، هناك من ارتكب جرائم في 7 أيار ، ولم يدن أو حتى يحاسب وهو ما برح يشهر علينا السلاح ويوجهه الى صدورنا. نحن لن نسكت عن حقنا ومظلوميتنا بالسلم والكلمة الصادقة".