«الجولة 17» من دون أفق.. وطرابلس تنزف (السفير)
نشر بتاريخ 28/10/2013

«الجولة 17» من دون أفق.. وطرابلس تنزف (السفير)

 

استمرت حرب الاستنزاف المفروضة على طرابلس والتي تدخل اليوم أسبوعها الثاني، فيما كل الاجتماعات والاتصالات والقرارات السياسية، والإجراءات والتدابير العسكرية والأمنية بقيت حتى ليل أمس قاصرة عن فك «زنار» الحديد والنار الذي يطوّق مناطق الفقر، وعن لجم آلة الموت التي حصدت خلال الساعات الـ24 الماضية نحو أربعة قتلى وأكثر من 25 جريحاً بعضهم في حال الخطر، لترتفع حصيلة أسبوع كامل من الاشتباكات وأعمال القنص الى 12 قتيلاً وأكثر من 80 جريحاً.

وتأتي جولة العنف الـ17 في طرابلس مغايرة تماماً لسابقاتها التي كان أكثرها يفتح بقرار ويغلق بقرار، ويتحكم في مسار كل منها «مايسترو» يضبط إيقاع السلاح المستخدم، ويحدد إطارها الجغرافي والزمني، والهدف المطلوب منها والرسائل السياسية التي ستوجه من خلالها.

ويمكن القول أن الفوضى وحدها تتحكم اليوم بهذه الجولة، التي لم يعد يختلف إثنان على أنها انعكاس مباشر لعملية «شد الحبال» الإقليمية. وإذا كان قرار فتح المعارك بإرادة خارجية عبر وكلاء محليين لاستخدام طرابلس كورقة للتفاوض بين الفرقاء، فإن قرار إغلاقها يكاد يخرج من أيدي الجميع، بعدما وجدت أطراف محلية كثيرة فيها فرصة لاستثمار دماء الفقراء من أجل تحقيق المكاسب وتصفية الحسابات، وتسجيل النقاط السياسية على بعضها البعض.

وقد كشفت الجولة 17 أن الأمر لم يقتصر فيها على تبادل الرسائل الإقليمية فحسب، بل إن استمرارها دفع الى تسابق ضمن الخط السياسي الواحد على نكء الجراح في المدينة، والتنافس الانتخابي على استمالة المجموعات المسلحة الى حدود تبنيها، كما لم يتوانَ بعض الأطراف عن استكمال ما بدأه منذ تشكيل الحكومة «الميقاتية» لجهة استهداف كل الجهود التي تبذل لوقف النزف المستمر في المدينة، والنيل من رئيس حكومة تصريف الأعمال، في وقت تحتاج فيه طرابلس لتضافر كل الإمكانات لإخراجها من واقعها الأمني المرير، وليس التلطي خلف بعض الشعارات التي تسعّر الفتنة وتمدّد التدهور الأمني الذي يمنح مزيداً من الفرص للمستفيدين في استهداف طرابلس، وفي تمييع قضية التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا مسجدي «التقوى» و«السلام»، وفي التعمية على ما كشفته شعبة المعلومات من متورطين بتنفيذهما، وفي عرقلة استكمال التحقيقات القضائية لكشف كل الفاعلين وإنزال العقوبات بحقهم.

ولعل أخطر ما واجهته العاصمة الثانية هو ما صدر من مواقف سياسية تحرّض على الجيش وتتهمه بالانحياز الى طرف من دون آخر وتحمّله مسؤولية ما يحصل، وكادت هذه المواقف أن تشعل طرابلس وأن تنقل المعارك الى كل مناطقها، خصوصاً بعدما أعطت ذرائع لعدد من المتهورين بالاعتداء على مراكز الجيش بالرصاص والقنابل اليدوية، وأربكت العسكريين في ردّهم على مصادر النيران.

وقد تعاطى الجيش مع هذه الاعتداءات بكثير من الحكمة والحزم، ودفعته الى تحصين أكثرية مراكزه ضمن المدينة بخراسانات باطونية، كما استقدم تعزيزات إضافية وآليات حديثة لاستكمال مهمته على محاور القتال ولمواجهة أي طارئ يمكن أن يحصل على هذا الصعيد.

أمام كل هذه المعطيات، ما يزال الجيش يجد صعوبة بالغة في وضع حد نهائي لجولة العنف الحالية، في ظل إصرار بعض الأطراف على الاستمرار بها، سواء على المحاور التقليدية أو بنقلها الى خطوط التماس المستحدثة في المدينة من خلال التحريض المستمر على بعض التنظيمات والعائلات المقربة من قوى «8 آذار» والمقاومة، أو بتحويلها الى مواجهات مع الجيش على خلفية اتهامه بالانحياز، فضلاً عن محاولات إشغاله بإشكالات متفرقة، وإطلاق نار في الجنازات، والإبلاغ عن أجسام مشبوهة هنا أو هناك لتعطيله عن إتمام مهماته.

وقد عمد مجهولون ليلاً على رمي حقيبة ملفوفة بقطعة قماش أمام مسجد «التقوى»، ما أدى الى استنفار الجيش الذي قطع الطريق وكشف الخبير العسكري على الحقيبة التي تبين أنها فارغة. وقد نجح الجيش في وقف الاشتباكات المفتوحة التي شهدتها طرابلس في الأيام الماضية والحد من استخدام الأسلحة الثقيلة فيها والتي خرجت في بعض الأحيان عن المألوف، لكن ما يعيق استكمال إجراءاته هو أعمال القنص المتبادلة بعنف بين الطرفين، والتي تبقي النفوس مشحونة وتعيد إشعال بعض المحاور مع سقوط قتيل من هنا أو جريح من هناك، وهذا ما حصل خلال الساعات الماضية، عندما فرض الجيش الهدوء على كل خطوط التماس، لكن سقوط ثلاثة قتلى من جبل محسن أحدهم رقيب في الجيش وقتيلين من التبانة، برصاص القنص، أعاد إشعال بعض المحاور التي ردّ فيها الجيش على مصادر النيران بهدف إسكاتها.

وعلمت «السفير» أن وحدات جديدة من فوج المغاوير دخلت الى جبل محسن، فيما تستعدّ وحدات أخرى للدخول الى التبانة اعتباراً من فجر اليوم، وأن قراراً حاسماً اتخذ بالردّ بالأسلحة الثقيلة وقذائف الـ«أر بي جي» على كل مكان يستخدم من قبل القناصين.

نعي رقيب

نعت قيادة الجيش - مديرية التوجيه، الرقيب يوسف كمال مواليد 1/3/ من مدينة طرابلس 1983، متأهل، الذي استشهد متأثراً بجراحه بعد تعرضه لطلقات قنص في عاصمة الشمال. - تطوع في الجيش بصفة جندي بتاريخ 15/9/2006. حائز على عدة أوسمة، وتنويه العماد قائد الجيش أربع مرات وتهنئته مرتين وتهنئة رئيس الأركان مرة واحدة وتهنئة قائد اللواء ثلاث مرات.

 

اعتصام المجتمع المدني (السفير)

 

نفذت هيئات «المجتمع المدني» اعتصاما أمام سراي طرابلس، احتجاجا على استمرار التدهور الأمني في المدينة، ورفع المعتصمون لافتات نددوا فيها بما يحصل، وحذروا المسؤولين السياسيين والعسكريين من اللجوء الى خطوات تصعيدية تصل الى حد العصيان المدني في حال لم يعالج الوضع بسرعة.

وتلت نقيبة موظفي المصارف في طرابلس والشمال مهى مقدم بيانا رأت فيه أن «ثمة خطة مبرمجة للابقاء على جرح طرابلس مفتوحا تنفيذا لأجندات داخلية وخارجية». ودعت مقدم الى «الوقوف صفا واحدا بعيدا عن انتماءاتنا السياسية والدينية والمذهبية، فالوجع طال الجميع لم يفرق بين سني وعلوي أو مسيحي».

وطالبت السلطة اللبنانية بأجهزتها كافة «بفرض الأمن والاستقرار تحت سقف القانون، وعدم الكيل بمكالين بين منطقة وأخرى ورفض الأمن بالتراضي، والسلطة القضائية بالإسراع في أخذ دورها كاملا وإصدار الأحكام النزيهة المنزهة في ما يخص الجريمة الإرهابية التي طالت مسجدي السلام والتقوى، وانزال أقصى العقوبات بمن دبر وخطط ونفذ. كما يصر المجتمع المدني على رفع أي غطاء سياسي، أمني أو ديني عمن تثبت إدانته، حفاظا على العيش المشترك واستتباب السلم الأهلي».

وختمت مقدم: «أطالب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء ونواب طرابلس بضرورة العمل سريعا لإنهاء هذه المعاناة. وأقول لرئيس الحكومة ونواب المنطقة إذا عجزتم عن إيجاد حل فالتحقوا بصفوف الشعب».

من جهة ثانية، عقد «المجلس المدني لمدينة طرابلس» الذي يضم بلدية طرابلس ونقباء المهن الحرّة وبعض الجمعيات، اجتماعاً استثنائياً في منزل مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار وتم البحث في التدهور الأمني الحاصل .

وأشار المجتمعون الى أنهم ينتظرون ما يمكن أن تؤول اليه التوقيفات الحاصلة في قضية تفجيري طرابلس لا سيما بعدما ثبتت إدانة عدد من الأشخاص، اضافة الى القرار الصادر من المدعي العام القاضي صقر صقر بمتابعة التوقيفات شرط أن تأتي هذه القضية متوازنة .

واتفق المجتمعون على معاودة الاجتماع بعد انقضاء فترة الثماني وأربعين ساعة لتقييم الوضع الميداني كي يبنى على الشيء مقتضاه لجهة الخطوات المستقبلية .