"النهار" في باب التبانة وجبل محسن بعد أيام من الاشتباكات: خوف من تجدّد الانفجار بسبب تحرّكات مسلّحين في الخفاء (النهار)
نشر بتاريخ 15/02/2012
"النهار" في باب التبانة وجبل محسن بعد أيام من الاشتباكات: خوف من تجدّد الانفجار بسبب تحرّكات مسلّحين في الخفاء (النهار)

لا شيء يوحي ان معارك قد اندلعت هنا سوى انتشار حذر لعناصر من الجيش اللبناني في أجزاء متفرقة من شارع سوريا ومدخل جبل محسن و"سكة الشمال" الفاصلة بين أحياء سنية وأخرى علوية، على رغم ان تداخل الديموغرافيا في هذه المناطق الشعبية والفقيرة يبدو جليا وواضحا، ولم تستطع الحروب المتقطعة ان تمحو أثره.

يغادر ابو حسين (56 سنة) محله في شارع سوريا لبيع "قطع" غيار السيارات المستعملة الى المسجد لأداء صلاة الظهر، فيما ينشغل جاره ابو خالد (43 سنة) بتجهيز بعض البضاعة من البورسلان لتاجر من الضنية. الحياة تمضي بهدوء حذر، يقول ابو حسين ان:" السكان اعتادوا المعارك وكل شيء يعود الى ما كان عليه فور انتهائها". بعض المحال مفتوحة تستقبل زبائنها من ابناء مناطق ريفية مجاورة ومن احياء طرابلسية قريبة حيث توجد أسواق شعبية، كسوق الخضار وسوق الحسبة وسوق القمح على تخوم الشارع الحربي، فيما بقيت محال أخرى مغلقة يقف اصحابها بحذر وهم يرتشفون قهوتهم، ويلعنون، بشيء من الانكسار، "قدر" هاتين المنطقتين.

رجال ملتحون يحملون بأياديهم الخشنة أجهزة "التيكي ويكي" تصدر "خشخشة" من حين الى آخر، يتفحصون الداخل والخارج بنظرات حادة، يتوزع قربهم شبان مراهقون تبدو ملامحهم الذكورية وكأنها مستوحاة من فيلم قتالي، وهم يراقبون مداخل احيائهم وينتظرون. لكن ماذا ينتظرون؟، يجيب احدهم بجدية:"ننتظر ما اذا كانت ستندلع مرة اخرى ام لا". وبسؤالنا له عن مصدر السلاح الذي يحملونه اثناء المعارك على رغم انهم فقراء، اجاب باقتضاب: "هذه الحيلة والفتيلة من مالنا الخاص، نبيع ما نملك كي نحصل عليها لندافع عن انفسنا".

لوهلة تستطيع ان تشعر بانك تدخل مربعاً امنياً مأهولاً بسكان لا يعرفون الهدوء، بحركتهم العادية وكأن شيئاً لم يكن. وبطريقة "محلية" يكتفي هؤلاء الرجال، الذين يسمون انفسهم "حماة" الاحياء الداخلية، بالجلوس على كراس خشبية حول بائعي قهوة ليترقبوا تداعيات الجولة الحربية الاخيرة، التي خاضوها مع مقاتلين يجابهونهم على هضبة تعلو شوارعهم وازقتهم، ولا يفصل ما بين المنطقتين سوى شارع واحد، واحياء صغيرة اسماؤها غير مألوفة.

باب التبانة
داخل احياء "باب التبانة" شيء من الفقر ينهش واجهة الابنية، التي لا يكاد النهار يبدأ الا ويلتحم الضجيج بأفقها الباطوني الكثيف المتراكم فوق بعضه البعض، مشكلاً كتلة اسمنتية من أحزمة البؤس. تعيش في تلك الأبنية المهترئة وشبه المدمرة و"المفقوعة"، بسبب التقنيص والرصاص الطائش وشظايا "الانرغا"، عائلات واسر خلّفها الفقر هناك لتقتات الزمن بكل مرارته. يتلاءم الناس في تلك البيوت الصغيرة مع حياة الضجيج العارم وببقايا اساليب يومية توحي بالشقاء الدائم. هنا لا يعود الهم اليومي مرتبطا بضجيج الحياة، أكثر من انتظار لحظة موت بطيئة ولأسباب وجيهة ربما، يصبح الحديث عن الموت امرا عاديا ومكررا في مجتمع ينهشه العوز وتقيده القلة.

في الشوارع الداخلية تمر الساعات ثقيلة ورتيبة. ابنية باهتة ومحال صغيرة وكامدة. جدران مليئة بالكتابات السوداء، والشعارات التي لا يزال بعضها صامدا منذ ايام الحرب الاهلية. جدران علقت عليها صور لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان والشيخ عدنان العرعور، وأخرى لمجازر في حمص ولافتات تناصر الشعب السوري. حوادث سوريا حاضرة في كل جلسة في التبانة، ونصرة شعبها كما يقول محمد فرحات "واجب شرعي وانساني"، وهنا نقطة الجدال السياسي بين المنطقتين.

على الجدران ايضا رمز النضال في المنطقة "ابو عربي" عكاوي. يحلفون بالرجل تأكيدا لصدقهم ويتمنون عودته لينصرهم كما نصرهم سابقا. يقول فؤاد طرابيشي:" يا ريت في رجل طرابلسي يشبه ابو عربي". حماس الشباب الى الكلام يرافقه كثير من الحذر. يتوقف الكلام الامني، لنسألهم عن اوضاعهم المعيشية.

وهنا تعلو ضحكات هستيرية. "وضع معيشي؟" يسأل الشاب العشريني بسخرية ليضيف: "يا عمي نحنا مدفونون في هذه الحياة. لا نعرف مصير منطقتنا ونحن فقط مستعدون للموت". عن اي موت يتحدث؟ تسأله، فيجيب: "الموت بكل معانيه. نحن هنا نتهيأ للموت لأننا لسنا احياء اصلا. هل تعتبر اننا نعيش ونحن في ظل فقر مدقع واوضاع اقتصادية بائسة؟". وكأنك فتحت الباب مشرعا لكثير من التعليقات من الشباب الذين يستمعون الى حديثنا، وبين ايديهم "نباريش" الاراكيل يضيف كل منهم ما هو محبوس في فمه. "لا اشغال ولا اعمال وكل شيء سيئ" وفق ربيع.م. (26 سنة). ربيع خطب مرتين ولم يستطع ان يتزوج "الوضع الاقتصادي سيئ للغاية ولا قدرة على الزواج. والشقة في التبانة صار سعرها 50 الف دولار. من معه في هذه الايام دولار واحد في جيبه؟" إذاً لا عمل وسط بطالة مخيبة للآمال وضمن بيئة فقيرة يجتاحها الخوف من المجهول. هربا من هذا الواقع تبقى المقاهي الشعبية الصغيرة مرتعا لهؤلاء الشبان الذين لا يعملون. يتجمعون حو ل"نفس" النرجيلة ويتحدثون عن حال منطقتهم. نفس النرجيلة في التبانة لا يتعدى ثمنه الـ1500 ليرة. وايضا الدفع لا يكون مسبقا بل مذيلا بحساب دين طويل، يدونه رامي (صاحب المقهى) بمضض، مؤكدا ان الاحوال تعيسة للغاية و"علينا ان نتحمل بعضنا". في النهاية نحن ابناء منطقة واحدة، وكلنا نعرف حقيقة الظروف التي نعيشها وبالتالي "مندير بالنا ع بعض".

حال المرارة هذه، يقابلها الكثير من التلاحم، فيشبّه لنا احد الشبان باب التبانة بـ"باب الحارة" في المسلسل السوري الشهير. عادات وتقاليد لا تزال راسخة في اذهان الناس هنا لم تندثر. الإلفة ما بين العائلات "خصوصا اثناء المعارك" كما يقول. حيث تتحول ساحة الحرب الى "خلية نحل" فيها المساعدة والتعاون بين نساء الحي ليؤمنوا العتاد والزاد للمقاتلين من ابنائهم وابناء احياء اخرى.

الجولة في "باب التبانة" تبث شعورا بالالم على حال اهلها. من شارع حرز الجبنة وبعل الدقور الى شارع الجهاد والشل وحي ابو عربي والبزار الى سوق الخضار... الحال عينها. شوارع مكتظة بالسكان لكنهم لا يظهرون. ضجيجهم كفيل بإظهارهم. محال مختلطة قرب بعضها البعض تبيع كل شيء اجمالا. وعروض مختلفة تساير ظروف الناس المعيشية، "وعلى رغم ذلك القدرة الشرائية خفيفة وفي بعض الاحيان معدومة" وفق ابو خالد، احد بائعي السمانة في حي "السبيل".

نكمل جولتنا ويبدو ان آثار المعارك لا تزال حاضرة في النفوس وفي المشهد. فلا تستمتع الحاجة جميلة (54 عاماً) بـ"شرب نفس النرجيلة" بهدوء. تتوقع على الدوام ان "تشتعل" المعارك ما بين لحظة وأخرى. وعلى رغم ان بيتها يقع في حي داخلي من "باب التبانة" (بعل الدقور) الا انها تشعر بالتوتر دائماً. تجلس هي وجاراتها على شرفة شقتها الصغيرة المكونة من 3 غرف ينام فيها 9 اشخاص، اضافة الى زوجها. زوجها يعمل في "لمّ التنك" ويبيعه عند المرفأ قرب "السقي" بأسعار بخسة حتى يحصل على بضع ألوف من الليرات "يستر" بها عائلته ويطعمها. الوضع الأمني يؤثر دائماً على حياة السكان في "باب التبانة"، وحالهم مثل حال سكان "جبل محسن". تتحدث الحاجة جميلة عن وضع زوجها "المتخبط واللامستقر مثل وضع هذه المنطقة" كما تقول، وتضيف بحسرة: "يوم بيشتغل ويوم ما بيشتغل. وحين "تعلق" (تشتعل الاشتباكات) تصبح حالنا مزرية. يأكلنا الفقر على الرغم من ان بعض الجهات تقدم لنا المساعدات والمؤن" (في اشارة الى جهات سياسية نافذة في المدينة).

وجبل محسن
الجلسة على رغم هدوئها لا توحي بالطمأنينة للنسوة اللواتي يرتدين عباءات سوداء ويرتشفن القهوة بعجل. الانتظار والترقب هما سيدا الموقف هنا في "باب التبانة". وحين نصعد الى فوق(جبل محسن) الحال لا يتبدل. عشرات العائلات تركت بيوتها وانتقلت الى بيوت اقاربها خوفاً من "عودة الاشتباكات". والمسؤولون السياسيون في "الجبل" يؤكدون ان هناك محاولة لـ"زج المنطقتين في مشروع فتنة يفيد منه اعداء لبنان".

الفقر اياه يتغلغل في بيوت حي المهاجرين و"بعل الدراويش" و"الحارة الجديدة" في جبل محسن، حيث مشاهد الفقر والتشويه العمراني. وحدها صورة رفعت لعلي عيد، الشاب الذي يعول عليه اهالي المنطقة في مسيرة طائفة تعتبر نفسها "اقلية"، تتصدر واجهة احدى البنايات مكتوب عليها: "حامل الأمانة". في الشارع الرئيس ابنية عادية، تسكنها عائلات متوسطة الحال. سكان يعيشون من مهن مختلفة، لكن معظمهم يتوزع في مجالات المقاولات وصناعة الالبسة وتجارة الموبيليا، وبعضهم الآخر يخدم في السلك العسكري، الذي يطالبون بان تتم ترقية ابنائهم فيه مثلهم مثل باقي ابناء هذا البلد. هم، كما يرددون ويفتخرون، "جزء من نسيج طرابلس الاجتماعي"، لكنهم في الوقت عينه ملتزمون خطهم السياسي الواضح والصريح والذي لا يتنازلون عنه: "خط الممانعة". ليست سوريا من تسكن لبنان عبر اهالي الجبل، فهم يرفضون ان يتم وصفهم كـ"فيلق" تابع للنظام السوري واعوانه. لكنهم ملتزمون سوريا ونظامها.

تتكدس البيوت فوق بعضها في هذه الأحياء الضيقة، عامرة بشبان يستمتعون برشف فناجين "المتة" وبمشاهدة المسلسلات السورية في وسط الشارع، أو داخل المقاهي الصغيرة العتيقة. تقول السيدة منال الماما (47 عاماً) انها تعيش بهدوء اعتيادي، ولكنها تخاف دائماً من أن تعود الحوادث الامنية الى الواجهة فتحذر أولادها، وتطلب منهم العودة باكراً في المساء. وعادة لا تكون سهرات هؤلاء الشبان خارج أحيائهم. أولاً لحساسية أوضاعها الأمنية، وثانياً لعدم قدرتهم على التمتع بسهرات شبه مكلفة خارج مقاهي حاراتهم. تشتري نساء جبل محسن كل الخضار من سوق الخضار في باب التبانة وتؤكد السيدة منال ان "هناك شبه احتكاك يومي بين اهالي المنطقتين"، مشيرة الى انها تتمنى لو ان الأوضاع تبقى على هدوئها الحالي، وان لا تشعر هي ومحيطها بالخوف من ان "تعلق" مجدداً.

نتجول داخل احياء الجبل، نمضي في الشوارع الضيقة الى "الحارة الجديدة" الواقعة قرب خط تماس مباشر مع باب التبانة. بيوت وابنية مهدمة ومهملة ومنسية، متروكة للزمن. مقهى صغير اسمه غريب "مقهى الضبع". هنا تتوزع مقاعد خشبية مهترئة في باحته الخارجية حيث بائع المصبات ربيع محمد (31 عاما) يجلس مع شبان عاطلين عن العمل. وهذه مشكلة "عويصة" لدى شباب الجبل، لان معظمهم لا يعمل، ويقضون معظم ساعاتهم في المقاهي الشعبية الصغيرة يحتسون القهوة و"المتّة" المشهورة هناك. نكمل رحلتنا ونصل الى "حي المهاجرين" الذي رمم "الصندوق الكويتي" واجهات ابنيته، لكن هذا الترميم لم يستطع محو لون الاهمال عن هذا الحي الفقير. ومن ثم ندخل في زواريب مشروع الحريري التي لا تزال بقع الدمار منتشرة على جدران ابنيته البيضاء. نصل الى شارع "الاميركان" الهادئ والذي تبدو بيوته الواطئة وابنيته الصغيرة ذات الطبقات القليلة مستكينة وخارجة عن المحيط. ننزل من الشارع الى "حي الوادي" ومن ثم الى زقاق "المحطة"، ثم تباعا نكمل جولتنا في شارع "الرمبوان" المنطقة الحديثة في جبل محسن. ثمن الشقة السكنية هناك يصل الى 250 الف دولار اميركي. بنايات حديثة، وثانوية جديدة قيد البناء، ومقاه شبابية مختلفة عن باقي مقاهي الجبل الشعبية. من هناك نتحول الى مطل على تخوم مخيم المنكوبين. مسجد السيدة فاطمة الزهراء يبدو شامخاً بقبته الخضراء. إمام المسجد الشيخ علي سليمان يقول ان "سوريا تمثل عمق العروبة والمقاومة ولذلك تتم محاسبتها"، مؤكدا ان "السنة في طرابلس والعلويين هم اخوة في الاسلام ولهم مصالح مشتركة وقرابات ومصاهرة، ولا يجب ان يتم اختزالها برأي سياسي". يعول سليمان على دور وسائل الاعلام في "تهدئة" الاوضاع واحياء السلام من خلال عملها الصحافي.

في الجولة لا تسأل السيدة الواقفة على "درابزين" شقتها في احد الزواريب عن الزائر. تقول لجارتها ان تستقبلنا في مدخل البناية الصغيرة ذات الطبقات الاربع والتي يعود بناؤها الى ستينات القرن الماضي حين بدأت تزدهر حركة البناء في الجبل. ترحب بنا بلا مقدمات وتسأل فقط عن القهوة التي نشربها. تدخل مطبخها الصغير وتخرج حاملة ركوة القهوة وهي تقول: "اهلا وسهلا". وبعد ان ننتهي من شرب فنجان القهوة تقول لنا السيدة "بيوتنا مشرعة ومفتوحة للجميع. نحن اهل كرم وضيافة واهل طرابلس اهلنا". وتلفت السيدة الخمسينية الى ان "الجبل" يعاني من مشكلات كثيرة ليس اقلها الطرق غير المزفتة وقلة المدارس والاستشفاء النادر (يوجد مستوصفان تابعان لجمعيات خيرية وحزبية) وتقول وهي تتنهد: "يا ريت الدولة تنظر الينا وتعتبرنا مواطنين من الدرجة الثانية".

فوق او تحت لا فرق. الجو هو نفسه والاحتقان، على رغم الكلام "الرومانسي" الذي يردده بعض المتفائلين امنياً، لا يزال حاضراً بقوة. حركة دؤوبة للمسلحين في الخفاء وكلام سياسي كثير ومتراكم يشعل الحساسيات ويوتر الجو في منطقتين تحاولان دائماً الخروج من الأزمات، لكنهما، دائماً، على شفير "الاشتعال".

أضرار التبانة بعهدة بلدية طرابلس (السفير)

تفقد رئيس بلدية طرابلس نادر غزال أمس، يرافقه عضو المجلس البلدي عمر الهوز، وقائد شرطة بلدية طرابلس المؤهل سمير آغا، الأضرار التي خلفتها المواجهات الأخيرة في مناطق التبانة، واستمع إلى شكاوى الأهالي، واطلع على سير أعمال الورش البلدية التي تقوم بالتصليحات اللازمة على مستوى البنى التحتية.

وعقد غزال اجتماعاً مع الأهالي تحدث خلاله الشيخ وليد طبوش، الذي أكد أن "أبناء التبانة يعانون الأمرين، وهم اليوم بأمس الحاجة إلى وقوف بلدية طرابلس إلى جانبهم"، مشيراً إلى أن "أهالي التبانة يناشدون بلدية طرابلس ضرورة إنصاف أهالي التبانة من خلال العمل الحثيث على دعمها للمنطقة، والتي لا تحظى بأي اهتمام لا من قبل الدولة ومؤسساتها ولا من قبل السياسيين ولا حتى القوى الأمنية". بدوره أكد غزال حرص البلدية على دعم كل الاحتياجات التي تتطلبها المنطقة، لافتا إلى أن "العثرات الأمنية هي التي تصعّب تقديم الخدمات بغية النهوض بها"، مؤكداً أن "قضايا التبانة تبقى من أولويات اهتماماتنا".

"التبانة" تطالب بسحب السلاح من أحيائها (المستقبل)

لا تكاد منطقة باب التبانة تخرج من محنة عصيبة كتلك التي عاشتها قبل أيام، حتى تقع في أزمة أشد وطأة، هي نسيان ما حصل وإهمال الواقع الذي تسبب بنشوب الازمة، والتطنيش على الواقع المتردي الذي تعيش فيه، خاصة بعد أن سجلت كل التقارير مؤخرا ان معدل الفقر فيها يزيد عن 60 بالمئة، وهو ما تعكسه البطالة والتسرب المدرسي؛ على الرغم من وجود رئيس حكومة ومعه أربعة وزراء لأول مرة في تاريخ المدينة، اذ يفترض بهم مجتمعين أن لا يعملوا على إغاثة أبناء التبانة فقط، وانقاذهم من الأسر الذي يعيشون فيه تحت رحمة مجموعة من الشبيحة، بل عليهم الشروع فورا لوضع خطة عاجلة لنزع السلاح غير الشرعي المستشري، خاصة منه الصاروخي والقذائف ذات العيار الثقيل التي تدك بها بيوت الآمنيين، فتفتك بأرواحهم وأرزاقهم وجنى أعمارهم.

فبعد ما شهدته التبانة يومي الجمعة والسبت الماضيين من أحداث أمنية، بات مطلبا ملحا سحب السلاح غير الشرعي، وهو ما برح ينادي به عموم أبناء التبانة الذين يسألون لمصلحة من يخزن السلاح وتحديدا الثقيل منه، ولمصلحة من تزخر المستودعات بمختلف أنواع الاسلحة، وما هو دور المقاومة في طرابلس؟".

وفي بيان وزع باسم شباب التبانة طالب الدولة بـ "الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الناس"، مناشدا الحكومة "وضع خطة طارئة لسحب السلاح من بين الاحياء السكنية والذي يروع الاطفال والنساء والشيوخ، ويكبد المواطنين في أرواحهم وأرزاقهم خسائر باهظة". وتزامن مطلب شباب التبانة مع "حملة طرابلس مدينة خالية من السلاح" والتي جددت دعوتها لسحب السلاح "بدل الرصاص استخدم الكلمة".

ويؤكد إمام جامع حربا في التبانة الشيخ مازن محمد، بأن "مطلب سحب السلاح غير الشرعي محق، ولكن على الدولة أن تقوم بالمبادرة"، موضحا "حقيقة ما جرى في التبانة، بقوله كلنا يعرف أن الحزب "العربي الديموقراطي" دائما وأبدا يحاول أن يكون ساعي بريد لإيصال الرسائل سواء في باب التبانة أو في طرابلس، وهو يسعى من خلال الاعمال العسكرية باستخدامه لكل أنواع القذائف والصواريخ والاسلحة الرشاشة بانواعها أن يضغط علينا او يحيدنا عن رأينا وقناعاتنا".

"لذلك ان أبناء التبانة متمسكون برأيهم السياسي وبمواقفهم ودعمهم للحريات وبخاصة دعمهم للثورة السورية التي يطالب أهلها بالحرية والعدالة، فكما دعمنا كل الثورات العربية التي طالبت بالحرية نقف اليوم الى جانب اخواننا في سوريا". يقول.

ويشير الشيخ محمد الى ان "بعض الجهات تحاول تصويرنا في باب التبانة ان لدينا عصابات، وخارجون عن القانون، نحن نؤكد انه لا يوجد عندنا ميليشيات، نحن تحت سقف القانون كنا ولا زلنا وسنبقى، ولن يستطيع أحد أن يجعلنا في مواجهة مع الجيش او مع قوى الامن، لذلك لا يحاول أن يصور التبانة بخلاف ذلك".

بدوره رئيس تجمع "أبناء طرابلس والشمال" عبد الحميد عجم ناشد المسؤولين بـ "العمل على بلورة خطة عاجلة لسحب السلاح غير الشرعي الذي يفتك بكل المواطنين، وان يكون هذا السلاح حصرا بالجيش والقوى الامنية"، وأكد أن "هناك جهة مرتبطة بالنظام السوري تحاول دائما أخذ البلد رهينة والعبث فيه، لمعاقبته على التوجهات والمواقف التي يتخذها الى جانب أهلنا وأشقاؤنا في سوريا الذين يعانون الظلم"، مردفا "واذا كان رفعت عيد مسؤول الحزب "العربي الديموقراطي" يفتخر بانه يقف مع بشار الاسد وما يرتكبه، فهذا شأنه ولكن ليس من حقه أن يفرض ذلك بالقوة على المدينة".

وأضاف: "نحن نطالب الدولة أولا بمعالجة سريعة للسلاح غير الشرعي الذي يفتك بالمواطنين جميعا، كما ندعو ثانيا رئيس الحكومة ووزراء طرابلس الى إيلاء منطقة باب التبانة الاهتمام الاوسع لانتشالها مما تتخبط فيه، والعمل على توفير وتأمين فرص عمل للآلاف من الشباب العاطل عن العمل. ووضع خطة طوارىء لباب التبانة تكون بداية لإنتشالها من حال البؤس الذي تعاني منه".

من جهته مختار التبانة محمود الزعبي، رأى ان "الازمة التي تعاني منها التبانة ومحيطها لا تحل على طريقة "الهدنة"، أشبه باسطوانه دائرة"، لافتا الى ان "موضوع التبانة يحتاج الى علاج جذري من خلال خطة تضعها الدولة وتعمل على تنفيذها، لان الاوضاع لم تعد تحتمل، عندنا بطالة وفقر وتسرب مدرسي هناك الكثير من المشكلات لا تحل على طريق "تبويس الذقن"، صحيح أن الاوضاع هادئة وهناك انتشار كثيف للجيش، ولكن أصعب شيء أن يعيش المواطن تحت رحمة القلق والخوف من أهل الغدر".

تحرير عقود الإيجار القديمة وخصوصية مدن «اتحاد الفيحاء» (السفير)

تتجه لجنة الإدارة والعدل إلى إنجاز مشروع قانون تحرير عقود الإيجار القديمة، تمهيداً لإرساله إلى الهيئة العامة للمجلس النيابي سعياً إلى اقراره. ورغم أن المشروع يتضمن بعض الحوافز الهادفة إلى حماية المستأجرين من التشرد، إلا أن الإفادة من تلك الحوافز تبدو متعذرة، إن لم تكن مستحيلة بالنسبة للغالبية العظمى من المستأجرين لأغراض السكن أو العمل، الأمر الذي سيضعهم أمام مصير مجهول ويهدد ثلث سكان لبنان بكارثة اجتماعية محققة.

وعلى الرغم من أن الإحصاءات تشير إلى أن عدد العائلات التي تشغل سكناً أو متجراً، وفق قانون الإيجارات الموضوع قيد الدرس، يزيد عن 210 آلاف عائلة في لبنان، ويشكلون قرابة ثلث السكان، في حين يبلغ عدد المالكين قرابة 15 بالمئة من ذلك العدد، إلا أن لجنة الإدارة والعدل تمضي قدماً في توجهها تغليب حقوق الأقلية ومصالحها على مصلحة الكثرة من اللبنانيين، مع التنبيه إلى أن اقرار القانون، في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية البائسة والسائدة اليوم، سيشكل شرارة اضطراب اجتماعي حاد يحمل في ثناياه مخاطر الانعكاس على الاستقرار الأمني.

وتتجاوز لجنة الادارة والعدل في مناقشاتها لقانون تحرير عقود الإيجار حقيقة أن بدلات الإيجار للعقود القديمة قد ارتفعت مرتين خلال ثلاث سنوات: الأولى في العام 2008 حين ارتفعت بدلات الإيجارات بنسبة 33 بالمئة، إثر صدور مرسوم زيادة الحد الأدنى للاجور آنذاك، والثانية مطلع العام الحالي حيث سترتفع الإيجارات مجددا بمعدل 17,5 بالمئة، عملا بمرسوم زيادة الحد الأدنى للاجور الصادر حديثا، بحيث يصبح إجمالي زيادة الإيجارات في مدى ثلاثة أعوام 50,5 بالمئة، مع ما تحمله الزيادتان من بعض الإنصاف لمالكي الأبنية القديمة المؤجرة، وما تلقيه من عبء إضافي على المستأجرين القدامى الذين تنتمي الاكثرية الساحقة منهم إلى الطبقة الفقيرة أو المعدمة.

كما تُغفل لجنة الإدارة والعدل حقيقة أن التمديد التلقائي لعقود الإيجار القديمة يخضع لضوابط، وأن حق المستاجر القديم في التمديد التلقائي ليس مطلقا، الأمر الذي أدى، ويؤدي تدريجيا، إلى تحرير المساكن والمتاجر المشمولة بعقود إيجار قديمة من التمديد التلقائي، ويعيد العقارات إلى مالكيها بشكل متدرج، ومن دون أن يدفع بالوطن إلى أتون مشكلة اجتماعية بالغة الخطورة، إذا ما تم اقرار قانون تحرير عقود الإيجار القديمة.

وتعيش طرابلس أوضاعاً اجتماعية واقتصادية شديدة الصعوبة، وتشير الدراسات التي أجرتها جهات مسؤولة عدة، إلى أن معدلات الفقر والبطالة في الفيحاء مرتفعة بشكل مرعب، ولعل أهم تلك الدراسات وأكثرها جدية وشمولاً هي تلك الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، و«الوكالة الدولية للتنمية» التابعة للأمم المتحدة، في العام 2008، التي تؤكد أن المواطنين الذين يعيشون دون حافة الفقر يشكلون 57 بالمئة من عدد سكان الفيحاء، مع ما تفرزه هذه الحالة الاجتماعية المتردية من تداعيات ليس أقلها تسرب مدرسي بين الشباب وتوتر اجتماعي بلغ مستويات مرتفعة.

ويبلغ عدد عقود الإيجار القديمة والتي سيشملها قانون تحرير العقود، اذا ما ابصر النور، قرابة 27000 عقد سكني وتجاري يتوزعون على مدن «اتحاد بلديات الفيحاء»، وهي مدن يبلغ تعداد عائلاتها قرابة 68000 عائلة، الامر الذي يجعل 40 بالمئة من عدد عائلات الفيحاء، وبالتالي سكانها، مهددين بتشريدهم من سكنهم أو أعمالهم نتيجة عجزهم عن الاستجابة لمتطلبات تحرير عقود الإيجار القديمة، وضآلة الإمكانات المتوفرة لهم وضيق هامش الفرص المتاحة أمامهم للاستفادة من التسهيلات المحدودة التي سيوفرها لهم مشروع قانون تحرير العقود العتيد. ذلك بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من المستأجرين القدامى يتواجدون في المناطق الفقيرة والمهمشة في الفيحاء، ومنها مناطق التبانة، والقبة، والأسواق الداخلية في طرابلس، والأحياء القديمة في الميناء.

إن لبنان عامة وطرابلس بشكل خاص أمام مشكلة اجتماعية واقتصادية وإنسانية كبرى، فيما إذا أبصر مشروع قانون تحرير عقود الإيجارات القديمة النور في وقت قريب. نأمل أن تدرس لجنة الإدارة والعدل بدائل مرحلية للقانون ومنها على سبيل المثال لا الحصر تشديد الضوابط على التمديد التلقائي للعقود القديمة، الأمر الذي سيؤدي إلى تحرير تدريجي لها، مع ضرورة البحث الجدي في وضع سياسة إسكانية توفر مساكن تكون في متناول ذوي الدخل المحدود قبل تحرير العقود القديمة يمكن أن تتبناها الحكومة، أو ينفذها القطاع الخاص، إذا ما توافرت لهذا القطاع الحوافز الكافية (مشروع المهجرين في طرابلس نموذجاً).

وآمالنا معلقة على وعي نواب لبنان عامة ـ ونواب طرابلس والشمال بخاصة – من أجل إعادة النظر بمشروع القانون المشؤوم الذي لا نشك لحظة في أنه سيفاقم الأزمة الاجتـماعية الحادة القائمة في لبنان اليوم ويدفع بها إلى مستويات غير مسبوقة.

الراعي أرجأ زيارته لطرابلس ريثما تكون "لملمت جروحها" (النهار)

أرجأ البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي زيارته الراعوية التي كانت مقررة لطرابلس بسبب الأوضاع. استقبل الراعي في بكركي أمس، رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران جورج بو جوده، وأعضاء اللجنة المنظّمة لزيارته طرابلس. وأفاد بيان للمطرانية أن بو جوده أطلع الراعي على المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار يوم الاثنين الفائت، للإعلان عن موعد هذه الزيارة وبرنامجها. وأضاف: "لم تغب الأحداث الأمنية عن مضمون اللقاء، حيث أبلغ المطران بو جوده غبطته عن أن الوضع الأمني في طرابلس غير مرتاح تماماً الى الآن، وأنّ الوضع الانساني مأسوي، والأجواء التي تعيشها المدينة حزينة، وخصوصاً أنّه سُجّل في الأحداث الأخيرة سقوط قتلى وجرحى، ونزوح عدد من السكان عن منازلهم، إضافة الى الأضرار الجسيمة في الممتلكات التي لم تُلَملَم آثارها بعد. كما جرى التواصل عبر الهاتف في هذا الاطار بين غبطة البطريرك وسماحة مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار. وتمّ خلال اللقاء تدارس إمكان تأجيل هذه الزيارة الى وقت آخر، وأشار البطريرك أنّه كان في زيارة رعايا قبرص في أثناء اندلاع الاحداث في طرابلس، وأعلن عن تعاطفه مع الأهالي في المدينة، خصوصاً أولئك الذين فقدوا أحبّة لهم. وإيماناً منه بأنّ زيارة طرابلس ستكون لكل أبناء المدينة من دون تمييز، وأن لقاءه معهم سيكون لقاء فرح وبهجة وشركة ومحبة، واحتراماً منه لمشاعر الناس وأحزانهم، قرر إرجاء الزيارة الى موعد آخر تكون فيه المدينة قد لملمت جروحها وطوت صفحة الأحزان التي نأمل ألا تتكرّر على الاطلاق".

شبان يزيلون مطبات في الميناء (السفير)

تجمع عدد من شبان مدينة الميناء، صباح أمس، عند الكورنيش البحري للمدينة، وقاموا بإزالة المطبات الإسفلتية من أمام الجامعة العربية، نظراً إلى عدم تطابقها مع المواصفات المطلوبة، بعد رفض رئيس بلدية الميناء السفير محمد عيسى إزالتها، وفق ما أكد عضو مجلس البلدية هاشم الأيوبي. وعمل الشبان على إزالة المطبات التي كانت إدارة الجامعة قامت بوضعها، وأزالوا مطباً آخر وضعته إدارة الجامعة.
وقد وزع في المدينة بيان باسم "هيئات المجتمع المدني وأحرار الميناء"، يدعو الأهالي إلى التجمع أمام الجامعة لإزالة المطبات.