أسلحة وإستراتيجيات جديدة.. وانقسام بين المقاتلين، عاصمة الشمال: الجيش يفرض الأمن بالقوة (السفير)
نشر بتاريخ 25/03/2013
أسلحة وإستراتيجيات جديدة.. وانقسام بين المقاتلين، عاصمة الشمال: الجيش يفرض الأمن بالقوة (السفير)

استراحت محاور المواجهات في طرابلس، أمس، من دوي القذائف وأزيز الرصاص، اللذين حصدا على مدى يومين من الاشتباكات المسلّحة، التي فصلت بينهما هدنة حذرة، العشرات من القتلى والجرحى.

بالأمس وضع الجيش اللبناني حدا لتلك المواجهات عبر إجراءات أمنية استثنائية كان بدأها منذ اندلاع المعارك قبل ثلاثة أيام واستكملها طوال ساعات ليل أمس الأول حتى الفجر، في تدبير عسكري صارم ربما لم تشهده تلك المناطق خلال 15 جولة عنف سابقة. وجاءت هذه الإجراءات في ظل تطورات عسكرية لافتة على المحاور، لجهة نوعية السلاح الذي استخدم والإستراتيجيات العسكرية التي اعتمدها المسلحون في عمليات الاقتحام المتبادلة. وهذا ما فسره المراقبون على انه تجاوز للخطوط الحمر يتطلّب من الجيش تخطي كل المحاذير التي كانت تحول سابقا دون اطلاق يده بشكل واسع.

وبغض النظر عن الأسباب التي كانت وراء الاستعجال في إنهاء تلك الاشتباكات وعن المسؤولين عن الخروق الأمنية التي كانت أعادت إشعال تلك الجبهات بعد هدنة مؤقتة استمرت زهاء 24 ساعة، فإنه من المؤكد انه في حال تمكن الجيش من استكمال إجراءاته كما يشتهي قادته العسكريون، فإن المدينة ستكون اليوم على موعد آخر مع استقرار أمني تنشده منذ فترة ولم تحصل عليه من خلال الأطر السياسية.

ويؤكد المراقبون أن خرق الهدنة أو عدم الالتزام بوقف إطلاق الرصاص مع انتشار الجيش لم يكن مفاجئاً، نظرا لتكرار هذه الأمور مع كل انتهاء جولة عنف تســـتمرّ فيها الخــروق لأيام.

ولكن اللافت أن الخروق التي أعادت تسخين الجبهات لم تكن تندرج في سياق ردات الفعل المعتادة في حالات مشابهة من قبل أشخاص غاضبين على شخص قتل خلال المواجهات أو من قبل مجموعات مسلحة ساءها عدم إشراكها في اتخاذ قرار التهدئة، بل جاءت مغايرة شكلا ومضمونا. وهي أتت لتكشف أولا عن حالة الانقسام بين تلك المجوعات والجهات التي تتبع لها، وثانيا عن رغبة الفريق الآخر في جبل محسن في الانتقام بعد سيل من التهديدات التي كان ساقها مسؤولون سياسيون ومرجعيات دينية فيه.

فعلى مدى ساعات من الخروق الأمنية المتمثلة بأعمال قنص ورمي قذائف على بعض محاور المواجهات، انفلتت الأوضاع بشكل واسع لتتحول تلك المناوشات إلى اشتباكات ضارية استخدمت فيها القذائف الصاروخية ومدافع الهاون من عيار60 ملم و80 ملم وسقطت بعض تلك القذائف على أماكن سكنية. وترددت معلومات ان إحداها وقعت على مقربة من فيلا مسؤول العلاقات السياسية في «الحزب العربي الديموقراطي» رفعت عيد، غير أن الخسائر البشرية اقتصرت على قتيل من جبل محسن يدعى فؤاد شاهين، وخمسة جرحى اثنان من الجبل وثلاثة من التبانة.

إلا ان نوعية السلاح وأماكن استهدافه لم يكونا الأمران اللافتين في مسار تلك الجولة، إذ برز تطور آخر تمثّل بحصول عمليات كرّ وفرّ من قبل مسلحين على مواقع عسكرية وأحياء سكنية، وتحديدا في منطقة البقار في القبة وحارة الجديدة في جبل محسن، حيث تبادل طرفي النزاع الهجمات لإحداث تقدم ميداني أو تسجيل نقاط على الخصم.

وعلى الرغم من أن دائرة المواجهات المتبقيّة، محدودة في منطقة البقار والمنكوبين وبعض محاور التبانة، إلا أن ذلك لم يكن كفيلا مع تقدم ساعات الليل ببقائها على حالها وعدم توسعها لتشمل كافة المحاور والمناطق، خصوصا مع تواصل المسلحين في حشد قواهم واخذ مواقعهم القتالية على مختلف المحاور بانتظار ساعة الصفر.

ويمكن القول ان اقتراب ساعة الصفر والخشية من خروج الامور عن السيطرة مع ساعات النهار، دفعا الجيش اللبناني الى مواصلة انتشاره ليلا (وهذا لم يكن يحدث سابقا) فضلا عن قيامه بخطوات ميدانية، ربما فاجأت حتى اكثر المتشائمين من عدم قدرته على إخماد نيران المواجهات.

وترافق انتشار الجيش مع اتصالات كان يجريها قادة المحاور العسكرية مع المسلحين بضرورة الانسحاب السريع وعدم إظهار السلاح او أي شيء يدل على شخصيتهم العسكرية من لباس او اجهزة اتصال لاسلكية.

وبدأت وحدات الجيش بالدخول الى تلك المحاور من شارع سوريا صعودا الى جبل محسن وصولا الى المنكوبين والريفا ومنهما الى حي البقار، حيث تصدى لبعض المسلحين بإطلاق الرصاص إرهابا بداية ومباشرة بعد عدم الاستجابة، مستخدما أسلحة رشاشة ثقيلة ومستعينا بكاشف ليلي لتقفي اثر المسلحين في الأزقة الضيّقة المعتمة، ولملاحقة القناصة على أسطح المباني.

ملحق أمني للجولة 15 يعطي مؤشرات خطيرة، هل تدفع طرابلس ثمن استقالة الحكومة؟ (السفير)

أعطت طرابلس من خلال «الملحق الأمني» لجولة العنف الـ 15، مؤشرات واضحة لما يمكن أن يكون عليه الوضع الأمني في المدينة، إذا لم يتم التوافق على تسوية سياسية تساهم في جمع مختلف الأطراف إلى طاولة الحوار، لا سيما بعد استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.

وبدا واضحا عبر هذا «الملحق الأمني العنيف» الذي أطل برأسه بعد سلسلة خروقات أسقطت «الهدنة الهشة» التي أعلنت بعد ظهر يوم الجمعة الفائت، أن الأمور الميدانية خرجت عن سيطرة كل القيادات السياسية. وبلغت مرحلة خطيرة جدا من الصراع الذي حولته المواقف الدينية التصعيدية المستجدة والمضادة الى صراع مذهبي يتغذى من الأزمة السورية الكفيلة بابقائه مشتعلا، فضلا عن إمكانية رفده بأدوات تفجير جديدة عددا وعدة وعتادا.

ولعل دخول بعض المجموعات السلفية ومن يدور في فلكها بشكل علني، ليل أمس الأول، على خط المواجهة مع جبل محسن من محوري البقار والشعراني، وجه رسالة واضحة بأن الأمور مرشحة للتفاقم مذهبيا.

وحده الجيش استطاع أمس أن يتفوق على نفسه، من خلال خوض مغامرة من العيار الثقيل. إذ اقتحم بعض محاور الاشتباكات ليلا وبشكل استثنائي لفرض التهدئة بقوة السلاح، خوفا من أن يؤدي العنف المتمادي بين الطرفين، في حال استمر الى الفجر، الى مرحلة اللاعودة، لا سيما في ظل التطور الملحوظ الذي طرأ على نوعية السلاح المستخدم. وبالرغم من انه نجح في وضع حد للجولة 15، فان المخاوف لا تزال ترخي بثقلها على طرابلس وأهلها لجهة:

أولا: أن تصبح المدينة الممر الأمني الالزامي لأية تسويات سياسية خصوصا بعد استقالة الحكومة، وأن يكون تذليل العراقيل التي يمكن أن تظهر خلال الاتصالات والمشاورات على حساب دماء الفقراء مجددا.

ثانيا: بقاء الأرض في طرابلس على جهوزيتها الكاملة لأي ملحق أمني ثان أو جولة عنف جديدة، وذلك مع استمرار الشحن والتحريض، والمتاريس المرفوعة، وانتشار السلاح والمسلحين أفقيا، وتعطل كل أشكال الحياة على المحاور التقليدية الساخنة التي خلت من قاطنيها. وهو ما يجعل المدينة مرشحة دائما للاستخدام في تصفية الحسابات السياسية في ساحتها والتي من شأنها أن تقود الى التسويات الكبيرة.

ثالثاً: استمرار بعض الأصوات في الدعوة الى «توحيد البندقية السنية» في طرابلس والتحريض على كل الأطراف القريبة من القيادة السورية و«حزب الله»، الأمر الذي من شأنه أن يوسع من رقعة المواجهات لتشمل كل مناطق العاصمة الثانية.

رابعا: خروج المجموعات المسلحة عن سيطرة كل القيادات السياسية، وتوجهها للانضواء تحت إطار لجان شعبية، ما يمكن أن يحولها الى قوى أمر واقع في المدينة ويجعلها مستقبلا قادرة على تسليح نفسها وتأمين مصادر تمويل لها.

خامسا: الخلافات الحاصلة بين قيادات وكوادر المجموعات المسلحة نتيجة صراع النفوذ على المناطق الشعبية، وإمكانية أن يتحول ذلك الى مواجهات لتصفية حسابات داخلية في ما بينها، وهذا الأمر دفع دار الفتوى الى جمع هذه القيادات والكوادر أكثر من مرة للتشديد على وحدة الكلمة والصف، ولعل اقتصار الملحق الأمني للجولة 15 أمس الأول على محاور دون أخرى، رغم كل المحاولات التي جرت لفتح المعركة فيها، هو أكبر دليل على هذه الصراعات.

سادسا: تنامي أعداد المسلحين المنضوين تحت لواء الحركة السلفية بهدف ايجاد غطاء ديني لهم، وللاستفادة من الشعارات المذهبية التي أطلت برأسها مؤخرا.

سابعا: إصرار الجيش اللبناني على التصدي للمجموعات المسلحة وعلى فرض الأمن بالقوة، ما يجعل المواجهة بينه وبين تلك المجموعات سواء في التبانة أو في القبة أو في المنكوبين أو في جبل محسن أمرا ممكنا.

هذه المخاوف المشروعة والملموسة، تجعل أي فتنة جديدة في طرابلس مرشحة للانتقال سريعا الى مناطق لبنانية أخرى، إلا إذا تم نسج التسويات السياسية المقبلة على «البارد». في المقابل، فإنه بات واضحاً أن الجميع أيقن أن جولات العنف انطلاقا من الحسابات المحلية الضيقة لم تعد تجدي نفعا لأسباب عدة أبرزها، ان هذه الجولات تبقى عبثية ومن دون طائل في ظل وجود خطوط حمراء لا يمكن لأي طرف أن يجتازها، ما يعني أن المواجهات ستقتصر فقط على تحريك «العداد الدموي» دون أن تبدل شيئا من موازين القوى. إضافة الى أن القيادات السياسية الطرابلسية بدأت تشعر بأن جولات العنف تنال من رصيدها ومن حضورها لمصلحة المجموعات المسلحة الطامحة للوصول الى زعامة مناطقية.

ويبقى الأهم، في هذا الاطار، أن الحكومة التي كانت أكثرية جولات العنف خلال السنتين الماضيتين تهدف للنيل من رصيدها والضغط على رئيسها وإظهاره بأنه غير قادر على تأمين الاستقرار في مدينته، باتت مستقيلة!

تدمري: تأسيس «لوبي» للحفاظ على معالم المدينة، باريس تصرخ.. دفاعاً عن طرابلس وتراثها (السفير)

تُطلق يوم غد الثلاثاء صرخة تحذير من العاصمة الفرنسية باريس دفاعاً عن آثار طرابلس وتراثها، بهدف لفت انتباه العالم إلى ما تختزنه العاصمة اللبنانية الثانية من آثار صليبية ومملوكية وعثمانية، وإلى ما يتعرض له «المتحف الحي» القائم في أسواقها القديمة من اعتداءات وتشويه وإهمال.

يحمل المؤتمر الدولي الثاني عنوان «صرخة لانقاذ تراث طرابلس» (في قاعة المجلس الاقليمي لـ«إيل دوفرانس)، وتنظمه «جمعية الحفاظ على تراث طرابلس في باريس»، برئاسة إبنة المدينة الدكتورة جمانة الشهال تدمري، التي تعمل لإحداث تعبئة أوروبية في سياق حث المجتمع الدولي على رفع منسوب الحماية، والعمل على إيجاد المشاريع المشتركة مع المؤسسات المحلية والأجنبية والقطاع الخاص من أجل إعادة تأهيل النسيج التراثي في طرابلس (يتجاوز عدد المعالم التراثية 300) وتفعيل دوره في استقطاب سياحة ثقافية حضارية، تساهم في تنشيط الحركة الإقتصادية في المدينة المملوكية الثانية بعد القاهرة، وفي رفع المستوى الاجتماعي فيها.

انطلق الحراك مع المؤتمر الأول، الذي عقد في العام الفائت، وقد دفع عدداً من المؤرخين والمعماريين الفرنسيين إلى الاهتمام بتراث طرابلس، خصوصاً بعدما هالتهم الاعتداءات التي تتعرض لها آثار المدينة. وباشروا بالتفتيش عن خطط مستقبلية لعقد اتفاقيات وتنفيذ مشاريع مشتركة تهدف إلى رفع شأن هذا التراث ليشكل عاملَ جذب دولي وعربي ومحلي للمهتمين بهذا التاريخ.

واختارت الجمعية أن تستضيف في مؤتمرها الثاني عدداً من الاختصاصيين الأوروبيين في التراث والهندسة، للخروج بتوصيات تلفت انتباه المعنيين والرأي العام في لبنان والخارج، في شأن المخاطر التي تهدد هذا التراث.

ويتضمن المؤتمر ثلاث جلسات عمل لتقديم توصيف كامل لحال التراث الطرابلسي وما يحيط به من مخاطر، والسبل الكفيلة لانقاذ الأبنية القديمة التي تعود إلى عهود المماليك والعثمانيين وحقبة الانتداب الفرنسي، فضلاً عن التطرق إلى العلاقات بين التراث الثقافي والتنمية المدينية ومسألة إحياء التراث.

وتتضمن الجلسات عرضاً للعلاقة التي تربط بين التراث والحداثة من خلال أمثلة تتعلق بمدن فاس في المغرب وصنعاء في اليمن وفيرارا في ايطاليا، إضافة إلى التركيز على النموذج الأوروبي في مجال إنقاذ التراث والمحافظة عليه، وإقتراح سلة من الحلول التي يمكن أن تطبق في لبنان، على أن يختتم المؤتمر بتكريم الشاعر والكاتب صلاح ستيتية، وبمعرض صور عن طرابلس يظهر أهمية الآثار التي تختزنها المدينة وهي من عهود مختلفة.

وتقول تدمري لـ«السفير»: «نحن نسعى إلى إظهار أهمية التراث الذي تتميز به طرابلس. وهو ليس ملكاً لأحد بل هو ملك المستقبل والأجيال المقبلة، مشددة على ضرورة تخطي الظروف الصعبة التي تمر بها المدينة وبذل الجهود لاعطاء أجمل صورة عنها، كحاضنة للفن العمراني المتنوع وعاصمة للثقافة، ومدينة للعلم والعلماء».

تضيف: «تصل إلينا أصداء إيجابية جداً من الجالية اللبنانية في فرنسا ومن أبناء طرابلس. ما يشجعنا على المضي قدماً في هذا الحدث الذي نريد منه أن يثير اهتمام الراي العام اولاً ثم المعنيين والمسؤولين، سواء في لبنان أم في الخارج. فالمؤتمر يستضيف كثيرا من الخبراء الأوروبيين، وذلك بهدف توسيع آفاق النقاش في شأن طرابلس وتراثها».

تتابع: «وجود خبراء أوروبيين وعرب هو بهدف تبادل الآراء، والإفادة من خبراتهم المتعددة والواسعة في المدن التراثية، التي نجحت بنسب متفاوتة في الحفاظ على آثارها وطرازها المعماري القديم وعرفت كيف تدخل في المعاصرة من دون أن تتخلى عن نفسها».

وتعتبر تدمري أن «السؤال الأساسي والدائم لنا، هو ماذا يمكن أن نفعل عملياً». وتجيب: «نحن نركز، في الوقت الحاضر، على اهمية أن يشعر الناس في طرابلس خصوصاً والراي العام اللبناني والعربي والدولي عموماً، بأهمية التراث في المدينة والمخاطر التي تتهده. لذلك، سنمضي في تنظيم الندوات والمؤتمرات تباعاً، وسنعمل على تعزيز ما كنا قد بدأنا به في طرابلس من عمل توجيهي، وسنهتم بشكل خاص بالجوانب الثقافية والإعلامية وباستقطاب اصدقاء جدد لطرابلس في فرنسا ولا سيما المثقفين والفنانين والأدباء والمصورين، لتصبح المدينة في صلب اهتماماتهم.

وتكشف تدمري عن أنه سيتم في «معهد العالم العربي»، بتاريخ ٢٣ تشرين الثاني المقبل، احتفال بعنوان «طرابلس... سلام عليك» يحييه ابن طرابلس الفنان عبد الكريم الشعار ومصممة الرقص لميا صفي الدين. ونحن بصدد الاتفاق مع مصور فرنسي لدعوته للإقامة في طرابلس وتصوير معالمها الاثرية بهدف اصدار كتاب مصور عن الفيحاء».

وتختم تدمري: «لا شك في أن كل ذلك من شأنه أن ينتج «لوبي» لبنانيا، عربيا، فرنسيا وأوروبيا ضاغطا، من شأنه أن يظهر جماليات طرابلس وأن يضع تراثها تحت المجهر الدولي بشكل لا يستطيع أي كان أن يعتدي عليه مجدداً. ويهمنا أن نظهر للأوروبيين حقيقة مدينتنا وأنها واحدة للتلاقي والعيش المشترك والسلم الأهلي.