«الملثمون» ينقلون المعركة إلى كل أحياء المدينة، الجيش يستكمل انتشاره في طرابلس.. بلا تردد (السفير)
نشر بتاريخ 08/06/2013

«الملثمون» ينقلون المعركة إلى كل أحياء المدينة، الجيش يستكمل انتشاره في طرابلس.. بلا تردد (السفير)

 

دخلت طرابلس، أمس، في سباق محموم ما بين تكريس سطوة المسلحين على الشارع، وما بين قدرة الجيش اللبناني على استكمال خطته الهادفة الى منع المظاهر المسلحة وإعادة الأمن والاستقرار الى ربوع المدينة .

ويمكن القول إن هذا السباق قد انسحب على كل المعنيين بأمن طرابلس والذين بدوا جميعهم أسرى حالة ارتباك غير مسبوقة بفعل الحائط المسدود الذي وصلوا إليه .

القيادات السياسية تتسابق مع عجزها عن التأثير الإيجابي على الشارع لضبط الوضع، بعد ثلاثة أسابيع من الفلتان الأمني الكامل وسقوط 36 قتيلا و290 جريحا .

المؤسسة العسكرية تتسابق مع هيبتها وحضورها بعد أن تم إشغالها بتوترات أمنية جديدة جاءت من خارج التقديرات المرسومة على الورق .

المسلحون يتسابقون مع إمكان تحويلهم الى كبش فداء .

وحدهم الطرابلسيون يتسابقون للتفتيش عن أمن لا يزال، حتى الآن، مفقوداً، خصوصاً بعدما امتدت خطوط التماس فجأة من المناطق الساخنة إلى كل أنحاء المدينة .

أما الدولة، فبدت مستنفرة، بكل قياداتها ومؤسساتها، من رئيس الجمهورية الى رئيس حكومة تصريف الأعمال مرورا بقيادة الجيش وباقي القيادات الرسمية، «لأن أي فشل أو تعطيل للخطة الأمنية التي ينفذها الجيش ستكون عواقبها وخيمة، ليس على طرابلس، بل على هيبة الدولة ككل وعلى أمن الوطن برمته» على حد تعبير مرجع لبناني كبير .

استبشر الطرابلسيون خيراً، يوم أمس الأول، ببدء تطبيق الخطة الأمنية وعودة الشرعية والحياة الطبيعية الى مدينتهم، فوجدوا أنفسهم فجأة أمام أبشع مشاهد الفوضى الأمنية، وأسرى أعداد كبيرة من المسلحين الملثمين قطعوا عليهم الطرق بالإطارات المشتعلة، وأرهبوهم برشقات نارية كثيفة، وعطلوا كل أوجه الحياة في المدينة بعدما أرغموا المحال التجارية والمؤسسات الاقتصادية والمدارس على الإقفال بقوة السلاح .

بدا للوهلة الأولى، أن ثمة قرارا كبيرا بمنع التهدئة في طرابلس، وأن هناك من سيجعل الطرابلسيين يترحمون على اشتباكات المحاور التقليدية. وقد استفاد المسلحون كثيراً من حالة الارتباك التي أحاطوا بها الجيش اللبناني، بعد المداهمات التي نفذها في «الحارة البرانية» ومصادرته كميات من الأسلحة، واتهامه بالإساءة إلى الشعارات الدينية في أحد المصليات .

وقد أدى ذلك إلى تأجيل الجيش عملية استكمال الخطة الأمنية والاكتفاء بالرد على الاعتداءات التي تعرض لها من قبل بعض المسلحين في مناطق عدة عاش أهلها ساعات عصيبة. كما انشغل الجيش في معالجة الجبهة الجديدة التي فتحها المسلحون في الأسواق القديمة لأسباب سياسية، حيث أدى مهمة الفصل بين المتقاتلين، خصوصا أن هذا النزف استمر حتى ليل أمس، حيث تجددت الاشتباكات بين «حركة الناصريين العرب» ومجموعات سلفية مسلحة .

هذا الواقع ترك تساؤلات عدة حول عدم ضبط الوضع الأمني في طرابلس، خصوصا أن الجيش تحصن منذ صباح أمس الأول بغطاء سياسي وديني جديد صدر عن لقاء دار الفتوى الذي ثمّن إجراءات الجيش، لكن الدار انقلبت على نفسها وعلى السياسيين مساء، عندما أعلنت أن الغطاء المعطى لا يعني منح الصلاحية سواء للقوى الأمنية أو غيرها لسفك دم بريء أو إيقاع ظلم بمظلوم أو اعتداء على أسرة آمنة .
ومن بين هذه التساؤلات: من هي الجهات التي مارست الضغط على دار الفتوى لتبديل موقفها؟ وهل الغطاء السياسي الذي أعطته كل القيادات المحلية للمؤسسة العسكرية كان جدياً أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وهل هناك من يريد توريط الجيش في صراعات لا تنتهي مع المسلحين والحالة الإسلامية في طرابلس، لا سيما في ظل استمرار ما يتعرض له من استهداف؟ وهل قرار الحسم جاء متأخرا بعدما تنامى نفوذ المسلحين وخرج من تحت أي سيطرة؟

وإذا كان الغطاء السياسي جدياً، صار لزاماً على الجيش أن يتصدى للمسلحين بالقوة التي كان أعلن عنها، فإذا لم يستطع ذلك، فإن سؤال حفظ استقرار طرابلس وأمنها سيكون في مهب الريح، خاصة أن عديد قوى الأمن الداخلي التي وعد وزير الداخلية بتخصيصها لطرابلس من أجل مساندة الجيش كانت لا تزال ترابط طوال الساعات الأخيرة في السرايا، بينما كان المسلحون يسرحون ويمرحون في محيطها .
وتستمر هذه التساؤلات حول «بوصلة» المعركة واتجاهاتها لدى المجموعات المسلحة لجهة: إذا كانت المعركة حصرا كما تقول الشعارات مع جبل محسن، فلماذا يتم اجتياح طرابلس بهذا الشكل؟ ولماذا يصار الى ترويع الآمنين؟ ولماذا يستهدف اقتصاد المدينة؟ ولماذا كل هذه الاعتداءات على الجيش اللبناني؟

ثم بعد ذلك، من هو المستفيد من نقل المعركة الى أسواق طرابلس وشوارعها؟ ومن هو المستفيد من إدخال طرابلس في فتنة سنية ـ سنية يكون أولى ضحاياها نسيج المدينة الواحد؟ وما هو موقف مشايخ المدينة من الناحية الشرعية من هذا الاقتتال السني ـ السني العبثي؟ وما هو موقف القيادات السياسية من وصول الفتنة الى عقر دارهم؟ وهل ما تشهده أسواق طرابلس من اشتباكات يهدف إلى تعطيل الخطة الأمنية للجيش؟ والأهم من كل ذلك، كيف سيحافظ الجيش اللبناني على هيبته؟ وعلى ما تبقى من هيبة الدولة وحضورها؟

في الخلاصة، بدت طرابلس خلال الساعات الـ48 ساعة مدينة خارجة عن أي سيطرة، وهي لا تزال تنتظر الوعود بأن تكون في كنف الدولة، وليس في كفن الاشتباكات !

 

ميدانياً

بعد انتشاره الكامل في جبل محسن، تابع الجيش اللبناني إجراءاته في محاور الريفا، والبقار، والأميركان والشعراني، وفجر الخميس وصلت الاجراءات الى «الحارة البرانية» التي دخلها الجيش ونفذ سلسلة مداهمات فيها وصادر كمية كبيرة من الأسلحة والعبوات المحلية الصنع .

وعلى الفور، انتشرت رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي بأن الجيش اعتدى على الشعارات الدينية في أحد المصليات، فخرج المسلحون من المناطق الساخنة الى شوارع طرابلس وعملوا على قطع الطرق بالاطارات المشتعلة، وأغلقوا أسواق المدينة بالقوة، وأطلقوا النار، وانتشروا عند مدخل طرابلس لجهة البحصاص، ساحة عبد الحميد كرامي، تقاطعات: الروكسي وعزمي والمئتين ومستديرة أبو علي .

وقد سيّر الجيش اللبناني دوريات مؤللة واشتبك مع المسلحين وعمل على إعادة فتح الطرق، دون أن يسفر ذلك عن وقوع إصابات .

وفي الوقت الذي نجح فيه الجيش في تفريق المسلحين وإرغامهم على التراجع الى مناطقهم، أطلت معركة جديدة من أسواق طرابلس بين «حركة الناصريين العرب » بقيادة الشيخ عبد الكريم النشار المقرب من «حزب الله» ومجموعات سلفية بقيادة الشيخ علي هاجر، استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية والقذائف الصاروخية وتركزت في ساحة النجمة، الجامع المنصوري الكبير، سوق الذهب، خان الصابون، سوق البازركان، محيط القلعة الأثرية، باب الحديد وسوق النحاسين .

واستمرت الاشتباكات نحو خمس ساعات وأسفرت عن جرح ثلاثة أشخاص، إضافة الى أضرار مادية، لتشهد شوارع طرابلس، ليل أمس الأول، انتشاراً مسلحاً من التل وحتى الأسواق الداخلية .

وصباح أمس حاول الجيش اللبناني الانتشار في شارع سوريا في التبانة، لكنه جوبه بإطلاق رصاص كثيف من قبل المسلحين، ما دفعه الى تعديل خطته، والقيام بسلسلة اتصالات مكنته من استكمال انتشاره لاحقاً .

بعد الظهر، بدأت المعلومات ترد من الأسواق الداخلية عن إمكانية تجدد الاشتباكات، انطلاقا من إصرار المجموعات السلفية على طرد الشيخ النشار من المنطقة كونه من الموالين لـ«حزب الله».

وقد جرت اتصالات سريعة تولى قسم منها النائب محمد كبارة ومديرية المخابرات في الجيش توصلت الى حل بإزالة كل الصور والشعارات السياسية الموجودة في المنطقة ومن مكتب النشار، ما أعاد الطمأنينة الى نفوس الأهالي الذين عاشوا ساعات عصيبة مع انتشار المسلحين الملثمين في الأسواق وإقامتهم حواجز في الأحياء المجاورة لها .

عند الخامسة والنصف مساء تجددت الاشتباكات على المحاور الجديدة في الأسواق، ما أدى الى مقتل شخص وجرح خمسة أشخاص .

وسرعان ما انتقل هذا الفلتان الأمني مجددا الى شوارع طرابلس التي شهدت جولات للمسلحين على الدراجات النارية عمل الجيش اللبناني على ملاحقتهم وكثف من دورياته في شوارع المدينة، وضرب طوقا أمنياً حول الأسواق لإعادة الوضع الى طبيعته .


مواقف

عقد رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي سلسلة اجتماعات سياسية وأمنية في دارته بطرابلس، لمواكبة تدابير الجيش، وأكد أنه ماض في تنفيذ خطته لإعادة الاستقرار الى المدينة، وشدد على أن «طرابلس كانت وستبقى تعيش في كنف الشرعية اللبنانية وبحماية الجيش اللبناني والقوى الأمنية»، مستهجنا المظاهر المسلحة، وقال إن «التوجيهات أعطيت للجيش لضبط كل إخلال أمني، من أي جهة أتى، وتوقيف المتسببين بترهيب المواطنين».

في غضون ذلك، كان منزل النائب محمد كبارة محور لقاءات واتصالات عديدة، فعقد «اللقاء الوطني الإسلامي» اجتماعا، ناشد فيه أبناء طرابلس عدم إفساح المجال للمصطادين بالماء العكر بجر المدينة الى الفتنة وتعميم الفوضى على شوارعها .

كما زار وزير الداخلية مروان شربل منزل كبارة حيث انضم إلى الاجتماع بمشاركة المدير العام لقوى الامن بالوكالة العميد روجيه سالم .